للمرة الأولى، يدخل موضوع تأدية مناسك الحج هذا العام في إطار التجاذب، مع إطلاق مهلة تقديم الطلبات في 15 الجاري. ويعيش بعض اللبنانيين ممن ينوون أداء هذه الفريضة تردداً بين الإقبال على الخطوة أو الإحجام عنها، في ظل انتشار وباء انفلونزا الخنازير، حيث إمكانية انتقال العدوى عالية جداً، جراء التجمعات الكبيرة أثناء تأدية الفريضة لمواطنين من مختلف بلاد العالم.
في 28 نيسان الماضي، أصدرت وزارة الصحة في السعودية تعميماً يتضمن «الاشتراطات الصحية الواجب توفرها في القادمين لأداء العمرة والحج لموسم 1430 هجرية»، ومن ضمنها «التلقيح ضد فيروس الانفلونزا». ومنذ حوالى أسبوعين، أُبلغت «هيئة شؤون الحج» التابعة لرئاسة الوزراء بهذا التعميم، وأبلغت الهيئة بدورها الشركات والحملات التي تؤمن رحلات الى الحج بضرورة اقتران طلبات المواطنين بشهادة التلقيح ضد الانفلونزا.
الى هنا يبدو الأمر طبيعياً. فالوقاية مؤمنة بحسب التعميم السعودي. غير أن رئيس قسم الحجر الصحي (التابع لوزارة الصحة) في مطار رفيق الحريري الدولي، الدكتور ناصر شاهين، يعتبر أن هذا التلقيح «بدعة» أطلقتها السفارة السعودية، ويؤكد لـ «السفير» أنه لا يحمي بتاتاً من انفلونزا الخنازير، ولا يقي منها أبداً، وإلا لكنا ألزمنا به جميع المواطنين احترازياً»، ما يجعل الأمر مفتوحاً على كل الاحتمالات خلال موسم الحج المقبل.
ماذا في التفاصيل؟
أُُبلغت هيئة شؤون الحج في لبنان مؤخراً بقرار يقضي بتخفيض عدد الحجاج اللبنانيين الذين تستقبلهم المملكة السعودية هذا العام، من ستة آلاف الى أربعة آلاف شخص، على ضوء مقررات اجتماع وزراء الحج في السعودية في أيار الماضي. ويقول مدير الهيئة ابراهيم عيتاني: «إذا لم تكن انفلونزا الخنازير هي سبب هذا القرار، فهي عامل مساعد في اتخاذه».
وفيما جرت العادة السنوية على وجوب اقتران طلبات المواطنين الراغبين بأداء مناسك الحج بشهادات تلقيح ضد الحمى الشوكية (السحايا)، أعلمت السفارة السعودية الهيئة مؤخراً بوجوب الحصول على تلقيح آخر ضد الانفلونزا. من هنا، عمّمت الهيئة على حوالى 300 حملة تابعة لحوالى 60 شركة بوجوب أخذ اللقاحين، كشرط للحصول على تأشيرة الدخول للسعودية، لأداء أي من فريضتي الحج والعمرة.
ويقول عيتاني ان «التلقيح الجديد يؤخذ من قبل طبيب خاص، أو مستوصف او صيدلي، لافتقاده لدى وزارة الصحة». ويشير الى أن الرعب من الوباء منتشر بين الناس بالرغم من وجود آلات لكشف درجة الحرارة على مداخل السعودية جواً وبراً، لافتاً إلى أن الهيئة تنسق في كل خطواتها مع المديرية العامة للأمن العام.
من جهة ثانية، يجمع عدد من أصحاب الحملات التي تؤمن رحلات الحج على أن حملاتهم تعمل بموجب تعليمات الهيئة، وأنها تلزم المواطنين الراغبين بأداء الفريضة بإجراء التلقيح المستجد ضد الانفلونزا. ويشير بعض هؤلاء الى أن ثمة قلقا بين الناس يعكسه تراجع في الإقبال في هذا المجال حتى اليوم.
وفيما حُددت مهلة تقديم الطلبات بين 15 الجاري و15 آب المقبل، يشير مدير حملة «الحلفاء» الشيخ سعد الله السباعي الى تراجع نسبة الطلبات من 35 طلباً في حزيران 2008 الى 15 طلباً في حزيران 2009. ويتوقع أن يصل عدد الطلبات مع نهاية الفترة المحددة لتقديمها إلى 60 في المئة من الطلبات التي قدمت العام الماضي. ويقول: «الناس تسألنا دائماً عن الوباء، وتطلب نصائحنا بشأن أداء الفريضة أو تأجيلها، لكننا نترك لهم القرار».
أما عدد الطلبات لدى حملة «الأوّابين» فتراجع من حوالى 20 طلباً في حزيران العام الماضي (من أصل 44 طلباً هو إجمالي عدد الطلبات) الى النصف في الشهر الحالي. ولا يرى مدير الحملة عدنان عيتاني أن السبب لا يعود بالضرورة الى قلق من الوباء المستجد، وإنما الى تريث المواطنين للمفاضلة بين الحملات، لحين اقتراب نهاية مهلة تقديم الطلبات.
لجهة الإجراءات الوقائية، يشير رئيس قسم الحجر الصحي في مطار بيروت، الدكتور ناصر شاهين، إلى أن هناك أربع آلات في المطار لكشف حرارة الركاب الواصلين من الخارج، وعددا من المراقبين الصحيين. وأن الاجراءات لا تشمل المسافرين، ومنهم طلاب الحج والعمرة، لأنهم يخضعون للفحص في مطارات البلدان التي يقصدونها، فيما تنحصر قوانيننا بتأمين الوقاية لبلدنا من القادمين اليه».
يضيف: «بالنسبة الى المصاب بحرارة مرتفعة، نأخذ عينات من البلغم لفحصها، فاذا ثبتت إصابته، نعالجه مجاناً ونحجر عليه. وثمة مصابون لا يعانون من ارتفاع الحرارة، فنطلب من ركاب الطائرة احتياطاً ملء استمارات مع عناوينهم وأرقام هواتفهم، لنتصل بهم بعد ثلاثة أيام طالبين منهم في حال ظهور أي بوادر مرضية لديهم، الاتصال بنا أو بالطبيب المعالج». ويتابع: «حتى اليوم، وصل عدد المصابين الذين اكتشفنا إصاباتهم عشرين شخصاً، قدموا من أميركا وأستراليا وكندا وإسبانيا، وقدمنا لهم العلاج حتى الشفاء الكامل. ثم أجرينا فحوصات للأفراد المحيطين بهم».
ويستغرب شاهين التهويل الإعلامي الذي يُثار حول موضوع انفلونزا الخنازير في لبنان، وهو بلد سليم، ويزوره أسبوعياً 14 ألف سائح، فيما يرتقب أن يصل إجمالي عدد المصطافين الى مليوني شخص.
وحول أسباب عدم وجود «اللقاح» لدى وزارة الصحة، يوضح شاهين: «هذا اللقاح لا يحمي بتاتاً من انفلونزا الخنازير. إنه بدعة أطلقتها السفارة السعودية. وهو لا يؤمن الوقاية أبداً، وإلا لكنا ألزمنا به جميع المواطنين. إنه إجراء شكلي ولا مسوغ طبياً له، ويجب أن يكون مرفوضاً. نحن نعطي اللقاحات التي تحددها منظمة الصحة العالمية، والتي تفرض على طلاب الحج التلقيح ضد السحايا والحمى الصفراء. أما اللقاح الذي فرضته السعودية فمخصص للانفلونزا العادية، علماً بأنه لا موسم «كريب» اليوم، وأن الأطباء يضطرون إلى تغيير لقاح الانفلونزا أو «الكريب» كل سنة، تبعاً لنوع الفيروس. وأحياناً يضطرون الى الانتظار الى منتصف فصل الشتاء، لتحديد نوعية الجراثيم، وبالتالي نوعية اللقاح الواجب اعطاؤه للناس، خصوصاً كبار السن».
لكن ألا يعني ذلك نصح الناس بعدم الذهاب الى الحج؟ يقول شاهين: «الأمر شخصي محض. فالناس إما تقرر عدم الذهاب، أو الاتصال بمرجع طبي في حال ظهور أي بوادر مرضية لديهم. هل نمنع الناس من السفر الى أميركا أو المكسيك؟ بل يجب أن يأخذ كل بلد احتياطاته اللازمة. ثم إن إجمالي عدد الحجاج الواصلين من العالم يقارب المليوني شخص، أي ما يوازي عدد المصطافين المتوقع قدومهم الى لبنان، فلماذا كل هذا الخوف؟»
وفي ما يخص وجهة النظر الدينية إزاء الموضوع، يقول السيد علي فضل الله «إن من واجب الانسان عدم تعريض نفسه للخطر. وإذا كان ثمة سبل وقائية فعليه الالتزام بها، حتى لو كان الأمر يتعلق بواجب ديني كالحج. فالله يقول في كتابه: ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلاً. أي أن القادر هو من يحج، وليس المقصود هنا القدرة المادية فحسب، بل القدرة الجسدية من خلال عدم الاساءة للوضع الصحي. وكما في الصوم يكفي ان يكون لدي الانسان خوف (واقعي وليس وهمياً) من الضرر حتى لا يصوم، وكذلك يمكنه في هذه الحالة ألا يحج. لكن يجب التدقيق في الموضوع حتى لا نقع في المحظور، من خلال ترك واجب ديني».
ورداً على سؤال حول عدم تبني الإجراءات الطبية التي فرضتها السفارة السعودية من قبل وزارة الصحة، يقول: «لا شك في أن السفارة السعودية مهتمة بالجانب الصحي، لكن إذا تبين فعلاً أن الأمر غير دقيق، فعليها أن تأخذ بعين الاعتبار كل ما يجنّب الناس الضرر، لكونها تستضيفهم عندها ومعنية بصحتهم، خصوصاً أن للموضوع بالنسبة إليها بُعدَين دينيا وماديا».
ويقول مفتي الجمهورية اللبنانية، الشيخ محمد رشيد قباني، ان الأصل في الشريعة الإسلامية الكليات الخمس: حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال. وهناك وسائل لحفظ كل منها. لكن السؤال يتعلق بصدد حفظ النفس لأن في المرض خطرا على صحة الانسان ونفسه وحياته. ويقول الله سبحانه وتعالى: ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة، وهذه قاعدة يمكن أن يستخدمها الإنسان في كل أحواله لدفع الضرر عنه. كما يجب أن يقي الانسان نفسه الأمراض عملاً بالقول المأثور درهم وقاية خير من قنطار علاج».
يضيف قباني: «هناك حديث عن سيدنا محمد أنه قال: إذا كان الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه. وهناك تطبيق عملي لهذا الحديث الشريف من خلال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي كان خارجاً من المدينة المنورة الى بلاد الشام، ومعه بعض الصحابة، وفي الطريق علم بأن مرض الطاعون انتشر في بلاد الشام وقتل الكثيرين، فقرر الرجوع مع أصحابه الى المدينة. فقال له الصحابي الجليل أبو عبيدة الجراح: أفراراً من قدر الله يا عمر؟.. فرد عليه قائلاً: لو قالها غيرك يا أبا عبيدة.. نعم نفرّ من قدر الله الى قدر الله».
ثم يتساءل قباني: «إنما هل نفتي بمنع الناس من الدخول الى البلاد التي يتواجد فيه وباء انفلونزا الخنازير؟... الأمر متروك لوزارات الصحة وللمسؤولين السياسيين في بلاد العالم. الفتوى هي بالانتباة والوقاية، فالذين يريدون الوقاية والاحتياط لهم ما يريدون، لكننا لا ندفعهم ولا ننهاهم عن الدخول أو الخروج لأي بلد».
في 28 نيسان الماضي، أصدرت وزارة الصحة في السعودية تعميماً يتضمن «الاشتراطات الصحية الواجب توفرها في القادمين لأداء العمرة والحج لموسم 1430 هجرية»، ومن ضمنها «التلقيح ضد فيروس الانفلونزا». ومنذ حوالى أسبوعين، أُبلغت «هيئة شؤون الحج» التابعة لرئاسة الوزراء بهذا التعميم، وأبلغت الهيئة بدورها الشركات والحملات التي تؤمن رحلات الى الحج بضرورة اقتران طلبات المواطنين بشهادة التلقيح ضد الانفلونزا.
الى هنا يبدو الأمر طبيعياً. فالوقاية مؤمنة بحسب التعميم السعودي. غير أن رئيس قسم الحجر الصحي (التابع لوزارة الصحة) في مطار رفيق الحريري الدولي، الدكتور ناصر شاهين، يعتبر أن هذا التلقيح «بدعة» أطلقتها السفارة السعودية، ويؤكد لـ «السفير» أنه لا يحمي بتاتاً من انفلونزا الخنازير، ولا يقي منها أبداً، وإلا لكنا ألزمنا به جميع المواطنين احترازياً»، ما يجعل الأمر مفتوحاً على كل الاحتمالات خلال موسم الحج المقبل.
ماذا في التفاصيل؟
أُُبلغت هيئة شؤون الحج في لبنان مؤخراً بقرار يقضي بتخفيض عدد الحجاج اللبنانيين الذين تستقبلهم المملكة السعودية هذا العام، من ستة آلاف الى أربعة آلاف شخص، على ضوء مقررات اجتماع وزراء الحج في السعودية في أيار الماضي. ويقول مدير الهيئة ابراهيم عيتاني: «إذا لم تكن انفلونزا الخنازير هي سبب هذا القرار، فهي عامل مساعد في اتخاذه».
وفيما جرت العادة السنوية على وجوب اقتران طلبات المواطنين الراغبين بأداء مناسك الحج بشهادات تلقيح ضد الحمى الشوكية (السحايا)، أعلمت السفارة السعودية الهيئة مؤخراً بوجوب الحصول على تلقيح آخر ضد الانفلونزا. من هنا، عمّمت الهيئة على حوالى 300 حملة تابعة لحوالى 60 شركة بوجوب أخذ اللقاحين، كشرط للحصول على تأشيرة الدخول للسعودية، لأداء أي من فريضتي الحج والعمرة.
ويقول عيتاني ان «التلقيح الجديد يؤخذ من قبل طبيب خاص، أو مستوصف او صيدلي، لافتقاده لدى وزارة الصحة». ويشير الى أن الرعب من الوباء منتشر بين الناس بالرغم من وجود آلات لكشف درجة الحرارة على مداخل السعودية جواً وبراً، لافتاً إلى أن الهيئة تنسق في كل خطواتها مع المديرية العامة للأمن العام.
من جهة ثانية، يجمع عدد من أصحاب الحملات التي تؤمن رحلات الحج على أن حملاتهم تعمل بموجب تعليمات الهيئة، وأنها تلزم المواطنين الراغبين بأداء الفريضة بإجراء التلقيح المستجد ضد الانفلونزا. ويشير بعض هؤلاء الى أن ثمة قلقا بين الناس يعكسه تراجع في الإقبال في هذا المجال حتى اليوم.
وفيما حُددت مهلة تقديم الطلبات بين 15 الجاري و15 آب المقبل، يشير مدير حملة «الحلفاء» الشيخ سعد الله السباعي الى تراجع نسبة الطلبات من 35 طلباً في حزيران 2008 الى 15 طلباً في حزيران 2009. ويتوقع أن يصل عدد الطلبات مع نهاية الفترة المحددة لتقديمها إلى 60 في المئة من الطلبات التي قدمت العام الماضي. ويقول: «الناس تسألنا دائماً عن الوباء، وتطلب نصائحنا بشأن أداء الفريضة أو تأجيلها، لكننا نترك لهم القرار».
أما عدد الطلبات لدى حملة «الأوّابين» فتراجع من حوالى 20 طلباً في حزيران العام الماضي (من أصل 44 طلباً هو إجمالي عدد الطلبات) الى النصف في الشهر الحالي. ولا يرى مدير الحملة عدنان عيتاني أن السبب لا يعود بالضرورة الى قلق من الوباء المستجد، وإنما الى تريث المواطنين للمفاضلة بين الحملات، لحين اقتراب نهاية مهلة تقديم الطلبات.
لجهة الإجراءات الوقائية، يشير رئيس قسم الحجر الصحي في مطار بيروت، الدكتور ناصر شاهين، إلى أن هناك أربع آلات في المطار لكشف حرارة الركاب الواصلين من الخارج، وعددا من المراقبين الصحيين. وأن الاجراءات لا تشمل المسافرين، ومنهم طلاب الحج والعمرة، لأنهم يخضعون للفحص في مطارات البلدان التي يقصدونها، فيما تنحصر قوانيننا بتأمين الوقاية لبلدنا من القادمين اليه».
يضيف: «بالنسبة الى المصاب بحرارة مرتفعة، نأخذ عينات من البلغم لفحصها، فاذا ثبتت إصابته، نعالجه مجاناً ونحجر عليه. وثمة مصابون لا يعانون من ارتفاع الحرارة، فنطلب من ركاب الطائرة احتياطاً ملء استمارات مع عناوينهم وأرقام هواتفهم، لنتصل بهم بعد ثلاثة أيام طالبين منهم في حال ظهور أي بوادر مرضية لديهم، الاتصال بنا أو بالطبيب المعالج». ويتابع: «حتى اليوم، وصل عدد المصابين الذين اكتشفنا إصاباتهم عشرين شخصاً، قدموا من أميركا وأستراليا وكندا وإسبانيا، وقدمنا لهم العلاج حتى الشفاء الكامل. ثم أجرينا فحوصات للأفراد المحيطين بهم».
ويستغرب شاهين التهويل الإعلامي الذي يُثار حول موضوع انفلونزا الخنازير في لبنان، وهو بلد سليم، ويزوره أسبوعياً 14 ألف سائح، فيما يرتقب أن يصل إجمالي عدد المصطافين الى مليوني شخص.
وحول أسباب عدم وجود «اللقاح» لدى وزارة الصحة، يوضح شاهين: «هذا اللقاح لا يحمي بتاتاً من انفلونزا الخنازير. إنه بدعة أطلقتها السفارة السعودية. وهو لا يؤمن الوقاية أبداً، وإلا لكنا ألزمنا به جميع المواطنين. إنه إجراء شكلي ولا مسوغ طبياً له، ويجب أن يكون مرفوضاً. نحن نعطي اللقاحات التي تحددها منظمة الصحة العالمية، والتي تفرض على طلاب الحج التلقيح ضد السحايا والحمى الصفراء. أما اللقاح الذي فرضته السعودية فمخصص للانفلونزا العادية، علماً بأنه لا موسم «كريب» اليوم، وأن الأطباء يضطرون إلى تغيير لقاح الانفلونزا أو «الكريب» كل سنة، تبعاً لنوع الفيروس. وأحياناً يضطرون الى الانتظار الى منتصف فصل الشتاء، لتحديد نوعية الجراثيم، وبالتالي نوعية اللقاح الواجب اعطاؤه للناس، خصوصاً كبار السن».
لكن ألا يعني ذلك نصح الناس بعدم الذهاب الى الحج؟ يقول شاهين: «الأمر شخصي محض. فالناس إما تقرر عدم الذهاب، أو الاتصال بمرجع طبي في حال ظهور أي بوادر مرضية لديهم. هل نمنع الناس من السفر الى أميركا أو المكسيك؟ بل يجب أن يأخذ كل بلد احتياطاته اللازمة. ثم إن إجمالي عدد الحجاج الواصلين من العالم يقارب المليوني شخص، أي ما يوازي عدد المصطافين المتوقع قدومهم الى لبنان، فلماذا كل هذا الخوف؟»
وفي ما يخص وجهة النظر الدينية إزاء الموضوع، يقول السيد علي فضل الله «إن من واجب الانسان عدم تعريض نفسه للخطر. وإذا كان ثمة سبل وقائية فعليه الالتزام بها، حتى لو كان الأمر يتعلق بواجب ديني كالحج. فالله يقول في كتابه: ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلاً. أي أن القادر هو من يحج، وليس المقصود هنا القدرة المادية فحسب، بل القدرة الجسدية من خلال عدم الاساءة للوضع الصحي. وكما في الصوم يكفي ان يكون لدي الانسان خوف (واقعي وليس وهمياً) من الضرر حتى لا يصوم، وكذلك يمكنه في هذه الحالة ألا يحج. لكن يجب التدقيق في الموضوع حتى لا نقع في المحظور، من خلال ترك واجب ديني».
ورداً على سؤال حول عدم تبني الإجراءات الطبية التي فرضتها السفارة السعودية من قبل وزارة الصحة، يقول: «لا شك في أن السفارة السعودية مهتمة بالجانب الصحي، لكن إذا تبين فعلاً أن الأمر غير دقيق، فعليها أن تأخذ بعين الاعتبار كل ما يجنّب الناس الضرر، لكونها تستضيفهم عندها ومعنية بصحتهم، خصوصاً أن للموضوع بالنسبة إليها بُعدَين دينيا وماديا».
ويقول مفتي الجمهورية اللبنانية، الشيخ محمد رشيد قباني، ان الأصل في الشريعة الإسلامية الكليات الخمس: حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال. وهناك وسائل لحفظ كل منها. لكن السؤال يتعلق بصدد حفظ النفس لأن في المرض خطرا على صحة الانسان ونفسه وحياته. ويقول الله سبحانه وتعالى: ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة، وهذه قاعدة يمكن أن يستخدمها الإنسان في كل أحواله لدفع الضرر عنه. كما يجب أن يقي الانسان نفسه الأمراض عملاً بالقول المأثور درهم وقاية خير من قنطار علاج».
يضيف قباني: «هناك حديث عن سيدنا محمد أنه قال: إذا كان الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه. وهناك تطبيق عملي لهذا الحديث الشريف من خلال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي كان خارجاً من المدينة المنورة الى بلاد الشام، ومعه بعض الصحابة، وفي الطريق علم بأن مرض الطاعون انتشر في بلاد الشام وقتل الكثيرين، فقرر الرجوع مع أصحابه الى المدينة. فقال له الصحابي الجليل أبو عبيدة الجراح: أفراراً من قدر الله يا عمر؟.. فرد عليه قائلاً: لو قالها غيرك يا أبا عبيدة.. نعم نفرّ من قدر الله الى قدر الله».
ثم يتساءل قباني: «إنما هل نفتي بمنع الناس من الدخول الى البلاد التي يتواجد فيه وباء انفلونزا الخنازير؟... الأمر متروك لوزارات الصحة وللمسؤولين السياسيين في بلاد العالم. الفتوى هي بالانتباة والوقاية، فالذين يريدون الوقاية والاحتياط لهم ما يريدون، لكننا لا ندفعهم ولا ننهاهم عن الدخول أو الخروج لأي بلد».