أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الصيغة الحكومية المرجحة: 15+10+5.. وسليمان ضمانة الأكثرية والمعارضة

الخميس 25 حزيران , 2009 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,013 زائر

الصيغة الحكومية المرجحة: 15+10+5.. وسليمان ضمانة الأكثرية والمعارضة

لا مرشح موازيا لبري، وخصومه يعترفون له بأنه «شرٌّ لا بد منه». هم لا يملكون مرشحا يتمتـّع بإمكانات وقدرات سياسية «كاريزمية»، توازي، لا بل تحاول أن تقاربه ولو بمواصفات الحد الأدنى. هم أصلا لم «يستثمروا» على مرشح لمنافسة بري وتاريخه وموقعه السياسي وما يمثله على المستوى الوطني العام.
نبيه بري.. رئيس الولاية الخامسة الآتي للمرة الأولى من رحم «قانون الستين» الذي أنتج رؤساء مجالس نيابية، لا يشبهونه، قبل الحرب وخلالها...
سيفرح مريدوه، اليوم، عندما ينتهي فرز الأصوات، وهذا من حقهم، كما هو حق جمهور سعد الحريري، بأن يفرح لانضمامه غدا إلى نادي رؤساء الحكومات.
لكن الأمل، كل الأمل، ألا يتحول الابتهاج، اليوم، أو غداً، إلى حفلة جديدة للموت المجاني، كما حصل في مرات سابقة، وخاصة في صيف العام ألفين وخمسة، ولذلك، الرهان على تعليمات صارمة يصدرها «نبيه الخامس» اليوم، للحركيين والمناصرين، بأن يمتنعوا عن إطلاق العيارات النارية التي كادت تتحول «عرفا ميثاقيا» في مثل هذه المناسبات.. ولعل «سعد الأول» يقتدي به غدا!
نبيه بري.. رئيس الولاية الخامسة.. وبأكثرية نيابية تلامس مئة وعشرة أصوات، جمـّعتها إرادة التوافق الداخلي، العربي، الدولي، والذي ينحو في سياق تسلسلي: اليوم نبيه بري الخامس وغداً سعد الحريري الأول.. ومعهما ميشال سليمان «الضابط» للإيقاع بينهما.
هذه النتيجة كان بري يتمناها بعد الدوحة مباشرة. جاءه يومها سعد الحريري وأبدى رغبة صريحة بتولي مهام رئاسة الحكومة، واستأذنه السفر وعندما عاد من الرياض لم يتصل به، ولم تمض ساعات حتى جاء الخبر وقتذاك على يد الوزير السفير عبد العزيز خوجة بأن زمن فؤاد السنيورة لم ينته بعد.
لذلك ظل بري، هذه المرة، متهيبا. أدرك رغبة سعد الحريري وتمنى له النجاح، ولكنه كان ينتظر عودته وعندما عاد، يبدو أنه لم يحدثه بالأمر صراحة. لكن اللغة تغيّرت. هي لغة شاب يستعد للانضمام الى نادي رؤساء الحكومات قبل الأربعين من عمره (الرئيس الشهيد رشيد كرامي شكل أول حكومة في عمر الـ 34 سنة)... وهناك ظروف دولية وعربية ولبنانية مساعدة لابن رفيق الحريري على خوض غمار المهمة الأولى غير العادية، على رأس السلطة التنفيذية.
يأمل بري باستعادة تجربة الحريري الأب. فقد كان للسياسة معنى «في زمن الرئيس الشهيد رفيق الحريري». نعم، استطاع الرجلان بما امتلكاه من قدرات ذاتية و«كاريزمية» ومن إحاطة عربية ودولية، تشكيل ثنائي يشتمل على كل الصفات التفاهمية، الودية، التناكفية، الوفاقية، كانا يعرفان كيف يختلفان وكيف يتفقان. كيف يضبطان إيقاع علاقتهما على أسس التقارب لا التباعد. سارا على هذا الدرب من 1992 حتى لحظة تولي اميل لحود رئاسة الجمهورية، وعندها تبدلت الحسابات والمعطيات في الداخل... كما في «الاقليم».
لم يكف بري يوما عن السعي وبجهد لاعادة صياغة هذا الخط من العلاقة مع سعد الحريري، ولكنهما لم ينجحا، وذلك خلافا للنجاح الذي حققه بري مع وليد جنبلاط بالاستناد الى «الكيمياء» بينهما كصديقين لدودين لا تخطئ بوصلتهما.
لطالما استنجد بري بجنبلاط أو العكس، لتعديل موقف من هنا أو هناك لزعيم «المستقبل» الشاب، لكن لغة الثأر، كانت أقوى من السياسة. اليوم، تبدلت اللغة، ما كان صعبا صار ممكنا... والفضل، كل الفضل، لمعادلة «السين سين» (السعودية ـ سوريا) التي لطالما راهن بري عليها وها هو يكسبها، كما كسب الرهان على وليد جنبلاط.
اختار بري معادلة «السين سين» سبيلا إنقاذيا وحيدا. رفع لواءها في برية الانقسام العربي. ثبت عليها حينما كانت الأبواب موصدة. تحمل أعباء المجازفة حتى أتت اليه على صحن التوافق وعلى باب ولايته الخامسة، التي يبدو انها قد تدشن بزيارة قريبة يقوم بها الى كل من دمشق والرياض لتهنئة الرئيس السوري بشار الأسد والعاهل السعودي الملك عبد الله بن العزيز، بـ«السين سين» مدخلا لا بد منه للتوافق اللبناني اللبناني ومعبرا إلزاميا للتوافق العربي العربي.
وإذا كان ثمة من يقرأ في مسيرة بري في السنوات الماضية أن دوره في الماضي كان الحد من الخسائر والإبقاء على الربط والجمع، فإن دوره في المستقبل، كما يرى آخرون، مندرج في سياق محاولة إعادة إنتاج صيغة حكم تعطي الأولوية لمشروع الدولة، من موقع الانسجام التام بينه وبين رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة العتيد.. ودائما على قاعدة ترتكز، عربيا، إلى التفاهم بين سوريا والسعودية.
وكما كان بري واحدا من أبرز عناوين المقاومة، منذ نشأتها وحتى يومنا هذا، وخصوصا في «حرب تموز 2006»، فإنه جعل من نفسه «مقاوماً دستورياً» في مرحلة الشغور الرئاسي، حيث كان العَصيّ في الدفاع عن المؤسسات حينما اجتاحت رياح الانقسام كل المؤسسات وشغرت الرئاسة الاولى، وتكرست «الحكومة البتراء»، فوقف على باب المجلس يصد الريح بصدره، ووقف وحيدا برغم زخات سهام الاتهام مدافعا عن مؤسسة ضامنة وحيدة وأخيرة، مثلما دافع عن العلاقة مع سوريا ونظـّر لها وقاتل في سبيلها طويلا وعلى طريقته الخاصة، وكلفه ذلك ما كلفه من أوصاف واتهامات كثيرة حول إقفال المجلس وتعطيله فيما كان هو يردد أنه على استعداد لأن يكرر التجربة فيما لو تكررت محاولة اجتياح المؤسسات الدستورية ومصادرة الصلاحيات.
وما من شك أن بري، استمد مشروعيته اللبنانية، من مشروعيته الشيعية. فقد شكل مع الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، ثنائياً ناظماً للعلاقات داخل «البيت الشيعي»، ومنه انطلق في اتجاه الدفع الى شراكة ترفض الانعزال او العزل وعنوانها الترفع عن العصبيات والإصرار على الانفتاح والبحث عن صيغ التلاقي وتكريسها. وثمة تجربة بالغة الأهمية، حينما نظـّر بري للحوار وقاده في آذار 2006 وشكل نقطة لقاء وتقاطع في لحظة الشدة الوطنية... وتبين حتى الآن أن وصفته كانت سحرية للبلد، بدليل تمسك الجميع بها حتى يومنا هذا.
وأما المهمات المنتظرة، من مجلس «قانون الستين»، فيرسمها وقوف البلد على مفترق إقليمي ودولي ولبناني، يتطلب إعادة ترتيب الأولويات الوطنية، وأبرزها التأكيد على موقع لبنان الإقليمي، كجزء لا يتجزأ من المنظومة العربية، ما يتطلب استعادة العلاقة اللبنانية السورية الى تمايزها وبالتالي إعادة صياغة التلاقي العربي على أرض لبنان، بدلا من تحول لبنان الى متنفس للتناقضات العربية التي تهدد سلمه الأهلي.
لذلك أطلق بري وما يزال دعوته الى إعادة تذويب اللبنانيين في 8 آذار و14 آذار وما بينهما في حكومة شراكة وطنية، ومن ثم إنزالهم عن جدران المذاهب والطوائف بقانون انتخابي يعتمد التمثيل النسبي ولا يعيدنا أبدا الى قانون الستين الذي أفلت الغرائز والعصبيات.
هذه المهام كلها، تتطلب وجود بري في موقع رئاسة المجلس بما يتجاوز كل محاولات «المشاغبين» على ترشيحه او المزايدين عليه في اعتماد الأصول، ذلك أن هناك كتابين صريحين لا يفارقان مكتبه، أولهما، الدستور اللبناني، ومعروف عنه قوله إنه قد يخالف قانوناً ما، ولكنه يرفض ان يسجل عليه مخالفته ونقضه لأحكام الدستور، وأما الثاني فهو النظام الداخلي لمجلس النواب.
لا يتردد بري في الدفاع عن «باريس 3» وكل مستلزمات إعادة صياغة الواقع الاقتصادي والمالي والاجتماعي في ضوء ما يعصف بلبنان والمنطقة والعالم من تطورات مالية ونقدية خطيرة، وهذه نقطة ركز عليها خلال لقائه، أمس، الحريري «الرئيس»، قبل أن يتوجه الى القصر الجمهوري للقاء رئيس الجمهورية، فيكتمل سيناريو انتخاب رئيس المجلس والتكليف كالآتي:
عند العاشرة والنصف قبل ظهر اليوم تفتتح جلسة مجلس النواب على يد رئيس السن عبد اللطيف الزين يحيط به النائبان الأصغر سنا وهما نديم الجميل ونايلة تويني، بحضور حشد دبلوماسي عربي وأجنبي ووفود تمثل القطاعات السياسية والاقتصادية والمجتمع المدني.
وبحسب التقديرات فإن بري سيفوز من الدورة الاولى وبأكثرية تلامس مئة وعشرة أصوات، على أن يلي ذلك انتخاب نائب رئيس المجلس (النائب فريد مكاري) وأميني السر والمفوضين الثلاثة. وبعد ذلك يلقي رئيس المجلس كلمة من وحي المناسبة، تشكل في مضمونها، رسالة تطمين لفريق الرابع عشر من آذار، بعدما أعلن الحريري سحب لغة الشروط والشروط المضادة في موضوعي انتخاب رئيس المجلس وتكليف رئيس الحكومة.
وفي السياق نفسه، عقد نواب «14 آذار» اجتماعا موسعا في قريطم برئاسة النائب سعد الحريري، انتهى الى إطلاق تكتل «لبنان أولا» ويضم واحدا وأربعين نائبا من 14 آذار، ولم يغب عنه سوى النائب نقولا فتوش احتجاجا على «خطف» ثلاثة من نواب كتلة «زحلة بالقلب» من قبل قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع.
لم يأت الاجتماع على الصورة التي أرادها الحريري، فقد سمع كلاما اعتراضيا على بري «باسم جمهور 14 آذار»، وعندما تكرر ذلك أكثر من مرة، رد الحريري منبها الحاضرين بأن لا يزايد عليّ أحد، فأنا أخذت 7 أيار بصدري، وأنا دفعت الثمن، وإذا كنا حريصين على العيش المشترك يجب أن نمد يدنا الى الرئيس نبيه بري».
وفور انتهاء الاجتماع انتقل الحريري الى عين التينة والتقى بري، ولم يتم الحديث بينهما لا في الشأن الحكومي ولا في شأن رئاسة المجلس. وقبل مغادرته، مقر الرئاسة الثانية، استأذن الحريري بري الإدلاء بتصريح أعلن فيه موقفا إيجابيا من انتخاب بري رئيسا للمجلس، فما كان من الأخير الا أن أثنى على موقفه، مشيرا الى انه سيزور رئيس الجمهورية بعد انتخابه، وسيتشاور معه في إمكان التعجيل في الاستشارات النيابية الى أقرب وقت، وليس ما يمنع إجراءها يوم غد الجمعة. على ان يقوم الرئيس المكلف بزيارات تقليدية على رؤساء الحكومات السابقين السبت، ومن ثم يجري استشاراته النيابية في المجلس النيابي... والإثنين يوم آخر.
وما يجدر ذكره هنا، ان بري كان قد استبق لقاءه النائب الحريري بإرسال إشارات إيجابية «تطمينية» حول الشأن الحكومي، أعرب فيها عن امله في ان تكون جلسة اليوم للمّ الشمل، معلنا تأييده ترشيح النائب الحريري لرئاسة الحكومة.
وأمل بري في حديث لوكالة «فرانس برس» ان يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية، مشيرا الى انه سيعمل على إنجاز الحكومة في اسرع وقت، ولو ان الامر يعود لي ففي خلال اسبوعين. ودعا بري الى ان «تذوب 8 و14 آذار في حكومة وحدة وطنية». وأوضح ان «الذوبان يعني اننا لن نحكي بالثلثين او الثلث او النصف او اكثر او اقل في الحكومة، بل يعني تذويب هذا الانقسام والشرخ العمودي في البلد».
وعلم في السياق ذاته، ان النائب سعد الحريري لا يحبذ إجراء الاستشارات في وقت سريع جدا، كما يرغب بري، فهو يفضل لو تتأجل ثمانياً وأربعين ساعة، وهو ما ربطته مصادر سياسية باحتمال عقد لقاء بين النائب الحريري والأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، من دون استبعاد احتمال قيام الحريري بزيارة العماد ميشال عون، وذلك على قاعدة ضمان التأليف قبل التكليف.
واللافت للانتباه في هذا السياق أن موضوع «الثلث الضامن» قد تراجع تداوله في خطاب قوى المعارضة على اختلافها، فيما يجري التداول الجدي بصيغة الـ15/10/5 كتشكيلة توافقية لا تضم أكثرية لاغية ولا أقلية معطلة بل يشكل فيها رئيس الجمهورية «ضمانة» الطرفين، على أن تشمل حصته وزيرا شيعيا ووزيرا سنيا بالإضافة إلى ثلاثة وزراء مسيحيين (ماروني وأرثوذكسي وكاثوليكي).
  

Script executed in 0.17781615257263