أحدهم، وهو خمسيني، لا يخفي مشاركته في الإشكال الذي حدث ليل السبت الماضي ضد عناصر من «حركة أمل». أما الثاني، وهو عشريني، فلا يملك إلا أن يضرب كفاً بكف، مستغرباً كل ما حدث. يقول: «هل نحن اسرائيليون؟ ... نحن نحبهم. لا أستطيع أن أفهم لماذا لا يحبوننا. كل ما فعلناه هو إشعال المفرقعات النارية. هل كثير علينا حتى المفرقعات النارية ؟«. ثم ينتقل ليلوم نفسه لأنه استعمل في يوم الإشكال عبارات تتضمن إيحاءات طائفية شارحاً: «لم أكن هكذا في أي يوم من أيام حياتي».
الشاب العشريني نفسه، والذي زحف الأبيض باكراً إلى معظم شعر رأسه، يقول إنه كان يعمل في منزله الذي يعدّه للانتقال إليه بعد الزواج، عندما سمع ضجيجاً وجلبة. «اعتقدت لحظتها أنه إشكال عادي فحملت عصاً ونزلت إلى الشارع، ثم أدركت أن الرصاص يتساقط فوق رأسي». يشير إلى جدار رسم عليه العلم اللبناني ويقول إنه احتمى به «لولا هذا الحائط لكنت في خبر كان».
الشبان الثلاثة يرفضون ذكر أسمائهم كنوع من الحذر من أي ردود فعل أو لأن «التصريح للإعلام ترف ليس لنا فيه» كما يقول أحدهم. بعد قليل، سينتقل الثلاثة من اجل تعزية الرجال المتجمعين تحت المبنى المقابل للمبنى حيث استشهدت زينة الميري، الشابة الثلاثينية، أم الأطفال الخمسة، وأصغرهم رضيع لم يفطم بعد.
على شرفة الطابق الثالث، الشرفة نفسها حيث استشهدت زينة، تقف صبايا ونساء متشحات بالسواد ومن خلفهن لوح الشرفة الزجاجي الذي اخترقته رصاصة. رصاصة يختلف أبناء المنطقة حول ما إذا كانت طائشة أو مقصودة. لكن الأكيد أنها كانت كافية لانتزاع الحياة من صدر أم وتغيير حياة أفراد عائلتها الستة على الأقل، مدى الحياة.
في زاروب العلية، حيث ترتفع أعلام «تيار المستقبل» على معظم الأعمدة الكهربائية، يلف الوجوم والصدمة الوجوه. الزاروب مقطوع على السيارات من جهتيه بواسطة العوائق الحديدية. وحدها الدراجات النارية تنفذ إليه. ومعظم هذه الدراجات لأبناء المنطقة.
خلال النهار، في فترة قبل الظهر، أشعل أقرباء الضحية الإطارات وقطعوا طريق عائشة بكار إلى حين. لم يمنعهم الجيش. تركهم يفجرون غضبهم وحزنهم. لكنه، بعد دقائق عدة، قام بتجميع الإطارات المحترقة وفتح الطريق إلى حين وصول سيارة إطفاء أخمدت النيران. وحين حاولوا تكرار فعلتهم، تصدى لهم الجيش بحزم.
السيدة بالأسود، التي وقفت في مدخل مبناها، تقول إنها كانت في منزلها لحظة إطلاق النار. كانت ابنتها في التعاونية القريبة. وبين منزلها والتعاونية يقع الشارع المكشوف على الرصاص المنهمر. هلعت لحظتها على ابنتها التي لم تعد بعد. لم تتمكن من الخروج إلى الشارع بسبب النيران. دخلت إلى فناء المبنى، تسلقت جداراً وقفزت من فوقه إلى المبنى المجاور لتصل إلى مدخل البناء الثاني ومنه إلى شارع يصل إلى التعاونية. في لحظات الخطر الذي يتهدد الأبناء تصنع الأمهات البطولات. لكنها، وبالرغم من كل ذلك، لم تجد ابنتها. كان الجيران قد أخفوا الفتاة في منزلهم. تضع السيدة قبضة يدها اليمنى على خدها وبيدها اليسرى تسند كوع اليد اليمنى. تتحسر بأسف على الأم التي قتلت دون سبب أو وجه حق.
تصل آليات وعناصر تابعة لفوج المغاوير بالقبعات النبيذية. تصطف العناصر إلى جانب عناصر فوج التدخل الثاني بالقبعات الخضراء. عناصر التدخل تعمل منذ أن بدأ الإشكال على تفتيش جميع الدراجات النارية المارة في المنطقة من دون استثناء. لا تسأل عن أوراق الدراجة الرسمية. تتأكد فقط أنها لا تحمل أي نوع من الأسلحة أو الممنوعات.
يفصل بين زاروب العلية، حيث استشهدت الميري، وبين زاروب حمود، أوتستراد عائشة بكار. يقول أهالي العلية إن معظم المسلحين الذين هجموا عليهم أتوا من زاروب حمود، ففي الزاروب يقع مكتب لـ«حركة أمل». حتى أن عدداً منهم يسمي المهاجمين بالأسماء واحداً بعد آخر. أكثر ما يثير الأسف في الموضوع هو أن كلا الطرفين هما أبناء منطقة واحدة. لكن عندما تستثار العصبيات الطائفية، تسقط جميع الصلات، ومنها صلة الجيرة.
زاروب حمود نفسه غابت عنه الحركة وأقفلت معظم محاله. فيه ترتفع صورة عملاقة للرئيس نبيه بري وأعلام أمل الخضراء. أغلق أحد مدخلي الزاروب بالعوائق الحديدية.
الستينية المحجبة الجالسة في دكانها للسمانة لا يعجبها الوضع كله. تقول إنها ستغلق محلها قبل أن يسدل الليل أسوده. ما زالت تشعر أن الاستفزاز منتشر في الشارع والخطر يحوم فيه. لن تغامر.
«أبو علي»، صاحب عربة الجلاب يجلس بالقرب من عربته متأملاً في القلة المارة باحثاً عن زبائن في وجوههم. نقطته اليومية والدائمة تقع قرب مسجد عائشة بكار. يروي أبو علي عطش المارين بشرابه الحلو طيلة أيام الصيف.
وفي الوطن الصغير، مثل زبائن أبي علي، أناس ما زالوا يبحثون عن طعم الحلاوة الضائعة في أيامهم، وليس فقط في حلوقهم، كل يوم. وينتظرون ري أيامهم بهدوء وطمأنينة فقدوهما. وهو ري لا يبدو أن صانعي سياساتنا قادرون على تأمين مياهه.
بين الزاروبين، والشارع بينهما، صدمة ووجوم غداة «مساء دام» . وسؤال واحد يحوم فوق الرؤوس: لماذا؟
الشاب العشريني نفسه، والذي زحف الأبيض باكراً إلى معظم شعر رأسه، يقول إنه كان يعمل في منزله الذي يعدّه للانتقال إليه بعد الزواج، عندما سمع ضجيجاً وجلبة. «اعتقدت لحظتها أنه إشكال عادي فحملت عصاً ونزلت إلى الشارع، ثم أدركت أن الرصاص يتساقط فوق رأسي». يشير إلى جدار رسم عليه العلم اللبناني ويقول إنه احتمى به «لولا هذا الحائط لكنت في خبر كان».
الشبان الثلاثة يرفضون ذكر أسمائهم كنوع من الحذر من أي ردود فعل أو لأن «التصريح للإعلام ترف ليس لنا فيه» كما يقول أحدهم. بعد قليل، سينتقل الثلاثة من اجل تعزية الرجال المتجمعين تحت المبنى المقابل للمبنى حيث استشهدت زينة الميري، الشابة الثلاثينية، أم الأطفال الخمسة، وأصغرهم رضيع لم يفطم بعد.
على شرفة الطابق الثالث، الشرفة نفسها حيث استشهدت زينة، تقف صبايا ونساء متشحات بالسواد ومن خلفهن لوح الشرفة الزجاجي الذي اخترقته رصاصة. رصاصة يختلف أبناء المنطقة حول ما إذا كانت طائشة أو مقصودة. لكن الأكيد أنها كانت كافية لانتزاع الحياة من صدر أم وتغيير حياة أفراد عائلتها الستة على الأقل، مدى الحياة.
في زاروب العلية، حيث ترتفع أعلام «تيار المستقبل» على معظم الأعمدة الكهربائية، يلف الوجوم والصدمة الوجوه. الزاروب مقطوع على السيارات من جهتيه بواسطة العوائق الحديدية. وحدها الدراجات النارية تنفذ إليه. ومعظم هذه الدراجات لأبناء المنطقة.
خلال النهار، في فترة قبل الظهر، أشعل أقرباء الضحية الإطارات وقطعوا طريق عائشة بكار إلى حين. لم يمنعهم الجيش. تركهم يفجرون غضبهم وحزنهم. لكنه، بعد دقائق عدة، قام بتجميع الإطارات المحترقة وفتح الطريق إلى حين وصول سيارة إطفاء أخمدت النيران. وحين حاولوا تكرار فعلتهم، تصدى لهم الجيش بحزم.
السيدة بالأسود، التي وقفت في مدخل مبناها، تقول إنها كانت في منزلها لحظة إطلاق النار. كانت ابنتها في التعاونية القريبة. وبين منزلها والتعاونية يقع الشارع المكشوف على الرصاص المنهمر. هلعت لحظتها على ابنتها التي لم تعد بعد. لم تتمكن من الخروج إلى الشارع بسبب النيران. دخلت إلى فناء المبنى، تسلقت جداراً وقفزت من فوقه إلى المبنى المجاور لتصل إلى مدخل البناء الثاني ومنه إلى شارع يصل إلى التعاونية. في لحظات الخطر الذي يتهدد الأبناء تصنع الأمهات البطولات. لكنها، وبالرغم من كل ذلك، لم تجد ابنتها. كان الجيران قد أخفوا الفتاة في منزلهم. تضع السيدة قبضة يدها اليمنى على خدها وبيدها اليسرى تسند كوع اليد اليمنى. تتحسر بأسف على الأم التي قتلت دون سبب أو وجه حق.
تصل آليات وعناصر تابعة لفوج المغاوير بالقبعات النبيذية. تصطف العناصر إلى جانب عناصر فوج التدخل الثاني بالقبعات الخضراء. عناصر التدخل تعمل منذ أن بدأ الإشكال على تفتيش جميع الدراجات النارية المارة في المنطقة من دون استثناء. لا تسأل عن أوراق الدراجة الرسمية. تتأكد فقط أنها لا تحمل أي نوع من الأسلحة أو الممنوعات.
يفصل بين زاروب العلية، حيث استشهدت الميري، وبين زاروب حمود، أوتستراد عائشة بكار. يقول أهالي العلية إن معظم المسلحين الذين هجموا عليهم أتوا من زاروب حمود، ففي الزاروب يقع مكتب لـ«حركة أمل». حتى أن عدداً منهم يسمي المهاجمين بالأسماء واحداً بعد آخر. أكثر ما يثير الأسف في الموضوع هو أن كلا الطرفين هما أبناء منطقة واحدة. لكن عندما تستثار العصبيات الطائفية، تسقط جميع الصلات، ومنها صلة الجيرة.
زاروب حمود نفسه غابت عنه الحركة وأقفلت معظم محاله. فيه ترتفع صورة عملاقة للرئيس نبيه بري وأعلام أمل الخضراء. أغلق أحد مدخلي الزاروب بالعوائق الحديدية.
الستينية المحجبة الجالسة في دكانها للسمانة لا يعجبها الوضع كله. تقول إنها ستغلق محلها قبل أن يسدل الليل أسوده. ما زالت تشعر أن الاستفزاز منتشر في الشارع والخطر يحوم فيه. لن تغامر.
«أبو علي»، صاحب عربة الجلاب يجلس بالقرب من عربته متأملاً في القلة المارة باحثاً عن زبائن في وجوههم. نقطته اليومية والدائمة تقع قرب مسجد عائشة بكار. يروي أبو علي عطش المارين بشرابه الحلو طيلة أيام الصيف.
وفي الوطن الصغير، مثل زبائن أبي علي، أناس ما زالوا يبحثون عن طعم الحلاوة الضائعة في أيامهم، وليس فقط في حلوقهم، كل يوم. وينتظرون ري أيامهم بهدوء وطمأنينة فقدوهما. وهو ري لا يبدو أن صانعي سياساتنا قادرون على تأمين مياهه.
بين الزاروبين، والشارع بينهما، صدمة ووجوم غداة «مساء دام» . وسؤال واحد يحوم فوق الرؤوس: لماذا؟