زاروب العلية حيث استشهدت زينة ميري على شرفة منزل شقيقتها ما زال مغلقاً، يكتنفه الحزن. النساء والرجال مجتمعون في الشارع وعلى الشرفات بانتظار الإطلالة الأخيرة، إطلالة الوداع. الجميع بانتظار النعش. كانوا بحاجة أن يأتي إليهم ليبكوا عليه. كل القلق والحزن والتوتر والغضب كان يجب أن يخرج من مكان ما. من الدموع.
في صف المعزين الأول جلس زوج الشهيدة منير رجب. ومن الجانب الآخر جلست فتيات صغيرات. يختلف الأهالي من منهن بنات الشهيدة. الصغيرات بدين مذهولات بكل ما يحدث حول منهن. لا يفهمن لماذا يحمل إليهن عالم الكبار كل هذا الألم. وفي هذا النوع من الأحزان، يصبح استدراج الناس، بمن فيهم الأطفال، إلى الحديث عن مشاعرهم من أصعب ما يكون.
كانت الساعة تشير إلى الثالثة بالضبط عندما علا بوق سيارة الإسعاف إيذاناً بوصول النعش. كان ملفوفاً بغطاء أخضر خطت عليه بالأبيض عبارتي التوحيد. وفوق النعش باقة من الورد الأبيض. يتراكض الجميع لناحية الصوت. تتوقف سيارة الإسعاف عند تقاطع عائشة بكار على مسافة قريبة من المسجد. يفتح بابها وينزل النعش.
تحت وقع أصوات الرجال توحّد الله والأصابع المرفوعة إلى الأعلى حمل النعش من عند التقاطع إلى زاروب العلية حيث سيدور مراراً في الساحة الصغيرة التي تقع تحت المنزل.
في الساحة الصغيرة يستقبل النعش بالأرز المنثور من الشرفات وبالتصفيق الطويل، الذي يتكرر إلى حين المغادرة. في هذا المشهد شعور تقشعر له الأبدان. هو مزيج من مشاعر متعددة يختلط فيها الألم مع الحزن والغضب. نساء ورجال لا يكفون عن البكاء. سيدة تصرخ بكلمات الوداع لأم الأطفال الخمسة، تقول لها أن مصيرها الجنة ومصير قاتلها النار.
ومن الساحة يعود النعش إلى أوتوستراد عائشة بكار حيث يحمل على الأكف ليسير خلف سيارة الإسعاف. الشاب المعلق على مؤخرة الإسعاف يلوح بباقة الورد الأبيض. والشبان يسيرون خلف النعش على وقع أصوات التكبير والتوحيد ويتناوبون على حمل النعش. أما سائقو الدراجات النارية فحملوا الرايات السوداء وصاروا يدورون بها.
على مفترق تلة الخياط، يقرر السائرون في الجنازة حمل النعش إلى البناء الذي يقع فيه منزل مفتي الجمهورية الشيخ محمد قباني. يريدون منه أن يتضامن معهم. يصلون إلى مدخل البناء بالنعش ويطالبون بحضور المفتي. يطل الجيران على الشرفات لكن المفتي لا يظهر. يبدون امتعاضهم وغضبهم ويخرجون بالنعش.
بعد قليل، ينزل المفتي إلى مدخل البناء. يعود الشبان من دون النعش الذي صار في سيارة الإسعاف. الشبان غاضبون والمفتي يعمل على تهدئتهم. يقولون له انهم يرفضون تواجد «حركة أمل» قرب دار الفتوى. والمفتي يقول للشبان أن «الشهيدة ابنتنا وما أصابها قد أصابنا. ولن نقبل بعد اليوم باستباحة بيروت ولا لبنان». ويؤكد للشبان أن دار الفتوى تتحرك مع جميع المسؤولين باتجاه جعل بيروت مدينة آمنة وأخذ الدولة لدورها والجيش لدوره والحكومة من أجل الاقتصاص من الجاني. لكن العبارات التي استخدمها الشبان أمام المفتي للتحدث عن «الآخرين» كانت قاسية. تنم عن مشكلة تتجذر يوماً بعد يوم، من دون حل. وقد حاول المفتي التخفيف من غضبهم قدر الإمكان لكنه لا يملك وحده القدرة على ذلك فبين أيديهم تغفو شهيدة لم يجف دمها بعد. يقبل أحدهم يده ويتراكض الباقون للحاق بالجنازة التي تابعت سيرها باتجاه الأونيسكو.
على المزرعة يتلاسن الشبان السائرون في الجنازة مع عمال إحدى الورش. يتراكض بعضهم لرجم العمال بالحجارة. الغضب عارم ولا يحتمل تعليقاً أو إشارة خاطئة. لكن العقلاء يتولون التهدئة. يطلبون من الجنازة أن تكمل مسيرتها كي يلحقها الغاضبون. وهذا ما يحصل. وعلى المزرعة، حيث يتوقف السير نهائياً، يتكرر مشهد السائق الذي ينزل من سيارته، ويرفع يديه في الهواء من أجل أن يقرأ الفاتحة.
تباعاً، وعلى مراحل، تكبر الجنازة. وكلما سارت مسافة أطول، كلما زاد عدد المشاركين فيها.
من تحت جسر البربير تدخل إلى شارع السبيل، ومنه باتجاه محطة الدنا. المحال تغلق أبوابها واحداً بعد الآخر. الصبية المحجبة في محل السمانة ترفض أن تبيع الشاب المتصبب بالعرق ولو قنينة ماء تبرد عطشه. بعد أن يخبرها بأنه سار مع الجنازة من حين انطلاقتها يرق قلبها فتتنازل وتقرر بيعه مياهاً فقط. لا أكثر.
وللمرة الأولى منذ انطلاقة الجنازة يسمع صوت الرصاص قرب تعاونية صبرا بعد أن يحمل النعش على الأيدي من جديد. رصاص يشبه ذاك الذي سرق من زينة ميري حياتها وأصر، لخبثه، أن يواكبها إلى التراب. رشقات طويلة منه تحاكي بعضها البعض من أماكن متفرقة.
وفي الجنازة، صار هناك شبان مسلحون بمسدسات أيضاً. هؤلاء يقفون على مسافات من بعضهم ويفرغون رصاصاتهم في الهواء. ما إن ينتهي الأول حتى يبدأ الثاني. مشهد، أكثر ما يحزن، على الأرجح، الأم المسجاة في الخشب وخطفت من الحياة على غفلة.
يغضب خمسيني وينهر احد مطلقي النار. يقول للشاب الأسمر صاحب المسدس، والذي يختبىء بين كتفي شابين آخرين يغطيانه «اننا نريد أن نسحب السلاح من أيديهم. لا نريد أن نصبح مثلهم». لا يعيره الشاب اهتماماً. أحد اللذين يغطيان الشاب يسحب الخمسيني من يده ويطلب منه الابتعاد فيقع تلاسن بينهما.
الخمسيني ما زال مصراً على موقفه الذي لا يلاقي أسماع الشبان المتحمسين لإطلاق لنار. يتدخل المصلحون من أجل إعادة الأمور إلى نصابها. لكن إطلاق النار يستمر بعدما بات له جمهوراً. هكذا تقول أيدي الذين كانوا يصفقون كلما سمعوا صوت الرصاص.
يصلى على الشهيدة في مسجد الخاشقجي. قبل أن يسجى النعش في المسجد للصلاة عليه يأتي من يهمس في أذن شقيق الشهيدة المنهار بكاءً، والذي يواسيه شابان: «لا تحزن. نأخذ ثأرنا بيدنا». وفي الباحة الخارجية كلام عن أن القاتل بات معروفاً من الجميع.بعد الصلاة تنزل الشهيدة إلى التراب، ودائماً، على وقع الرصاص.
يا الله، من ينزع كل هذا الغضب والرصاص من المسدسات؟
في صف المعزين الأول جلس زوج الشهيدة منير رجب. ومن الجانب الآخر جلست فتيات صغيرات. يختلف الأهالي من منهن بنات الشهيدة. الصغيرات بدين مذهولات بكل ما يحدث حول منهن. لا يفهمن لماذا يحمل إليهن عالم الكبار كل هذا الألم. وفي هذا النوع من الأحزان، يصبح استدراج الناس، بمن فيهم الأطفال، إلى الحديث عن مشاعرهم من أصعب ما يكون.
كانت الساعة تشير إلى الثالثة بالضبط عندما علا بوق سيارة الإسعاف إيذاناً بوصول النعش. كان ملفوفاً بغطاء أخضر خطت عليه بالأبيض عبارتي التوحيد. وفوق النعش باقة من الورد الأبيض. يتراكض الجميع لناحية الصوت. تتوقف سيارة الإسعاف عند تقاطع عائشة بكار على مسافة قريبة من المسجد. يفتح بابها وينزل النعش.
تحت وقع أصوات الرجال توحّد الله والأصابع المرفوعة إلى الأعلى حمل النعش من عند التقاطع إلى زاروب العلية حيث سيدور مراراً في الساحة الصغيرة التي تقع تحت المنزل.
في الساحة الصغيرة يستقبل النعش بالأرز المنثور من الشرفات وبالتصفيق الطويل، الذي يتكرر إلى حين المغادرة. في هذا المشهد شعور تقشعر له الأبدان. هو مزيج من مشاعر متعددة يختلط فيها الألم مع الحزن والغضب. نساء ورجال لا يكفون عن البكاء. سيدة تصرخ بكلمات الوداع لأم الأطفال الخمسة، تقول لها أن مصيرها الجنة ومصير قاتلها النار.
ومن الساحة يعود النعش إلى أوتوستراد عائشة بكار حيث يحمل على الأكف ليسير خلف سيارة الإسعاف. الشاب المعلق على مؤخرة الإسعاف يلوح بباقة الورد الأبيض. والشبان يسيرون خلف النعش على وقع أصوات التكبير والتوحيد ويتناوبون على حمل النعش. أما سائقو الدراجات النارية فحملوا الرايات السوداء وصاروا يدورون بها.
على مفترق تلة الخياط، يقرر السائرون في الجنازة حمل النعش إلى البناء الذي يقع فيه منزل مفتي الجمهورية الشيخ محمد قباني. يريدون منه أن يتضامن معهم. يصلون إلى مدخل البناء بالنعش ويطالبون بحضور المفتي. يطل الجيران على الشرفات لكن المفتي لا يظهر. يبدون امتعاضهم وغضبهم ويخرجون بالنعش.
بعد قليل، ينزل المفتي إلى مدخل البناء. يعود الشبان من دون النعش الذي صار في سيارة الإسعاف. الشبان غاضبون والمفتي يعمل على تهدئتهم. يقولون له انهم يرفضون تواجد «حركة أمل» قرب دار الفتوى. والمفتي يقول للشبان أن «الشهيدة ابنتنا وما أصابها قد أصابنا. ولن نقبل بعد اليوم باستباحة بيروت ولا لبنان». ويؤكد للشبان أن دار الفتوى تتحرك مع جميع المسؤولين باتجاه جعل بيروت مدينة آمنة وأخذ الدولة لدورها والجيش لدوره والحكومة من أجل الاقتصاص من الجاني. لكن العبارات التي استخدمها الشبان أمام المفتي للتحدث عن «الآخرين» كانت قاسية. تنم عن مشكلة تتجذر يوماً بعد يوم، من دون حل. وقد حاول المفتي التخفيف من غضبهم قدر الإمكان لكنه لا يملك وحده القدرة على ذلك فبين أيديهم تغفو شهيدة لم يجف دمها بعد. يقبل أحدهم يده ويتراكض الباقون للحاق بالجنازة التي تابعت سيرها باتجاه الأونيسكو.
على المزرعة يتلاسن الشبان السائرون في الجنازة مع عمال إحدى الورش. يتراكض بعضهم لرجم العمال بالحجارة. الغضب عارم ولا يحتمل تعليقاً أو إشارة خاطئة. لكن العقلاء يتولون التهدئة. يطلبون من الجنازة أن تكمل مسيرتها كي يلحقها الغاضبون. وهذا ما يحصل. وعلى المزرعة، حيث يتوقف السير نهائياً، يتكرر مشهد السائق الذي ينزل من سيارته، ويرفع يديه في الهواء من أجل أن يقرأ الفاتحة.
تباعاً، وعلى مراحل، تكبر الجنازة. وكلما سارت مسافة أطول، كلما زاد عدد المشاركين فيها.
من تحت جسر البربير تدخل إلى شارع السبيل، ومنه باتجاه محطة الدنا. المحال تغلق أبوابها واحداً بعد الآخر. الصبية المحجبة في محل السمانة ترفض أن تبيع الشاب المتصبب بالعرق ولو قنينة ماء تبرد عطشه. بعد أن يخبرها بأنه سار مع الجنازة من حين انطلاقتها يرق قلبها فتتنازل وتقرر بيعه مياهاً فقط. لا أكثر.
وللمرة الأولى منذ انطلاقة الجنازة يسمع صوت الرصاص قرب تعاونية صبرا بعد أن يحمل النعش على الأيدي من جديد. رصاص يشبه ذاك الذي سرق من زينة ميري حياتها وأصر، لخبثه، أن يواكبها إلى التراب. رشقات طويلة منه تحاكي بعضها البعض من أماكن متفرقة.
وفي الجنازة، صار هناك شبان مسلحون بمسدسات أيضاً. هؤلاء يقفون على مسافات من بعضهم ويفرغون رصاصاتهم في الهواء. ما إن ينتهي الأول حتى يبدأ الثاني. مشهد، أكثر ما يحزن، على الأرجح، الأم المسجاة في الخشب وخطفت من الحياة على غفلة.
يغضب خمسيني وينهر احد مطلقي النار. يقول للشاب الأسمر صاحب المسدس، والذي يختبىء بين كتفي شابين آخرين يغطيانه «اننا نريد أن نسحب السلاح من أيديهم. لا نريد أن نصبح مثلهم». لا يعيره الشاب اهتماماً. أحد اللذين يغطيان الشاب يسحب الخمسيني من يده ويطلب منه الابتعاد فيقع تلاسن بينهما.
الخمسيني ما زال مصراً على موقفه الذي لا يلاقي أسماع الشبان المتحمسين لإطلاق لنار. يتدخل المصلحون من أجل إعادة الأمور إلى نصابها. لكن إطلاق النار يستمر بعدما بات له جمهوراً. هكذا تقول أيدي الذين كانوا يصفقون كلما سمعوا صوت الرصاص.
يصلى على الشهيدة في مسجد الخاشقجي. قبل أن يسجى النعش في المسجد للصلاة عليه يأتي من يهمس في أذن شقيق الشهيدة المنهار بكاءً، والذي يواسيه شابان: «لا تحزن. نأخذ ثأرنا بيدنا». وفي الباحة الخارجية كلام عن أن القاتل بات معروفاً من الجميع.بعد الصلاة تنزل الشهيدة إلى التراب، ودائماً، على وقع الرصاص.
يا الله، من ينزع كل هذا الغضب والرصاص من المسدسات؟