أعادت الأزمة العالمية الاعتبار إلى ماركس، فعاد ليرفض الخصخصة، ويقسو على من لا يزال يُدافع عنها. ويرى أن «بعض شعار لبنان أولاً» وحياد لبنان يؤديان إلى تفتيت المنطقة. يدعو إلى مواجهة عربيّة للمشروع الإسرائيلي ـــ الأميركي
حاوره ثائر غندور
ربما كان أكثر ما يقلق النائب وليد جنبلاط هو الاحتكاك المباشر للناس بعضهم ببعض، إذ لم يعد في الإمكان اليوم ضبط تسرّبات وتطوّرات أعوام من التعبئة والنزاعات السياسيّة التي انعكست مذهبياً وطائفياً، وانفجرت مرات عدة اشتباكات مسلحة، وهي اليوم بحاجة إلى إنهاء كي يتمكن الناس من العيش متجاورين.
يرى جنبلاط أن خطوات التهدئة على الأرض بين الشيعة والدروز، على الصعد الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة، بدأت مع زيارة الوفد العلمائي إلى المشايخ الدروز، وهي ستستمر، في بيروت والبقاع. ويرى أن هذه اللقاءات تُعيد الثقة بين الحزب الاشتراكي وحزب الله.
ويتمنى الرجل أن ينسحب هذا الأمر على الآخرين، إذ إن «الكلام كثير عن ضرورة التهدئة، وقد اعتاد الناس هذا الكلام، لكن من الضروري التطبيق العملي له».
من خلال القراءة المتأنيّة لتطوّر العلاقة بين الطائفتين الشيعيّة والدرزيّة، يخرج زعيم الدروز الأول بخلاصة تقول إن ما حصل مع حزب الله أعاد الأمور إلى ما قبل 7 أيّار، وحتى إلى ما قبل هذا التاريخ بثلاث سنوات. ويؤكد أن المطلوب هو ترجمة عمليّة للتهدئة في بيروت، وخصوصاً بعد ما حصل في عائشة بكّار.
ومن أجل ضبط الشارع، يدعو إلى فصل عشرة آلاف شرطي من قوى الأمن الداخلي «لا من فرع المعلومات» إلى الجيش اللبناني ليخضعوا للتدريب والعمل على طريقته، «فجميعنا نطلب من الجيش القيام بدوره دون دعمه». يُضيف أنه إذا لم يريدوا ضم عشرة آلاف شرطي، فليدرّبوا جيّداً في قوى الأمن. ويتذكر اللواء أحمد الحاج خلال العهد الشهابي، الذي كان في غاية الاحترام في عمله.
يعود الرجل في التاريخ إلى عام 1976، عندما عُقد لقاء إسلامي في عرمون: «اليوم نحن بحاجة إلى مثل هذا اللقاء من أجل تمتين الوضع الداخلي بين المذاهب الإسلاميّة المختلفة»، يقول جنبلاط، ويؤكّد أنه ليس موجّهاً ضدّ المسيحيين. ثم يُقدّم الأسباب الداعية إلى عقد مثل هذا اللقاء: «عدم حصوله اليوم يعني العودة إلى المشروع ـــــ الإسرائيلي الأميركي القاضي بفصل المسارات العربيّة عن فلسطين. وإحدى أهم وسائل هذا الفصل هي التوتير المذهبي والقبلي في لبنان وفلسطين والعراق وغيرها. وفصل المسارات يُوصلنا إلى فصل إيران عن القضيّة الفلسطينيّة، وتقوم مصر بإقفال معبر رفح».
■ أوباما يعود إلى الفكر البروتستانتي
لا يُمكن قراءة الواقع المحلي مع وليد جنبلاط من دون الولوج في تحليل الواقعين الإقليمي والدولي. يُفنّد الرجل خطاب الرئيس الأميركي في جامعة القاهرة. يقول جنبلاط، الذي يقرأ اليوم كتاب «Myths & Illusions peace» (أساطير السلام وأوهامه)، للكاتبين دنيس روس ودايفيد ماكوفيسكي، إن الخطاب جميل، ولكن. تعني هذه الـ«لكن» الكثير. فأوباما أكّد العلاقة التاريخيّة والثقافيّة «cultural ties» مع إسرائيل. وهذا في رأيه عودة إلى أواخر القرن 19، حين رأى الفكر البروتستانتي في فلسطين أرض الميعاد، ثم جاء وعد بلفور. ويُنبّه إلى الخطأ التاريخي الذي ارتكبه أوباما عندما ربط قيام دولة إسرائيل بالمحرقة، وهذا «غير صحيح أبداً، رغم أن المحرقة جريمة فظيعة». ويرى أن المنطقة عادت مع أوباما إلى بداية إمكان الحلّ، لكنه طرح تجميد المستوطنات من دون الإشارة إلى حق العودة والقدس، وكان الردّ الإسرائيلي الرفض. يُعدّل زعيم المختارة في جلسته قليلاً، ويقول بتأنٍّ: هناك عودة إلى الحديث عن مؤتمر دولي للسلام من أجل أن يُطبّع العرب ويعترفوا بيهوديّة إسرائيل، ما يعني «تهجير المزيد من الفلسطينيين»، وموت مبادرة جورج ميتشل والمبادرة العربيّة. وليد جنبلاط يدعو بثقة إلى العودة عن جميع اتفاقيّات السلام مع إسرائيل، ويطرح نظريّته لإنقاذ ما بقي عند العرب: من الضروري حلّ الخلاف السوري ـــــ المصري بهدف الوصول إلى الوحدة الفلسطينيّة من أجل تأكيد الثوابت الفلسطينيّة مجدداً، وإنجاز التقارب السعودي ـــــ السوري من أجل تأكيد اتفاق الطائف، الذي يعني علاقات مميّزة مع سوريا ويحسم عروبة لبنان ويتبنّى الهدنة مع إسرائيل، أي الحرب المجمّدة معها، إضافة إلى الجانب الداخلي من الاتفاق الذي ينص على إلغاء الطائفية السياسية.
يُكمل وليد جنبلاط قراءته الإقليميّة فيرى أن نظريّة «الاستشراق أو التآمر الغربي» سعت لوضع إيران في مستوى العداء العربي تجاهها قبل إسرائيل، وفصل سوريا عنها خطير جداً. وأشار إلى أن لديه انطباعاً، «لا معلومات» عن أن السعوديّة تريد الانفتاح على إيران، انطلاقاً من «واقعيّة الملك عبد الله في السياسة، والتي دفعته إلى مصافحة الرئيس السوري بشار الأسد في قمة الكويت الاقتصاديّة». ماذا عن مصر؟ يُجيب الرجل: لا فكرة حقيقيّة، لكنّ القناة مع إيران مقفلة. أضاف أنه اختُصر دور مصر وحوّلت إلى مجرد دولة تغلق المعبر عند بوابة غزة.
تعود مع الرجل إلى مرحلة جورج بوش لسؤاله: ماذا بقي منها؟ جوابه سريع: «بقيت الورثة الثقيلة: إدارة الشأن العراقي، والانسحاب التدريجي حيث يرتفع مستوى الانفجار، والمناطق التي لا حلّ فيها مثل باكستان». يُضيف أن المتشدّدين في إسرائيل يعلمون حجم مشاكل أميركا، لذلك لا أفق للضغط الأميركي عليها. ويوافق جنبلاط على مقولة أن السوريين والإيرانيين انتصروا بمعنى أو بآخر، «لذلك الانفتاح الغربي على سوريا». لكنه يوافق أيضاً على أن المشروع الاستعماري لم يُهزم في المنطقة أيضاً.
■ الحريري في دمشق بعد الحكومة
من قراءة الواقع الإقليمي ينتقل جنبلاط إلى الداخل اللبناني. يتمنى أن ينتهي تأليف الحكومة خلال أسبوع وتصدر المراسيم، عندها يلتقي «الملك عبد الله والرئيس المكلّف سعد الحريري الذي يذهب متسلّحاً بالحكومة، الرئيس بشار الأسد». وفي رأيه، لقاء كهذا يُعيد تأكيد اتفاق الطائف، «لأن السعوديين والسوريين هم من صنعوا الطائف». ويشير إلى أنّ كل استقرار إقليمي مفيد للبنان، ويُعدّد المسار التاريخي.
اليوم، في رأيه تحصل التسوية بحجم أصغر، بين السوري والسعودي فقط، لا بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أو غيرهما. لكن هذه التسوية يمكنها إيصال البلد إلى نوع من الاستقرار.
■ نحتاج إلى مشروع سياسي جديد
لا يغوص وليد جنبلاط كثيراً في تفاصيل الحكومة. يهتم أكثر بما بعد الحكومة. فيقول إن ما بقي من فريق 14 آذار هو التحالف العريض، «لكن علينا تأكيد الثوابت ليستمر هذا التحالف»، وأهم هذه الثوابت في رأيه هو اتفاق الطائف الذي وضع حداً للحرب الأهليّة، وأكّد عروبة لبنان والعلاقات المميّزة مع سوريا. هنا، يؤكّد رفضه مبدأ الحياد الذي يطرحه بعض اللبنانيين، لأن «الحياد يعني تدمير الطائف. وعندما ندخل في الحياد، نكون قد عدنا إلى الصراع الداخلي. أنا ضدّ الحياد لأنه يوصلنا إلى التفتيت الداخلي، وهو يعني محاصرة سوريا».
يُشرّح الرجل نشوء 14 آذار بهدوء وراحة: نشأنا على أساس رفض الآخر، والهيمنة السوريّة والاغتيالات. واليوم، خرج السوري، فما هو المشروع؟ «علينا أن نبني مشروعاً سياسياً، وأن نُجري نقاشات داخل فريق 14 آذار، وخصوصاً مع ظهور بعض المكوّنات «الانعزاليّة». لكنّ الرجل يرفض تحديد من هي الجهات التي يريد الالتقاء بها، «علينا أن نطرح ما عندنا أوّلاً، ونرى الردود عليه».
ويُحدّد عناوين مشروعه السياسي: الطائف، ما يعني تأكيد عروبة لبنان والعلاقات المميزة مع سوريا ورفض الحياد والملف الاقتصادي ـــــ الاجتماعي.
هنا، يقول وليد جنبلاط إن 14 آذار انطلقت من رفض الآخر، وبدأت على قاعدة تحالف عريض لرفض الهيمنة السورية والاغتيالات، وإن شعار «لبنان أوّلاً» عاطفي لا إيديولوجي، وهو شعار ذكّر بعض الشارع المسيحي بماضٍ انعزالي. لكن إذا قال أحدهم إن هذا الشعار يعني أن قرار السلم والحرب بيد الدولة فأنا معه. إلا أنه في لحظة أخرى يقول: «إذا أرادت الولايات المتحدة أو إسرائيل شنّ الحرب فهل ستقفان على رأيي؟». يُضيف جنبلاط أن لبنان أولاً هو شعار شبيه بشعارات:
ـــــ مصر أوّلاً، أي اتفاق كامب دايفيد.
ـــــ الأردن أوّلاً، أي اتفاق وادي عربة.
ـــــ فلسطين أوّلاً، أي اتفاق أوسلو من دون مناقشة الوضع النهائي. ما أوصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.
ـــــ إيران أوّلاً، يعني فصلها عن الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي.
ـــــ سوريا أوّلاً، تحصر القضيّة السوريّة بالجولان.
بعد تحديد العناوين السياسيّة، يبدأ جنبلاط بسرد العناوين الاقتصاديّة، وهو يُدرك أن الكثير منها لا يوافقه حلفاؤه عليه، فيرى أنه بعيداً عن الشعارات، فإن بناء الدولة يبدأ بوزارة تخطيط ومكننة الضمان واستعادة الأملاك البحرية وإدارة جيّدة للكهرباء. يُضيف أن الإدارة تحسّنت في عهد فؤاد شهاب رغم وجود النظام الطائفي آنذاك. «علينا خلق طبقة من التكنوقراط لتدير المؤسسات، وأبرز خطأ في الطائف كان السماح للحزبيين بتولّي الإدارة العامة»، قبل أن يقول إن اللاعبين الكبار من ممثلي الطوائف لن يسمحوا بإجراء تعديلات بنيوية في النظام.
ويتعمّق الرجل في الحديث عن الملف الاقتصادي. يُعيد تذكير من لم يعرف بعد أن أميركا تحوّلت إلى دولة اشتراكيّة، وأن الخصخصة لم تعد خياراً دولياً، والولايات المتحدة اشترت المصارف والشركات المتعثرة بآلاف المليارات من الدولارات، رغم أنه يُميّز بين الإدارة الخاصة للأملاك العامة والخصخصة. من هنا يبدأ جنبلاط بإعادة الاعتبار إلى كارل ماركس.
■ الحرمان والأصوليّة
من يذكر شريط الفيديو في الخلوة الدرزيّة وحديث جنبلاط عن الأصوليّات. هو لا ينفي وجودها، ويُقدّم مقاربة علميّة لها. فالأصوليّة عند الدروز جاءت نتيجة الخروج عن المشروع العروبي. «فالدروز تاريخياً لم يكن عندهم أصوليّة، بل كانوا منعزلين عن محيطهم في فترة الانتداب الفرنسي، ثم انفتحوا وشاركوا في الثورة السوريّة عام 1925، وبعدها جاء كمال جنبلاط ليُخرجهم تماماً من التقوقع ويدمجهم في محيطهم العربي عبر تحالفه مع الرئيس جمال عبد الناصر».
وفي خصوص الأصوليّة السنيّة، يقول الرجل إن الاعتدال السنّي المتمثّل بسعد الحريري ومحمد الصفدي ونجيب ميقاتي مسيطر على الوضع، «لكن عندما سيُصافح الحريري الأسد فستواجهه الأصوليّة السنيّة». لا يلبث أن يقول: انتبهوا إلى المخيّمات. ينتفض مذكّراً البورجوازيّة اللبنانيّة بفضل الفلسطينيين في نهضة الاقتصاد اللبناني في الخمسينيات عبر اليد العاملة ورؤوس الأموال التي أتت بعد اغتصاب فلسطين. ويسأل عن السبب الذي يمنع اليد العاملة الفلسطينيّة من العمل في السوق اللبناني، ويسمح لليد العاملة السوريّة والمصريّة والسريلنكيّة، وغيرها من الدول.
يُضيف أن البعض «يتهمنا بالتوطين كلّما تحدثنا عن الحقوق المدنيّة للشعب الفلسطيني، وهذا أمر مستمر منذ عهد الرئيس إميل لحود». ويقول إن «الجميع مع عودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه، «وهو سيعود». فرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي يدعو إلى إعطاء اللاجئ الفلسطيني حقوقاً والسماح له بالعمل وفتح المخيّمات. ويدعو في الوقت عينه إلى إنماء الأماكن الفقيرة مثل طرابلس وعكّار. يرتشف من قرعة المتّة ليصوغ عبارته بتأنٍّ: «أنا أقول إنه من تحت شعار رفض التوطين، هناك من يتمنى، ومن حلفائنا ولن أسميه، رمي الفلسطينيين في البحر».
يفتح هذا الملف الباب أمام الحديث عن صلاحيّات رئيس الجمهوريّة. يجزم جنبلاط: لا عودة إلى الوراء. يُمكن تعديل بعض الصلاحيّات إذا وافقت الطوائف الأخرى لجهة توقيع المراسيم. ولكنّ الأمور تسير إلى الأمام لا إلى استعادة الماضي.
■ لا أحاديّة في الطائفة الدرزيّة
يضحك وليد جنبلاط عندما يقول: الحمد الله خسرنا الانتخابات. هو يقصد أن عدد نواب اللقاء الديموقراطي نقص من ستة عشر نائباً إلى أحد عشر. «وأصلاً نحن في الطائفة الدرزيّة لا أحاديّة عندنا، بل هناك الأمير طلال أرسلان. لذا، لا يُمكن أحداً أن يتهمنا بالأحاديّة، ونحن أقلية»، فيما الطوائف الأخرى مقفلة. يوافق جنبلاط، ويقول بأسى إن ذلك يعني أن «الكبار» لن يوافقوا على قانون نسبي للانتخابات».
من هنا يقول الرجل إن كتلته ستحصل على وزارتين: واحدة خدماتيّة ووزارة دولة، ووزير شيعي أو مسيحي، تبعاً لما إذا كان الأمير طلال من حصّة حزب الله أو الجنرال ميشال عون. ورداً على سؤال عن البند المتعلّق بسلاح المقاومة في الحكومة الجديدة، يقول: «المنطقي ترك هذا الملف لطاولة الحوار، والتأكيد في البيان الوزاري على احترام القرار 1701، والحق في تحرير الأرض المحتلة».
--------------------------------------------------------------------------------
قد يكون دقيقاً وصف وليد جنبلاط بأكثر السياسيين قدرةً على استشراف عناوين المراحل المقبلة. فهو من مثّل العمود الفقري لفريق 14 آذار، وقبل ذلك كان أحد أهم رموز الحكم طيلة خمسة عشر عاماً. وليد جنبلاط اليوم يرسم عناوين النقاش السياسي في لبنان.