الخبر الوحيد الجديد في المداولات بشأن الحكومة، هو الرسالة الخاصة التي بعث بها الرئيس ميشال سليمان الى القيادة السورية بواسطة احد مساعديه قبل عدة ايام، والتي تناولت ملف الاتصالات بشأن الحكومة، وركزت على اهمية مواصلة دمشق مساعيها مع السعودية ومع حلفائها في لبنان لإنضاج المناخات التي تطلق آلية سهلة لتأليف الحكومة، اضافة الى الحديث عن حرص رئيس الجمهورية على دوره وعلى موقع رئاسة الجمهورية في الحكومة، وإشارته الى أنه لا يقبل بتمثيل وزاري محدود بالاضافة الى تأكيد أنه لن يوقع على مرسوم تأليف حكومة لا تكون عاكسة للوحدة الوطنية.
وعلى رغم عدم وجود جديد استثنائي في دمشق، تحدث زوار العاصمة السورية عن أن الأبواب لم تغلق بعد امام حل، وعن ارتفاع حظوظ قيام الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز بزيارة الى سوريا، الأمر الذي يساعد على تأليف سعد الحريري لحكومته قبل نهاية الشهر الجاري. ونقل الزوار استمرار الكلام عن التشكيلات والمقترحات دون وجود إشارات على أن أياً منها قد حسم.
■ عون حزب الله: الشراكة وسقوفها
وبعد الاجتماع الذي عقده الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله مع الوزير جبران باسيل الأسبوع الماضي موفداً من عون، استقبل الأخير امس الحاج حسين الخليل والحاج وفيق صفا موفدين من السيد نصر الله، وعُرض خلال اللقاء الملف الحكومي من زواياه الداخلية والخارجية، وكان هناك حرص من الجانبين على مجموعة عناصر ابرزها:
اولاً: تثبيت وحدة موقف المعارضة لناحية مبدأ المشاركة مجتمعة أو الانسحاب مجتمعة من الحكومة، وتأكيد وفد حزب الله أن الرئيس نبيه بري حاسم في هذه الوجهة.
ثانياً: إن المعارضة مجتمعة ولا سيما حزب الله لن تقبل بأي تمثيل مسيحي للمعارضة داخل الحكومة يكون ملتبساً على مستوى الحصة وكذلك على مستوى الأسماء وخصوصاً لناحية عدم قبول اي فيتو على اي اسم.
ثالثاً: الاتفاق على استراتيجية للتفاوض يُحدّد بموجبها سقف للحد الأقصى وآخر للحد الأدنى، ولكل خيار شروطه وظروفه، على أن لا تكون المشاركة دون سقف المشاركة الكاملة في القرار.
ومن جانب حركة «أمل» قال النائب علي حسن خليل لـ«الأخبار» إن أجواء المشاورات بشأن الحكومة إيجابية، وإن تكثيف حركة التواصل دليل على هذا الأمر، رافضاً الإفصاح عن مضمون الاتصالات، فيما أشار نائب مقرب من الرئيس المكلف إلى أن المشاورات لا تزال تراوح مكانها، مضيفاً أن مشكلة الثلث لم تبت بعد، إضافة إلى أن المحادثات العربية بشأن لبنان لم تشهد تقدماً يسمح بحسم ملف الحكومة اللبنانية.
وكان بعض المطلعين على أجواء الحريري أكدوا أن الأخير لم يعلن معارضته التامة لمنح المعارضة الثلث المعطل، وانه قال أمام بعض زواره إنه يفضل إعطاء الأقلية الثلث زائداً واحداً على أن يدخل في لعبة الوزير الوديعة ضمن حصة رئيس الجمهورية.
وفيما ذكر سياسي معارض أن الأقلية تلقت عرضاً من الحريري وأنها تبحث هذا العرض، نفى نائب من كتلة المستقبل ذلك، مؤكداً أن الحريري لا يزال في مرحلة الاستماع.
■ الحريري والنسبية: أين حصة الرئيس؟
وكان الحريري قد استقبل امس الوزير جبران باسيل موفداً من العماد عون، وناقش معه على مدى ساعة كاملة الملف الحكومي مستمعاً الى شرح من باسيل لمقترح عون اعتماد النسبية في التمثيل الوزاري.
ومع أن الحريري لم يتحدث عن اي تشكيلة مقترحة أو عن اي موقف رافض أو قابل بهذه الصيغة أو تلك، فإنه جدد انفتاحه على جميع الأفكار، وكان اللقاء هادئاً حيث تولى نادر الحريري كعادته تسجيل المحضر والملاحظات، فيما يتدخل الحريري معلقاً أو مستوضحاً.
وحسب المعلومات فقد دافع باسيل عن مقترح النسبية، موضحاً أنه لا يمثل خرقاً للدستور أو محاولة لتعديله، بل هو انعكاس لمفهوم الشراكة الكاملة والحقيقية وما يحقق لجميع الأطراف حاجتهم للحضور بقوة داخل الحكومة، وما يوفر في الوقت نفسه توازناً يأخذ فيه صاحب الأغلبية حصته الأكبر وصاحب الأقلية حصته الأدنى ويصار الى صيغة خاصة بالحصة المفترضة لرئيس الجمهورية.
ومع أن الحريري يرفض إطلاق أية مواقف مسبقة من هذا الطرح أو ذاك، إلا أنه سأل باسيل عن كيفية تحقيق التوازن على مستوى الطوائف والمذاهب والحصص وخصوصاً حصة رئيس الجمهورية من خلال هذا المقترح. فرد باسيل بأن التوازن الحالي يتيح تمثيل المعارضة بـ13.5 من عدد مقاعد الحكومة (إذا كانت من ثلاثين) مقابل 16.5 للموالاة. ومن ثم توزَّع المقاعد الوزارية لقوى الموالاة من خلال نسبة تمثيلها، لكن يصار الى احتساب هذه النسبة من حصة الموالاة فإذا كانت كتلة الكتائب من خمسة نواب تحسب حصتهم الوزارية على أساس ما تمثله كتلة من خمسة نواب على 71 نائباً يمثلون الموالاة، وكذلك «القوات اللبنانية» على أساس خمسة أو ثمانية، لكن يجب الانتباه الى أنه في حالة التمثيل هذه لا يمكن اعتماد التمثيل المزدوج، مثل حال كتلة زحلة، حيث لا يمكن تمثيلها ككتلة مستقلة ومن ثم احتساب كتل الكتائب والمستقبل والقوات على أساس أنها تضم أعضاءً في كتلة زحلة.
النقاش طال حول هذه الفكرة لكن الحريري كان مهتماً بالسؤال عن حصة الرئيس ربطاً بمقترح النسبية، فلم يكن عند باسيل جواب مباشر بل هو قال إنه عندما يحصل تفاهم على هذا الامر، فإن من واجب فريقي المعارضة والموالاة العمل علصى مناقشة الرئيس في حصته، بما يعطيه نسبة تقسم مناصفة بين الفريقين.
الى جانب هذا الموضوع كان هناك نقاش، لكن زوار قريطم نفوا أن يكون الحريري قد عرض على باسيل اي مقترح أو أنه وافقه على مسائل مثل النسبية أو الثلث أو ما شابه، وهو ما أكده باسيل نفسه لـ«الأخبار» بقوله إن الحريري لم يعرض مشروعاً ولم يطلق موقفاً من الأفكار المتداولة، بل كان هناك تبادل للآراء واتفاق على مواصلة المشاورات.
■ جنبلاط: ملف الحكومة وزيارة دمشق بيد ملك السعودية
وفي السياق نفسه، أبلغ النائب وليد جنبلاط زواره أن إنضاج الملف الحكومي لم يعد مرتبطاً بالقرار الداخلي اللبناني، وأن اللقاءات الداخليّة لا يُمكن أن تؤلف حكومة، بل إن الموضوع مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمفاوضات السوريّة السعوديّة. وأبدى جنبلاط ارتياحه إلى كسر الرئيس الحريري للحاجز تجاه زيارته إلى دمشق، مشيراً إلى أن هذه الزيارة باتت مرتبطة أيضاً بزيارة الملك عبد الله إلى الشام، حيث سيصطحب معه الحريري.
وأشار المطّلعون إلى أن جنبلاط يتمنى تأليف الحكومة في أسرع وقت ممكن، لأن كلّ تأخير له أثر سلبي على الوضع الداخلي. فجنبلاط يتخوّف من ضربة عسكريّة إلى إيران خلال سنة. وإذا أقدم الاسرائيليّون على هذه الخطوة فإن لبنان سيكون إحدى الضحايا الأساسية إذا لم يكن الوضع الداخلي سليماً.
وبرغم أن زوار جنبلاط تحدثوا عن «انه مرتاح لأقصى الدرجات» إلا أنهم نقلوا «تخوّفه من فتنة سنيّة شيعيّة». وقال جنبلاط «إن الأرضيّة لفتنة من هذا النوع جاهزة في لبنان نتيجة للتعبئة المذهبيّة المستمرّة منذ عام 2005، وهي لا تحتاج إلى أكثر من شرارة، مع إشارة الى احتمال أن يكون القرار الظني الذي سيصدر عن المحكمة الدوليّة، وإمكان أن يكون هو هذه الشرارة، ورأى جنبلاط «أن فريق 14 آذار ذهب بعيداً في المحكمة الدوليّة تحت ضغط الاغتيالات لكنه لم يكن يعرف أنها ستضع البلد تحت هذه المخاطر».
■ جنبلاط ووهّاب والهاجس الدرزي
وكان لقاء النائب جنبلاط مع الوزير السابق وئام وهاب محل متابعة، وخصوصاً أن البعض ربطه باحتمال قيام وهاب بدور بين جنبلاط ودمشق، لكن جنبلاط قال إنه يربط هذه الزيارة بخطوة الحريري الأولى تجاه العاصمة السورية. لكنّه لم يطلب أي وساطة من أحد، وخصوصاً من الوزير وهاب الذي لم يطرح بدوره أي وساطة. لكن جنبلاط سأل وهاب عن بعض الأصدقاء القديمين في الشام، وأبلغ وهّاب عن وضع العماد حكمت الشهابي الصحي، وأبلغه أنه في عزّ الخلاف مع سوريا، كان الشهابي يُكرّر لجنبلاط القول إنه لا يخون بلاده، وإنه ابن النظام السوري ولا يُمكن أن ينقلب عليه. وخرج وهّاب بخلاصة من اللقاء أن انفتاح جنبلاط على سوريا هو انفتاح نهائي.
وقال جنبلاط لـ«الأخبار» إن اللقاء يأتي في جو الانفتاح والمصالحة، «وأنا أخذت قراراً استراتيجياً بعد 7 أيّار بالانفتاح على الجميع والحوار ويُمكن كلّ شخص أن يبقى على مواقفه وموقعه السياسي».
وأشار إلى أنه في مرحلة ما قبل السابع من أيّار لم يكن هناك حوار بل اصطفافات وفرز. بدوره، قال وهّاب إن اللقاء يأتي بعد مواقف جنبلاط الأخيرة، وهو كان قد قال مراراً إن الخلاف مع جنبلاط سياسي، وعندما انتهى الخلاف السياسي حول العلاقة مع سوريا والموقف من المقاومة وموقع الطائفة الدرزيّة الوطني، أصبح التلاقي طبيعياً.
ودعا وهّاب إلى العمل معاً في سبيل كسر إمكان حصول فتنة شيعيّة سنيّة، والعمل على تجنيب الطائفة الدرزيّة هذا الصراع. وفي هذا السياق تحدّث جنبلاط مع وهّاب عن ضرورة تعميق المصالحة الدرزيّة الشيعيّة، وأن لا تبقى هذه المصالحة على المستوى الرسمي بل نقلها إلى المستويات الشعبيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. وهنا فُتح ملف ما سُمّي «مجموعة الداعي عمّار»، التي كان يترأسها علام ناصر الدين، الذي قُتل في المواجهات مع حزب الله في الشويفات خلال أحداث أيار 2008.
وقال جنبلاط إنه يجب العمل من أجل عقد لقاء مصالحة بين القيادة الجديدة لهذه المجموعة وحزب الله. واتفقا على أن يعمل كل منهما ما يستطيع في سبيل هذا الهدف، وخصوصاً أن المسؤول الجديد لهذه المجموعة إضافة إلى نجل ناصر الدين هو شخص من آل قرضاب من بلدة الجاهليّة (مسقط رأس وهّاب)، على أن يكون هذا العمل بالتنسيق مع استخبارات الجيش.
(الأخبار)
جنبلاط: مشتاق للشام
ثائر غندور
الانطباع الأول لمن يسمع تفاصيل اللقاء هو أن الرجلين جلسا نحو الساعة ونصف الساعة في جلسة «قلوب مفتوحة» بين شخصيّتين تتميّزان بروح النكتة. فوهّاب بدأ المزاح منذ أن خطا باب قصر كليمنصو إذ قال لجنبلاط: يبدو أنه بدل الأسد فإنك تضع أسدين (في إشارة إلى وجود تمثالين لأسدين). فكان ردّ جنبلاط: من البداية هكذا.
ثم ما لبث جنبلاط أن قال لوهّاب إنه مشتاق لزيارة الشام، فردّ عليه وهّاب: وهي كذلك. ثم عرض عليه دعوة لتناول الغداء في أحد مطاعم دمشق القديمة «لأنها أصبحت جميلة جداً». وشرح جنبلاط لوهّاب عن منزل زوجته نورا في دمشق، ومدى جماليّته، فأشار له وهّاب بأن هناك من أبلغه عن هذا الموضوع.
وكان جنبلاط قد سأل وهّاب في بداية اللقاء هل يريد أو يُمانع الإعلان عن اللقاء، فكان ردّه أن لا مشكلة لديه، فليأخذ هو القرار.
وعلى خطّ آخر، كان أمس، مناصرو وئام وهّاب يسأل بعضهم بعضاً عن سبب هذا الانفتاح. هناك من سأل «رفاقه»: ماذا يُمكنني أن أقول اليوم. وأشار عدد من أعضاء تيّار التوحيد إلى أن بعض مسؤولي المناطق عملوا خلال المدّة السابقة على القول إن جوهر تيّار التوحيد هو التصدي للحالة الجنبلاطي، بما تُمثّل من حالة إقطاعيّة. ثم لاحقاً كان الحديث عن مواجهة الإقطاع الدرزي بوجهيه الجنبلاطي والإرسلاني.
لكنّ آخرين تحدّثوا عن أن هذا اللقاء يسمح لـ«الوهّابيين» بالعمل أكثر في قرى الجبل، وتحدّث بعض منهم عن تلقيه اتصالات من أصدقاء في الحزب التقدمي الاشتراكي يهنّئونهم بالاعتراف برئيس تيّارهم زعيماً درزياً يُضاف إلى النائب وليد جنبلاط والوزير طلال إرسلان.
ويُمكن القول إن جو الناشطين في تيّار التوحيد أمس، تميّز بشيء من البهجة من حصول اللقاء بما يعنيه من اعتراف بوهّاب، وفي المقابل، عدم الرغبة في إظهار هذ الفرح، حفاظاً على الموقف القديم. لكن هناك شبه إجماع على أن على «الرئيس» (وئام وهّاب) أن يشرح الموقف لمسؤولي المناطق ويوضحه بالكامل ليتمكن هؤلاء من نقله إلى «قاعدة تيّار».