اللقاء لم يكن ثنائياً على جاري عادة اللقاءات التي تُعقَد بين قيادتَي الطرفين على هذا المستوى، وهو الأعلى في ظل انقطاع التواصل منذ مدة طويلة بين الأمينين العامين للحزب والجماعة، السيد حسن نصر الله والشيخ فيصل مولوي، بسبب الوضع الصحّي للأخير، ما أعطى إشارة إلى أن المواضيع التي تناولها كانت كثيرة وعميقة، وهي جرت في حضور عضو المجلس السياسي للحزب الشيخ عبد المجيد عمار.
ومع أن البيان المقتضب الذي صدر عقب اللقاء قد أشار إلى أنه «بُحثت فيه الأوضاع العامة في البلاد...»، فإن ما صرح به المصري استوقف مضمونه أكثر من مراقب ومتابع لطبيعة العلاقة بين الطرفين الأبرز على الساحة الإسلامية، بطرفيها الشيعي والسنّي.
مصادر متابعة ومعنية على الساحة الإسلامية لفتتها إشارة المصري إلى أن اللقاء أتى «بعد غياب طويل نسبياً»، ما يدل ـــــ وفق رأيها ـــــ على أن «الانقطاع بين الطرفين كان حاصلاً، وأن الاعتراف به يمثّل تعبيراً صريحاً عن عدم القبول به، وإعلان نيّات غير مباشر بضرورة تعويض ما فات لإعادة المياه إلى مجاريها».
اعتراف المصري بأن العلاقة بين الحزب والجماعة «ليست مجرد علاقة سياسية أو انتخابية عابرة» يأتي في هذا السياق، وخصوصاً عندما يشير بعده إلى أنها، أي العلاقة، «تعود إلى سنوات دأبنا من خلالها على أن نتكامل في أدائنا في رعاية ساحتنا الإسلامية، لأنهما ـــــ أي الجماعة والحزب ـــــ يريان أنّ الحركة الإسلامية يكمل بعضها بعضاً، سواء أكان ذلك في الإطار الإسلامي الدعوي، أم في إطار القضايا الكبرى التي تهم الوطن، وأهمها قضية المقاومة».
❞يهدف التواصل أيضاً إلى التنسيق لاستيعاب أيّ إشكالات قد تحصل في أماكن وجود الطرفين❝النقطة الأخيرة من تصريح المصري بخصوص المقاومة استرعت انتباه المتابعين كثيراً، وتحديداً عندما قال إنه «جرى الحديث مع نائب الأمين العام لـ«حزب الله» في شؤون كثيرة، نأمل أن تأخذ طريقها إلى التنفيذ، وإلى أن تصبح مساراً يحرك الساحة الإسلامية ويعيدها إلى أصالتها»، وهو ما رأت المصادر أنه «تمهيد لعودة العلاقة بين الطرفين إلى ما كانت عليه قبل عام 2004، وخصوصاً لناحية التنسيق الذي كان قائماً بين الجماعة والحزب عسكرياً، لكون الجماعة كانت حتى ذلك الحين أحد أبرز الأطراف التي شاركت الحزب في هذا المجال عبر جناحها العسكري المعروف بـ«قوات الفجر»، وأن هذا التنسيق توقف على نحو شبه كامل بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وغداة المواقف السياسية للجماعة التي اتخذتها بعد ذلك، والتي أحدثت هوّة بينها وبين الحزب لم تُردَم جزئياً إلا في الآونة الأخيرة».
لكن المصادر المتابعة لا ترى أن «الصفحة الجديدة» التي فُتحت بين الحزب والجماعة «مرتبطة بموقف الطرفين المتناغم إلى حد بعيد من فكرة المقاومة وعملها فقط»، بل تهدف أيضاً إلى «التعاون والتنسيق بينهما على الأرض أمنياً، لاستيعاب أي إشكالات قد تحصل في أماكن وجود الطرفين ودرئها، وخصوصاً أنهما ينطلقان في ذلك من تاريخ مشترك لم يسجل فيه حصول أي تصادم يذكر بينهما في السابق، حتى في أشد الأوقات حراجة».
في موازاة ذلك، لا تتجاهل المصادر «وجود 3 عوامل رئيسية أسهمت في عودة المياه إلى مجاريها بين الحزب والحركة، أولها غياب رئيس «جبهة العمل الإسلامي» فتحي يكن منذ أكثر من شهر، الذي أحدث رحيله فراغاً لا يمكن أحداً بعده أن يملأه بسهولة ضمن الساحة الإسلامية، كذلك إن «الحساسية» المفترضة التي كان يثيرها يكن للجماعة من ناحية علاقته الوثيقة مع «حزب الله» ينبغي أن تكون قد زالت، وأن لا عقبات يفترض وجودها بعد اليوم بين الجانبين على هذا الصعيد».
أما العامل الثاني الذي أسهم أيضاً في إعادة فتح الصفحة الجديدة بين الحزب والجماعة، فيتمثل وفق المصادر بـ«الارتباك السائد حالياً في أوساط القيادة الجماعية لجبهة العمل بعد وفاة يكن، الذي يحتاج إلى وقت ليس معلوماً مدته لاحتوائه واستقراره، وهو ما جعل الحزب يبدو في مكان ما بحاجة ماسة الآن إلى طرف إسلامي إضافي على الساحة السنية، للتعاون معاً بهدف لجم «الاندفاعة المذهبية»، وهو أمر ترى فيه الجماعة مصلحة مشتركة لها مع الحزب، وينسجم مع اقتناعاتها وتاريخها».
والعامل الثالث يعود، على حد رأي المصادر، إلى الجماعة الإسلامية ذاتها، التي ترى أن «ابتعادها عن الحزب أفقدها دورها على الساحة الإسلامية في لبنان والتوازن الذي كانت تقيمه معه مذهبياً، كذلك فإن التحاقها بتيار المستقبل تحت ضغط الشارع السنّي بعد اغتيال الحريري كاد يفقدها دورها ووجودها إلى حدود الإلغاء، ما جعلها ترى في نهاية المطاف أن علاقة الند للند مع الحزب أفضل لها بكثير من تبعيتها للمستقبل وغيره».