سارعت الدبلوماسية الأوروبية، ومعها المعنيون من الأمم المتحدة وقواتها العاملة في لبنان، إلى إطلاق حملة علاقات عامة تهدف إلى احتواء مضاعفات ما جرى الأسبوع الماضي في الجنوب، ولا سيما الصدام بين وحدة فرنسية وأهالي بلدة خربة سلم يوم السبت الماضي. وتولى السفير الفرنسي في بيروت أندريه باران، والممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة مايكل وليامز، عقد اجتماعات مع قيادتي حركة أمل وحزب الله، بالإضافة إلى تواصل الاجتماعات بين قيادة اليونيفيل جنوباً وقيادة الجيش في اليرزة وفي الجنوب، وعرض الوضع من مختلف جوانبه.
ولخصت مصادر متابعة نتائج ما حصل بالآتي:
أولاً، سعى المندوبون الأجانب إلى احتواء الأمر والتأكيد أن القوات العاملة في الجنوب لا تحمل أي موقف مسبق من الأهالي، وهي لا تستهدف خرق قواعد الاشتباك، وهو أمر أصرّ عليه باران ووليامز، فيما لم ينف مرجع بارز في القوات الدولية وجود مشكلة تنسيق ربما أدّت إلى ما حصل.
ثانياً، إبداء هذه الجهات استعدادها للقيام بما يلزم من خطوات لإعادة بناء الثقة مع الأهالي ومع القوى السياسية، مع ما يستلزم ذلك من ترتيب لعدد من الخطوات، بينها زيارات من ضباط الوحدة الفرنسية وقيادة اليونيفيل في الناقورة إلى بلدة خربة سلم والاعتذار عما بدر تجاه الأهالي وحصول عمليات تدافع وإطلاق نار من قبل بعض الجنود.
ثالثاً، تبلغت هذه الجهات موقفاً سياسياً لبنانياً رافضاً لأي محاولة فرض أمر واقع في ما خصّ قواعد الاشتباك، ورفضاً أمنياً وعسكرياً لبنانياً واضحاً وحاسماً لأيّ تعاون على خلفية طلبات تعرضها قوات «اليونيفيل» على الجيش ويتبيّن أنها إسرائيلية المصدر.
رابعاً، أبلغت الجهات الدولية المسؤولين اللبنانيين أنها غير قادرة على القيام بأي شيء في ما خص الخرق الإسرائيلي في كفرشوبا لأنه لا يقع ضمن نطاق عملها، إذ لا وجود للخط الأزرق هناك. في المقابل، سمع المسؤولون الدوليون رأياً لبنانياً يشدد على أن التعدي الإسرائيلي يمثل خرقاً للقرار 1701 ويتطلب جهداً من الأمم المتحدة وهي المسؤولة عن اختيار الأسلوب.
■ الحريري يرفض تعديل دور اليونيفيل
الاتصالات الدولية والأوروبية شملت رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي استقبل باران ووليامز، فيما زار الأول مسؤول العلاقات الدولية في حزب الله عمار الموسوي، والتقى الثاني مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا. ودخل على الخط أيضاً السفير الإيطالي غابريال كيكيا الذي التقى الرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري.
وبعد لقائه بري، أكّد السفير الفرنسي «ضرورة احترام جميع الأطراف تطبيق القرار 1701 والتنسيق الكامل مع قوات اليونيفيل والجيش اللبناني من أجل تنفيذ هذا القرار». وأشار باران إلى «أنه في هذه الظروف، من المهم للجميع الابتعاد عن الأعمال التي تؤدي إلى توترات وتشنجات».
أما وليامز، فلفت إلى أن «قوات اليونيفيل تتعاون بجد من أجل إبقاء الوضع تحت السيطرة، ولقد ناقشت مع الرئيس بري وحزب الله ما يمكن أن يقوم به لبنان وإسرائيل أيضاً من أجل تفادي أي حوادث أخرى. ونظراً إلى حساسية الوضع، نتطلع إلى أن يتجنب كل الأطراف القيام بأي أعمال من شأنها أن تؤدي إلى نتائج غير مرغوبة».
وبعد لقاء باران بالموسوي أمس، خرج حزب الله، على لسان الأخير، عن صمته في ما يخص حادثة خربة سلم، طارحاً تساؤلات عن أبعادها، وعما إذا كان «ما حصل يمثّل اختباراً ميدانياً في إطار مواكبة المطلب الأميركي ـــــ الإسرائيلي القديم والمستمر والهادف إلى تعديل قواعد الاشتباك في مهمة اليونيفيل». وقال الموسوي إن «بعض الوحدات التابعة لقوات اليونيفيل تجاوزت مسؤولياتها وحدود المهمات المنوطة بها عندما أقدمت على دهم أحد المنازل المدنية في بلدة خربة سلم، علماً بأن مهمة هذه القوات هي مساندة ومؤازرة الجيش الذي له وحده مسؤولية القيام بالإجراءات اللازمة لحفظ الأمن. وبالتالي فإن ما حصل مثّل استفزازاً للسكان الذين جاءت ردة فعلهم طبيعية، ونحن نحمد الله أنه أمكن تطويق الأمور وضبطها، وأن الوضع عاد بسرعة إلى طبيعته». وأكد الموسوي التزام حزب الله بالقرار 1701، وحرصه «على التعاون مع الجيش اللبناني من جهة وقوات اليونيفيل من جهة أخرى».
من ناحيته، زار السفير الإيطالي الحريري، داعياً «جميع الاطراف اللبنانيين في الجنوب الى ممارسة ضبط النفس والارتقاء الى مستوى المسؤولية المطلوبة منها لتتمكن قوات الطوارئ الدولية من متابعة تنفيذ مهماتها في أفضل الظروف الممكنة».
في المقابل، أكّد الحريري أن «لبنان ملتزم التزاماً كاملاً القرار 1701 والدور الذي تقوم به قوات الطوارئ بالتنسيق مع الجيش اللبناني لتثبيت الامن والاستقرار في الجنوب»، معلناً رفضه «محاولات إسرائيل الهادفة الى تعديل هذا الدور أو تغييره».
ومن فريق الأكثرية النيابية، يرز موقف رئيس حزب الكتائب أمين الجميّل الذي رأى أن ما جرى في الجنوب خلال الأيام الماضية هو أمر «غير معقول»، لافتاً إلى أن «البعض يطلب الشيء وعكسه، فيطلب من اليونيفيل أن تحمي الجنوبيين وتسهر على تطبيق القرار الدولي 1701 ومن الجهة الثانية يعرقلون عمله». ورأى الجميّل أن «ما يحدث له انعكاسات بالنسبة لعلاقات لبنان مع مجلس الامن الدولي وعلى علاقة اليونيفيل بالجنوبيين».
■ الثقة بين الجيش واليونيفيل
وكان قائد الجيش العماد جان قهوجي قد استقبل في اليرزة أول من أمس قائد القوات الدولية العاملة في الجنوب الجنرال كلاوديو غراتسيانو، وبحث معه الخرق الإسرائيلي في منطقة كفرشوبا وتداعيات حادث خربة سلم. وعلمت «الأخبار» من مصادر مطلعة أن قائد الجيش أعاد التركيز على المشكلة الأساسية التي وقعت في الجنوب خلال الأسابيع الماضية، وهي الخرق الإسرائيلي في منطقة كفرشوبا، موضحاً لغراتسيانو أهمية إزالة الخرق المذكور بالنسبة للوضع في الجنوب عموماً. ورأت المصادر أن التقدم في ملف كفرشوبا سيعني عودة ثقة الجنوبيين بقدرة القوات الدولية على صد الخروقات الإسرائيلية، وسيؤثر بالتالي إيجاباً على عمل اليونيفيل في الجنوب. وأشارت المصادر إلى أن اللقاء بين قهوجي وغراتسانو سعى إلى إزالة التأثيرات السلبية التي خلفها على الثقة بين المؤسسة العسكرية والقوات الدولية، تحركُ الكتيبة الفرنسية في خربة سلم من دون التنسيق مع الجيش.
وكان لافتاً أمس البيان الذي أصدرته المتحدثة باسم القوات الدولية العاملة في الجنوب، ياسمينا بوزيان، التي أكدت «التزام اليونيفيل الشراكة الأساسية مع الجيش اللبناني والتي تساعد في إرساء استقرار الوضع على الأرض»، لافتة الى «أن اليونيفيل ستبقى على اتصال مستمر بالجيش اللبناني في ما يتعلق بالأنشطة المرتبطة بتطبيق القرار 1701، من أجل سكان جنوب لبنان». وأوضحت بوزيان «أن منطقة مزارع شبعا لا تقع ضمن ولاية قوات الدولية المعززة المحددة جغرافياً من نهر الليطاني وحتى الخط الازرق». ولفتت بوزيان إلى أن تغيير قواعد الاشتباك جنوب الليطاني هو من صلاحية مجلس الامن الدولي، وأن أمراً مماثلاً يناقش «على مستوى هذا المجلس ومستوى الأطراف المعنيين لا اليونيفيل».
■ إسرائيل تشكو لبنان في مجلس الأمن
ومن نيويورك، كتب مراسل «الأخبار» نزار عبود أن البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة رفعت رسالة ثالثة خلال أقل من شهر تحذر فيها من «خروق لبنانية تهدد الاستقرار على الحدود وفي المنطقة». وحملت الرسالة تحذيرين إلى الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة طالبتهما بالعمل على لجم المدنيين الذين يبادرون إلى خرق «الأراضي الإسرائيلية» ويلحقون الأذى بقوات اليونيفيل وآلياتها. وادعت المندوبة الإسرائيلية غابريالا شاليف في الرسالة الأخيرة التي قدمتها إلى الأمين العام ورئيس مجلس الأمن الدولي أن 15 مواطناً لبنانياً «دخلوا الأراضي الإسرائيلية مسافة 175 متراً وركزوا علمي لبنان وحزب الله قبل أن يعودوا أدراجهم عبر الخط الأزرق إلى الأراضي اللبنانية».
وقالت الرسالة إنه خلال ذلك الحادث الذي وقع في 17 تموز الحالي، «أحجمت قوات اليونيفيل عن اتخاذ أي إجراء لمنع أولئك الأفراد من العبور إلى الأراضي الإسرائيلية. بل إن بعض منظمي الحادث قالوا إنهم نسقوا خرقهم مع اليونيفيل».
وانتقدت شاليف ما رأته تقاعساً من «اليونيفيل» عن أداء واجبها حيث أشارت إلى أن موقع القوات الدولية كان متاخماً لمكان الحادث وأن أسرائيل «كانت تتوقع من اليونيفيل التدخل لمنع وقوع الخرق».
وتوجهت الرسالة إلى الحكومة اللبنانية بدعوة إلى «ممارسة سلطتها بمنع خروق كهذه للخط الأزرق من شأنها تعريض الاستقرار على امتداد الحدود المشتركة للخطر».
وتحدّثت الرسالة الإسرائيلية عن الجرحى الـ14 من قوات اليونيفيل الذين تعرضوا للرشق بالحجارة في بلدة خربة سلم الحدودية، قائلة إنهم كانوا يحاولون تفتيش أحد المنازل المشتبه في تخزين أسلحة فيها. وأشارت إلى إلحاق أضرار بآلياتهم، معتبرة أن «وجود أسلحة في جنوب لبنان، فضلاً عن عرقلة حركة القوات الدولية، يعكس نمطاً ينبغي مواجهته».
ودعت الرسالة إلى تغيير أسلوب عمل الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» من أجل ضمان تطبيق القرار، حيث نصت الرسالة: «ومن أجل ضمان المنطقة الواقعة جنوبي نهر الليطاني خالية من المسلحين والمعدات والأسلحة، باستثناء ما يخص الدولة اللبنانية واليونيفيل، يتعيّن على الجيش اللبناني واليونيفيل إعادة تكييف نشاطهم وفق الواقع الجديد الذي يعيد فيه حزب الله إقامة بنيته التحتية جنوبي الليطاني داخل المناطق المأهولة بالمدنيين».