أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

يعانون من صعوبات بالغة في التواصل وإضطرابات حادة في الإنتباه...أطفال لديهم سمات تشبه التوحد بسبب استخدامهم "الآيباد" لساعات طويلة

الثلاثاء 25 كانون الأول , 2018 12:36 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 16,436 زائر

يعانون من صعوبات بالغة في التواصل وإضطرابات حادة في الإنتباه...أطفال لديهم سمات تشبه التوحد بسبب استخدامهم "الآيباد" لساعات طويلة

لا شكّ أنّ الأجهزة الذكية تلعب اليوم دوراً إيجابياً كبيراً في حياة البشرية، فهي وسيلة للإنفتاح على العالم والتواصل والترفيه والمعرفة. إلاّ أنّ إنتشار هذه الأجهزة بين يدي الأطفال بشكل لافت وبعضهم دون السنتين من العمر، وتزايد هذا الإستخدام لدى الشريحة الأكبر (3 إلى 10 سنوات)، يدفعنا للسوأل عن السبب الكامن وراء ذلك وعن انعكاسات علاقة الطفل بالشاشة الذكية لاسيما مع وجود دراسات غربية تتحدث عن مخاطر محتملة ناتجة عنها، وإنتشار العيادات المتخصصة بمعالجة آثار وذيول الاستخدام الخاطئ للشاشات والأجهزة اللوحية من قبل الأطفال.

تجارب إجتماعية:
يشكو طارق بغصة حالة إبنته البالغة من العمر أربعة سنوات وهي الإبنة الثالثة لموظفين بسيطين. لاحظ أهلها مؤخراً أنها تواجه صعوبات بالغة في التواصل مع محيطها مع تؤخر في اللغة، وإضطراب حاد في الإنتباه وحركة زائدة. قصد والديها إحدى العيادات الخاصة ذائعة الصيت لتخضع إبنتهم لجلسة تشخيص بلغت تكلفتها 100$ ثم جلستين قيمتهما 120$ تبين بموجبها أن إبنتهما لديها سمات تشبه التوحد مرتبطة بجلوس الطفلة لساعات طويلة أمام جهاز التلفزيون كما الايباد  والهاتف. ويقول طارق أنه أضطر للتوقف عن معالجة طفلته بعد فترة وجيزة لكون العلاج مكلف ومكثف وطويل (قد تفوق مدته الثلاث سنوات متواصلة) ويتطلب زيارة ثلاث عيادات تخصصية كل عيادة مرتين أسبوعياً  وهو ما يتخطى امكانياته المادية وزوجته. كما يبدي إستغرابه لكون ابنته وابن عمها الذي يكبرها بأشهر والذي يشاطرها التعرض المفرط للشاشات اللوحية لا تبدو عليه أي آثار سلبية.
أما داني الذي ولد بصحة جسدية ونفسية جيدة، فما لبث أن إنتقل الى العيادات العلاجية وهو في السنتين من العمر.   
تقول والدته - وهي موظفة سابقة اضطرت إلى وضع طفلها في الحضانة وهو دون الشهرين من العمر- أنه كان يشاهد التلفاز لفترة داخل الحضانة وكذلك تبين لها لاحقاً أنه كان يشاهده في بيت جدّه بعد عودته الى أن تقله عند الخامسة. وبحسرة تضيف: " حتى أنا كنت أعرّضه للشاشات المختلفة عند المساء حتى أتمكن من إعداد الطعام وتدريس إخوته ولم تبدو عليه اي اعراض في البداية لأنه هادئ بطبعه".  اليوم اضطرت الأم الى ترك عملها الذي تحب، والتفرغ للإعتناء طفلها البالغ من العمر ثلاثة أعوام ونصف حيث يتطلب رعاية خاصة ومتابعة يومية لدى أخصائيين نفسيين وأخصائي حركة ونطق وقد حجزت له مقعداً في مدرسة لذوي الإحتياجات الخاصة. شعور الذنب لا يفارق  الأم لكن أملها بالتجاوب مع العلاج كبير أيضاً.

كذلك تيا المولودة الأولى لعائلتها والتي لم تتخطى العام والنصف تحاول أمها (ربة منزل) أحياناً إرضائها وإنهاء حفلة صراخها بإعطائها هاتفها حيث تتجول بين تطبيقات الإنترنت المختلفة واليوتيوب. ولكنها لم تكن تعلم أن إبنتها ستتعلق بالهاتف الى درجة البحث المستمر عنه وإكتشاف رمز القفل. وقد زاد المسألة تعقيداً أن الأب الذي يعمل بدوامين يعود الى منزله مرهقاً فيضع إبنته في حضنه ويشغل لها الهاتف حتى لا تتسلق جسده وتثير المتاعب من حوله. الآن يعاني الاهل من حركة الطفلة المفرطة وكذلك من صعوبات واضطرابات في النوم بحيث تبقى متيقّظة الى ما بعد منتصف الليل وتسرد والدتها : "حاولنا في إحدى الليالي إستخدام مهدئ شائع للأطفال، فنامت مدة ساعة قامت بعدها تمشي بلا اتزان مع مقاومة واضحة لأي محاولة في سبيل إعادتها الى فراشها".

دراسات:
تكشف الباحثة والأخصائية في العلوم الإجتماعية الدكتورة ليلى شمس الدين عن نتائج دراسات غربية أظهرت أنّ أكثر من ثلث الأطفال الرضع يستخدمون الشاشات اللوحية المحمولة قبل تعلم الكلام وأنّ 1 من كل 7 أطفال ممن أتموا عامهم الأول يستخدمون الأجهزة الذكية لمدة ساعة واحدة يومياً على الأقل. مشيرة أنّ الأطفال دون عمر السنتين لا يتعلمون كثيرا من الشاشات مع الاعتقاد أنّ إستخدامها يعيق تطور اللغة ومهارات التفكير لديهم.
 وتضيف حسب الدراسات أنّ 7 من 10 أطفال تتراوح أعمارهم بين السنتين والخمس سنوات يمارسون الألعاب الإلكترونية على الإنترنت بإرتياح تام، علماً  أنّ 2 من 10 من هؤلاء الأطفال لا يستطيعون السباحة وحدهم وكذلك إرتداء ملابسهم من غير مساعدة .
وذكرت دراسة ضمت 125000 مشارك أنّ الصغار الذين يجلسون على هذه الأجهزة لمدة تزيد عن الخمس ساعات هم عرضة للإكتئاب بشكل أكبر نسبة إلى أقرانهم من غير المستهلكين لها.
وبينت دراسة أخرى أجريت على أطفال تتراوح أعمارهم بين 4 و5 سنوات بينت أنّهم يقضون يومياً سبع ساعات ونصف الساعة على الأجهزة الذكية وهذه نتيجة خطيرة إذا ما تمت مقارنتها مع دراسة سابقة دلت أنّ الأطفال كانوا يقضون أقل من ساعة وسبعة عشر دقيقة تقريباً، ما يعني أنّ تعلّق الأطفال بهذه الأجهزة واستخدامهم لها في إزدياد. 
وخلصت دراسة غربية  كذلك إلى أنّ "55% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و15 سنة يشعرون بالرغبة في الحصول على الشاشات اللوحية على حساب الألعاب التقليدية".
مرض الإدمان الإلكتروني وإضطراب التمييز البصري:
يحذّر مدير الشبكة العربية لتنمية الطفولة المبكرة ومستشار منظمة الصحة العالمية للرعاية وتنشئة الطفولة الأخصائي في طب الأطفال في الجامعة الأميركية الدكتور غسان عيسى من "إدمان الأطفال على الأجهزة الذكية والألعاب الإلكترونية" الذي صنفته منظمة الصحة العالمية رسمياً على أنه مرض ضمن الطبعة الـ 11 من التصنيف الدولي للأمراض (ICD)، مضيفاً أنّ "تعود الأطفال على الآيباد والتابليت وغيرها يخلق لديه مشكلة في التمييز بين الصور ذات البعدين والصور الحقيقية بأبعادها الثلاث في العالم الواقعي". ويشير إلى أنّ "كل نصف ساعة يقضيها الأطفال دون عمر السنتين على الشاشات والأجهزة اللوحية قد تؤدي ب 50% منهم إلى تأخر على مستوى التعبير اللغوي". ويرى عيسى أنّ التربية الحديثة تستند إلى أمرين: تعليم الطفل اللغة الأم، وتحفيزه على اللعب والإستكشاف (التعلم النشط) أي بخلاف ما يعتقده بعض الأهل من ضرورة استخدام الطفل للتكنولوجيا والاجهزة الذكية وتعلم اللغات الأجنبية أولاً  ما يتناقض مع اساسيات هذه التربية.  

إضطراب في الإنتباه والتركيز وسمات توحد:
الأخصائية في العلاج النفسي الحركي والسلوكي فاطمة زبد تؤكد أنّ 40% من الأطفال الذين يزورون عيادتها هم من المفرطين في استخدام الأجهزة الذكية. وتشرح أنّ الخلايا الدماغية تعمل في وضعيتين تسيطر الأولى عند النوم أو التعب أو المرض والثانية في حالة الوعي والتحليل . وأمام الشاشة تطغى الوضعية الاولى ليصبح الطفل في حالة إسترخاء تفقده القدرة على اكتساب المعرفة او التفاعل مع محيطه. والجدير بالذكر أنّ "عدم تحفيز او تنشيط  الخلايا الدماغية لفترات طويلة خلال النهار يؤثر على نمو الدماغ الذي لا يكتمل حتى عمر السبع سنوات" ما يعني أن إكتشاف المشكلة في وقت مبكر يساهم في إعادة تحفيز الخلايا المعطّلة  لتتدنى نسبة التجاوب بعد هذا العمر. وبحسب إحدى الدراسات  فبعض الأطفال الذين هم في عمر السابعة لديهم مشكلات في الإنتباه والتركيز تتزايد بتزايد أوقات مشاهدتهم للتلفزيون خلال عمر الأشهر الى الثلاثة سنوات. ووجد الباحثون أنّ كل ساعة يقضيها الأطفال قبل عمر الست سنوات في مشاهدة التلفزيون تزيد من خطر إصابتهم بإضطراب الإنتباه بنسبة 10% وتؤدي للعزلة بنسبة 37%. 
وتشير زبد إلى "إزدياد عدد الأولاد الذين يعانون من مشاكل في الانتباه والذاكرة وفرط الحركة وتأخر اللغة وصعوبة في التواصل مع الآخر مترافقة مع سمات شبيهة بالتوحد معللة "أنّ الدراسات الغربية الأخيرة ترجّح أن تكون ناتجة عن جلوس الأطفال لساعات امام الأجهزة الذكية". كما أنّ الشاشات المستخدمة اليوم هي بأغلبها led  وبالتالي يكون تأثيرها أقوى على العيون من الشاشة العادية ما يؤثر بدوره على إفراز هرمون الميلاتنون مسببا القلق والإضطرابات في النوم (الميلاتنون هو هرمون تنتجه الغدة الصنوبرية في الدماغ ويلعب دوراً مهما في تنظيم دورة النوم لدى الشخص).
وترى زبد أن مدّة التعرض إلى الشاشات والأجهزة الذكية تختلف بحسب الفئات العمرية مع الإجماع على مبدأ المنع الكلي للرضّع. وإمكانية التعرض للشاشة لمدة ربع ساعة يوميا عند عمر السنتين على أن يجلس الأهل الى جانب الطفل ويفسروا له ما يشاهده ". ويسمح للطفل بالتعرض للشاشة لمدة ساعة يوميا (تشمل التلفزيون والأجهزة اللوحية)  من عمر ثلاثة الى ست سنوات.  ولمدة لا تتجاوز الساعتين – بفضل بشكل متقطع-  لمن هم في عمر السابعة وما فوق.
وتنبه أنه بعد عمر السابعة "يغيب الحديث عن تأخر في النمو واللغة والتواصل وسمات التوحد ولكن يبقى التأثير ممكن على مستوى الإنتباه والتركيز وصعوبات النوم والإدمان على هذه الأجهزة".
وكأولى خطوات العلاج  التي تتبعها، تطلب زبد من الأهل أن  يحجبوا  كافة أنواع الشاشات لمدة أسبوعين كاملين وإستبدالها بالألعاب التقليدية التي تطور المهارات الحركية، "ليلحظوا بعدها بأنفسهم مدى التغير في مستوى تركيز ولدهم وإنتباهه وهدوء حركته". وتدعوهم الى زيادة أوقات لعبهم مع الأطفال لأنها تساعد على نموهم النفسي والجسدي وتحفز الإكتشاف لديهم مشيرة الى "صعوبات يعانيها عدد من الأطفال عند الكتابة والإمساك الصحيح للقلم بسبب التعود على لمس الشاشات الالكترونية". كما تدعو إلى تحييد الشاشات اللوحية عن فترات الطعام والتنقل وكذلك تحذّر من مشاهدة أكثر من شاشة في الوقت عينه .

تأخر في اللغة وصعوبات تعلمّية:
من جهتها أخصائية النطق واللغة آلاء عطوي  تنبه الأهل من أن تعرض الطفل  للشاشة (سواء كانت شاشة تلفزيون، تلفون، I Pod ، I Pad، لابتوب وغيرها...) ولساعات يوميا "لها دور كبير في إزدياد حالات التأخر اللغوي عند الطفل وهذا يعني صعوبة في فهم كلام الآخرين وصعوبة في التعبير عن أفكاره" . وتشير إلى دراسة أثبتت أنّ الأطفال دون عمر السنة الذين يتعرضون للشاشة  بشكل يومي لأكثر من ساعتين،  هم أكثر قابلية ب 6 مرات لوجود تأخر في اللغة وأنّ الأطفال الذين يقضون وقتهم أمام الشاشة لأكثر من ساعتين في اليوم قد أحرزوا نقاطاً أقل بالمهارات المتعلقة بالتواصل من أقرانهم وفق راسة ثانية. وتضيف عطوي أنّ تعرض الأطفال للشاشة لوقت طويل يمكن أن يعيق عملية الإكتساب بسبب غياب المحفزات الحسية. وتلفت أن هناك أطفال لديهم قابلية أكثر من غيرهم  للتعرض لمشاكل تأخر اللغة بسبب عوامل عدة منها جينية ولكن الأجهزة الذكية يمكن ان تكون عامل اضافي محفز لهذه الصعوبات. 
والجدير بالذكر أنّ المخزون اللغوي للطفل حسب بعض الدراسات يقدر ب 45 مليون كلمة عند عمر أربعة سنوات لكنّ هذا المخزون يتدنى بنسبة 40% نتيجة استخدام الأجهزة الذكية في سنوات الطفولة الأولى ما يسبب تأخر في النطق وصعوبة في الإنتباه تمهد لصعوبات تعلمية لاحقاً.

مخاطر صحية مصدرها الموجات القصيرة المنبعثة من الأجهزة
من جهتها، الأخصائية في طب الأطفال الدكتورة علياء الأعرج، تحذّر الأهل من ترك أولادهم أمام الأجهزة الذكية لساعات وهم في طور النمو اي في مرحلة تكاثر الخلايا الدماغية، وتشير إلى ضرورة تجنيب الطفل للأجهزة اللوحية التي تحتوي على شريحة أو تلك الموصولة هوائياً بالإنترنت لتجنب الإشعاعات التي تصدر عنها وتنصح بتنزيل بعض التطبيقات مسبقاً على أجهزة التابليت لفصلها لاحقا عن الإنترنت حيث أنّ التعرّض المفرط للموجات الإلكترومغناطيسية يمكن أن يسبب ورماً دماغياً على المدى الطويل، ويزيد من إحتمال الإصابة بالسرطان وتشنج عضلات القلب.   
الى ذلك تحذّر من إستخدام الهواتف والأجهزة الذكية لساعات لأنها تسبب الصداع وكذلك تجنب وضعها طويلاً على الأذن أو قريبة من منطقة القلب والأعضاء التناسلية، وأيضاً تجنب وضع مكنة إتصالWi-Fi في المطبخ أو غرفة النوم. وبحال بقي الهاتف الى جانب السرير ليلاً فينصح بضبطه في وضعية "طيران" حتى يتوقف عن إرسال وإستقبال الإشارات والتواصل مع الشبكات.

ويمكن تفسير هذه الأضرار من الناحية التقنية  حيث يعتقد الباحث والأكاديمي المختص في هندسة الإتصالات الدكتور محمد ملّي أنّ الأجهزة الذكية الموصولة هوائياً بالانترنت (wireless) عن طريق الموجات الإلكترومغناطيسية مؤذية للطفل. ويفسر ذلك بالقول أنّ  "تطور قطاع الإتصالات كان بهدف تلبية حاجات التطبيقات الحديثة التي تحتاج سرعات أعلى. لذا تطورت التكنولوجيا على مستويات عدة أبرزها زيادة الترددات ما يعني أنّ الموجات باتت أقصر وهنا الخطورة لأن الموجات القصيرة جدا التي تعتمدها التقنيات الحديثة تتجه لتكون أقرب نسبياً من تلك التي تستخدم في التصوير الشعاعي" . ويوضح هنا أن "الجهاز الذكي بإصدارته الحديثة التي تحتوي على عدة أجهزة إرسال وإستقبال كالWi-Fi ،Bluetooth ،GPS ، 4G /3G /5G, الخ...  تعني أن مصادر الأذية متعددة ولكن إنعكاساتها مختلفة حسب قابلية كل شخص. 
ويطمئن أنّ "المنظمات العالمية وضعت قيوداً وقوانين منظمة لكافة تقنيات الإتصالات (كتحديد قوة الإشارة القصوى للإرسال)، ولكن تبقى المخاوف من إختراق هذه القوانين لأسباب تجارية كتصنيع أجهزة ومحطات إرسال غير مطابقة تهدف إلى زيادة التغطية لتكون النتائج وخيمة على صحة الإنسان خصوصاً لدى الفئات العمرية الصغيرة".

الأجهزة اللوحية واقع يمكن الإستفادة منه وبعض الأهل قدوة سيئة
وفي سياق متصل،  يحث أستاذ علم النفس التربوي في الجامعة اللبنانية الدكتور بسّام سكريّة على ضرورة تقبّل فكرة أنّ هذه الأجهزة باتت أمراً واقعاً بإمكاننا الإستفادة منه في شؤون شتى. ويرى أنّ المشكلة ليست في أصل وجود هذه الشاشات بل في الأساليب التربوية العفوية المتبعة من قبل بعض الأهل، حيث يستسهلون وضع الطفل أمام الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية والتلفاز وألعاب الفيديو توفيراً للوقت والجهد وبسبب الإنشغالات الخاصة وعليه يسعى البعض لتوفير الحاجات الأساسية للطفل من مأكل وملبس ويظن أنه أدى دوره الأخلاقي والشرعي إتجاه  ولده في حين يتغاضى عن الحاجات النفسية والحسية والإجتماعية واللغوية والذهنية للطفل . 
ويشير أن بعض الأهل يمنحون أبنائهم أجهزة إتصال حديثة بشكل طوعي وبنية حسنة لأنهم ينبهرون بقدرات أطفالهم في التعامل مع التكنولوجيا. فالأهل بأغلبهم يعيشون حالة صراع داخلي  حيث تنتابهم الغبطة والإعجاب لكون ولدهم يبحر في عالم التكنولوجيا المتطورة  منذ نعومة أظافره وهم أنفسهم إكتسبوا هذه المهارات التكنولوجية حديثاً، ولكن في قرارة نفسهم يشعرون بالذنب ويدركون أن هذا الواقع ليس سليماً.
وحول السلوك المتداول في محاولة إسكات الطفل عن طريق تشغيل فيديوهات وألعاب على الهواتف الذكية والشاشات المحمولة، يقول سكرية "يمكن اللجوء الى هذه الوسيلة مع الاخذ بعين الاعتبار أنّها مؤقتة  وبالتالي تكون لدقائق علينا بعدها ان ننقل الطفل إلى عالم آخر لأن استخدامها مطولاً وتكرار الفيديوهات مثلا يمكن ان يسبب حالة أشبه بالتنويم المغناطيسي للطفل. وبإنتظار اكتمال الدراسات لا يمكن ان نخاطر ونجرب بأطفالنا".
والجدير بالذّكر أنّ "مفاهيم الإنسان وملامح شخصيته وميوله واستعداداته ومسار نموه الجسمي والعقلي والإجتماعي والوجداني وتكوين الهوية الثقافية له تتكون بأجمعها خلال مرحلة الطفولة، لاسيما بقسمها الأول الطفولة المبكرة (من يوم الى 7 سنوات). وهي مرحلة تختزن التطور المعرفي والإجتماعي والثقافي. حيث يكتسب الطفل المهارات الإجتماعية عن طريق التفاعل البشري الحي ويتعلم التفاوض عن طريق العلاقات والانشطة المشتركة بين الأطفال كما يتعرف على حقوقه ويدافع عنها في عملية مساومة".  ما يعني أنّ  ترك الأطفال في تواصل مع الاجهزة الذكية يعد خطراً. ذلك لأنّه تواصل أحادي تلقيني، لا يمكّن الطفل من التفاعل مع الاشخاص بردات فعل، ولا يتيح له الفرصة لقراءة تعابير وجههم.
لذا يعتقد  سكرية أنّ المشكلة أيضاً عند بعض الأهل الذين لديهم استخداماً مفرطاً لأجهزة الإتصال الحديثة  بحيث يقدمون نموذجاً سيئاً  لأولادهم، الذين قد يخيل لهم أنّ هذه هي الحياة الطبيعية في ظل عالم مليئ بالشاشات.
ويختم بالإشارة الى ما اوردته صحيفة "ديلي ميرور البريطانية" في مقابلة مع  بيل غيتس مؤسس شركة “مايكروسوفت” الأميركية  العملاقة وأحد مؤسسي الثورة الرقميّة بالعالم - حين قال "أنه يمنع أبناءه من إستخدام الهواتف الذكية والتابلت قبل سن الـ14، لأنه يريدهم ان ينمو بصورة طبيعية". 
 
   خلاصة القول، التربية مسؤولية إذ ليس هناك إهمال بلا عاقبة. إلاَ أنّ بعض العواقب مشوارها العلاجي طويل، ومكلف ومرهق ولا ينفع معه الندم. يكفي أن تتجول في العيادات المتخصصة في معالجة ذيول التعرض المفرط للشاشات حتى تدرك حجم المشكلة ودور الأهل فيها. فليس هناك "جيل لا يرد" إنما أساليب تربية غير مجدية تستخدمها بعض الاسر المستسلمة كلياً لتكنولوجيا لا تزال قيد الإختبار. 

زينب طالب

Script executed in 0.043825149536133