أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

مقاومون جرحى صنعوا تاريخاً ... واستراحوا في الحِرف

السبت 25 تموز , 2009 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,760 زائر

مقاومون جرحى صنعوا تاريخاً ... واستراحوا في الحِرف

يشكل المقاومون الجرحى عالماً كاملاً، بين عوالم «حزب الله»، فيجري تأمين متطلبات حياتهم مع عائلاتهم، في المجالات المعيشية والصحية والتربوية.
بدأت رعاية الجرحى منذ انطلاقة المقاومة. لكنها تحولت إلى مؤسسة في العام 1992، بعدما نالت العلم والخبر باسم «الجمعية الخيرية لمساعدة جرحى الحرب ومعوقيها». وتتولى المؤسسة تأمين العلاج للجريح، وصولاً إلى شفائه، بما في ذلك نقله إلى مستشفيات في الخارج، في حال استدعى وضعه الصحي ذلك.
بعد الشفاء يجري تأهيل من أصيب بإعاقة دائمة، من خلال تدريبه على مهنة يستطيع ممارستها، مثل صناعة السلال والحفر على الخشب لمن أصبح ضريراً، أو تعليم من يرغب لغات أجنبية أو استخدام الكومبيوتر، بالاضافة إلى متابعة التعليم الجامعي، لمن يملك القدرة على متابعته. ويشكل المقاوم خضر مثالاً على من تابعوا تعليمهم الجامعي، بعدما بترت رجلاه، وقد حصل على إجازة في إدارة الأعمال من «الجامعة العربية»، وتعلم كيفية استخدام الكرسي المتحرك من دون مساعدة. أما المقاوم حسين المقداد، الذي أصيب داخل فلسطين، وبترت يداه ورجلاه وتحول إلى ضرير، فقد استأنف تعليمه بمساعدة زوجته، وهو يحضر حالياً رسالة ماجيستير.
إلى جانب التأهيل، يجري العمل على دمج الجرحى في محيطهم، بما يساهم في تجاوز المصاعب النفسية الناتجة عن الإعاقة. وقد جرى تركيب أطراف اصطناعية لجميع المقاومين الذين أمكن تركيب أطراف لهم، لأن بعض عمليات البتر حال دون تركيبها. كما أجرت المؤسسة تعديلات هندسية على منازل المصابين، من أجل تسهيل حركتهم، وأنشأت لهم «مركز العباس» للعلاج الفيزيائي والتأهيل الطبي وتركيب الأطراف.
وفي المجال الرياضي، تم إنشاء «نادي الجريح» الذي يضمّ أنشطة تنسجم مع قدرات الجرحى الجسدية، وأبرزها «مشروع الفردوس» في بلدة الدوير، وهو ضمن مواصفات عالمية، تلائم درجات الإعاقة، ويضم ملاعب كرة قدم وكرة سلة وكرة مضرب وكرة طاولة، بالإضافة إلى مسبح أولمبي. وهناك «بيت الجريح المهني»، بثلاثة مراكز في منطقة الرويس، وجويا وبعلبك، ويجري فيه تعلم استخدام الكومبيوتر ودورات في المحاسبة واللغات، وتعلم الحفر على الخشب والزجاج وصناعة السلال من القش والخيزران.
^ حسن في عالم السلال
يستريح حسن، من بلدة تولين، على كرسيه في «بيت الجريح» في الرويس. فقد تولى منذ أن أصبح ضريراً حياكة سلال القش، التي تستخدم لوضع الخبز والخضار والفواكه.
كان شاباً في الثامنة عشرة من عمره عندما أخذ يسير بين تلال الجنوب ووديانه، يبحث عن المواقع الاسرائيلية، وعن اللحظة المناسبة لضربها. وفي إحدى العمليات التي شارك فيها حسن، في وادي عين إبل، استهدفته قذيفة دبابة ميركافا، فنخرت جسده بالشظايا، وأصابت عينه اليسرى وأذنيه، وأصيبت ساقه بستة كسور، بينما استشهد اثنان من رفاقه المقاومين.
بقي حسن ينزف في الوادي ست ساعات، من الثانية عشرة ليلاً حتى السادسة صباحاً. في الصباح قابله مسؤولو العملاء الثلاثة أحمد شبلي، وحسين عبد النبي، وعقل هاشم. رأى شبلي أن حسن ما زال على قيد الحياة، لكن جسده ينزف وعينه اليسرى مصابة، فأمسك لاقط الصوت للجهاز العسكري الذي يحمله، وهو من المعدن، قطعه بالمقص، وغرزه في عين حسن اليمنى ففقأها، وقطع له إبهام رجله المصابة، ثم جرى اقتياده الى مستشفى رامبام في حيفا وهي مستشفى عسكرية، وسجن في الوقت نفسه.
لم يتم علاجه في المستشفى، إنما جرى وضع «لزقات» من القطن والشاش على جروحه من أجل وقف النزيف، فالتأمت جراحه ببطء شديد.
بقي في السجن سبعة أشهر فقط، ربما اعتبر سجانوه أنه لم يعد يملك القدرة الجسدية على القيام بعمليات جديدة.
يحتفظ حسن بجزء من وسامة الشاب الذي كانه. يرى الألوان في أحلامه، ويشاهد نفسه يبني منازل بعدما كانت مهنته البناء، ويقود سيارة كان يملكها قبل أن يصاب. يتحدث والطرفة لا تفارق شفتيه، فيقول إنه يستطيع السير في طرقات قريته في الجنوب غيباً لأنه يحفظها، لكنه لم يستطع حفظ طرقات سيره في الضاحية حيث يقيم. يضيف ضاحكاً: يوجد عمود على طريق سيري، أصبح صديقي، لأني كلما جربت السير وحدي أضرب رأسي به، فقررت الخروج برفقة زوجتي أو أحد أولادي الثلاثة.
عندما تعرف حسن الى الفتاة التي أصبحت زوجته، طلب منها أن تصف له شكلها، فقالت إنها بيضاء البشرة وعيناها سوداوان، تخيل شكلها ورآها في الحلم، اشترى لها ثوب خطوبة زهري اللون. يقول بطرفته المعهودة إنه عندما عقد قرانه عليها، يوم الخطوبة، حاول تقبيلها، لكن أخوالها بقوا إلى جانبها، فخجل من الاقتراب منها. يتذكر تلك اللحظة: «جلس أخوالها مثل النواطير، وحرموني من متعة القبلة الأولى بعد عقد القران».
يضع حسن نظارات سوداء على عينيه وسماعات في أذنيه، يصنع السلال بمهارة، بعدما صنع مع رفاقه تاريخاً، يلزم وقت طويل لمعرفة ما جرى فيه.
^ عقيدة عباس
على عكس حسن يتحدث عباس عن نفسه بهدوء شديد. أصيب في عينيه، وفي أنحاء متعددة من جسده خلال عملية أجراها في منطقة إقليم التفاح، قبل التحرير بفترة قصيرة. تعرض مع خمسة من رفاقه إلى غارة إسرائيلية، فأصيب رفاقه إصابات خفيفة، ما عداه. فقد النظر في عينه اليمنى، وتعب جسده.
يقول عباس إنه كان يقطع مسافات في الوديان والتلال توازي المسافة بين بيروت والجنوب، لكنه لم يعد يستطيع الآن المشي كثيراً.
كانت لديه خطيبة، لمدة أربع سنوات ونصف، قبل إصابته. ثم تزوج منها بعد شفائه، ولديه حالياً ثلاث بنات.
بقي ما يقارب العام لا يرى شيئاً. عالج عينه اليمنى طبيب قدم من الولايات المتحدة، فصار يرى بها قليلاً. أجريت له خمس عمليات جراحية في جسده، وتناول أدوية مهدئة لجهازه العصبي لسنوات، ثم قرر الطبيب إيقافها، وهو لا يتناول حالياً سوى الأدوية الخاصة بعينيه. جاء إلى «بيت الجريح» في الضاحية كي يشارك في دورة تعلم الحفر على الزجاج كي يتسلى، لأنه تعب من المكوث في المنزل.
يقول عباس إن العقيدة التي قاتل من أجلها تجعله يحتمل مصاعب حياته الجديدة. كان يود أن يستشهد، لكن الله أراد له أن يصبح جريحاً.
^ بلال السباح الماهر
وضع المقاوم بلال الصبوري نفسه أمام امتحان التغلب على جروحه، فنجح في الامتحان، لكي يتابع حياته بشكل طبيعي.
أصيب بلال خلال عملية للمقاومة، وبترت رجله اليمنى، لكنه تابع مهامه في المقاومة بعد شفائه من إصابته. فعمل في المجالات اللوجستية، لأنه أحبّ المكان الذي كان فيه، أكثر من أي مكان آخر، وبقي هناك مدة ثلاث سنوات.
بعد إصابته بتر طبيب الموقع رجل بلال بالمنشار، مع بنج موضعي، بسبب عدم توفر أداة بتر طبية. عانى آلاماً كبرى وبقي في الموقع أربعة أيام، بعد بتر رجله، ثم نقل إلى المستشفى ومكث فيها خمسة أشهر. وعندما تماثل للشفاء، جرى تركيب طرف اصطناعي له، وتدرب على المشي من جديد، فاستغرق الأمر فترة سنة ونصف السنة لكي يتأقلم مع وضعه الجديد. بعد تركيب الطرف تعلم السباحة بمهارة، وركوب الدراجة. يقصد منطقة عين المريسة من منزله في الضاحية، كل يومين، على الدراجة الهوائية، ويسبح في مياهها مسافات طويلة.
يحافظ بلال على جسد مستقيم، يمشي بشكل عادي، لو شاهدته من دون أن يخبرك، لما عرفت أن رجله مبتورة.
أنجب خمسة أولاد، ويملك محلاً لبيع الحفريات التي يصنعها من خشب الزيتون.

Script executed in 0.18067598342896