أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

إسرائيل تعيد دراسة خياراتها حيال لبنان؟

الإثنين 03 آب , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,481 زائر

إسرائيل تعيد دراسة خياراتها حيال لبنان؟

إذا كان ثمة شبه إجماع إسرائيلي في الفترة التي واكبت الذكرى الثالثة لحرب تموز عام 2006، على أن حزب الله مرتدع عن الإضرار بإسرائيل ويخشى ردّها «لتذكّره الدائم بقدرة إسرائيل على إلحاق الضرر بلبنان ومدنييه»، فإن هذه الرواية المحبّبة للإسرائيليين، لم تعمّر طويلاً، رغم تردادها بكثرة لدى عدد من محللي الشأن العسكري في الدولة العبرية. آخر التقديرات الإسرائيلية، التي تكثّفت في الأيام القليلة الماضية، تشير إلى أن الحزب انتقل من قيود الارتداع إلى الانفلات منها، يضاف إلى ذلك، وبحسب التقديرات ذاتها، تغيّر طرأ على كوابح الحزب الذاتية داخل الساحة اللبنانية، التي أسهمت في انفلاته أيضاً، ما مكَّنه من «استئناف جهوده المكثفة للإضرار بإسرائيل». السؤال المتداول حالياً لدى دوائر التقدير الإسرائيلية، كما يظهر من التصريحات و«الرسائل» المبثوثة أخيراً من إسرائيل، يبحث عن حجم هذا الإضرار وزمانه ومكانه ـــــ داخل إسرائيل أو انطلاقاً من الحدود مع لبنان، أو في خارجها.
في الذكرى الثالثة لحرب تموز 2006، سمع الإسرائيليون تقديراً موحداً وموجّهاً عن وضع حزب الله «المردوع»، وتولى مراسلو الشأن العسكري في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة في الدولة العبرية، «تلاوة» رواية الأجهزة الأمنية لمناسبة ذكرى الحرب: «لقد اكتشفنا متأخرين وبعد ثلاث سنوات أننا انتصرنا. فالحرب لا تحمل إخفاقات فقط، إذ إن حزب الله مرتدع عن الإضرار بإسرائيل، وهذه هي أهم نتائج مواجهة عام 2006».

عدم ارتداع حزب الله، من دون حراك إسرائيلي حياله، يكشف عن حالة الارتداع الإسرائيلية

لم يعمِّر انتصار إسرائيل المُكتَشَف حديثاً، إذ تبعت هذا «الانتصار» سلسلة من الأحداث في لبنان، إضافةً إلى «تصريحات» صادرة فيه أو منقولة عن قيادة المقاومة، أدت إلى قراءة إسرائيلية مغايرة، بل استتبعت نقل رسائل عبر طرف ثالث (الأمم المتحدة) تتضمّن تهديداً واضحاً للحكومة اللبنانية ولحزب الله، مع حرص على إيصالها بطرق علنية: فـ«إذا لم تتحرك قوات اليونيفيل والجيش اللبناني المرابطة في جنوب لبنان، وبشكل أكثر تصميماً وحزماً ضد خروق حزب الله للقرار 1701، فلن يقف الجيش الإسرائيلي مكتوف الأيدي لفترة طويلة».
في الوقت نفسه، ومن جهته، حرص رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غابي أشكينازي، على تهدئة «عاصفة» ما بعد التقدير الإسرائيلي لعدم ارتداع حزب الله والأجواء التي أثارتها التصريحات والتعليقات الإسرائيلية أخيراً، إن لجهة انفجار منزل خربة سلم، أو لجهة «خرق» أهالي كفرشوبا «للحدود»، بحسب الرواية الإسرائيلية، مشيراً (أشكينازي) إلى أنه «لا علم لدي بوجود رياح حرب في الشمال، فالهدوء هو السائد، وانفجار مخزن السلاح (في خربة سلم) قيد المعالجة من جانب قوات الأمم المتحدة والجيش اللبناني». أي تأكيد أعلى سلطة عسكرية في الكيان الإسرائيلي على وجود الهدوء، وعلى استمراريته، وأن مسألة انفجار «المخزن» لن تجر إسرائيل إلى عمل ميداني ما، فهو من مهمة جهة عسكرية أخرى، وبالتالي لن يسبب مواجهة مع حزب الله.
مقابل عدم ارتداع حزب الله في هذه المرحلة، وانطلاقاً من منطق القراءة الإسرائيلية نفسه، يُفترض التقدير أن إسرائيل نفسها مردوعة، باعتبارها الطرف الآخر للمواجهة القائمة أو المحتملة مع المقاومة، فالحدود هادئة ومستقرة من جهتها أيضاً، ولم تشهد خرقاً معتبراً منذ ثلاث سنوات على انتهاء الحرب... إضافةً إلى أن عدم ارتداع حزب الله، ومن دون حراك إسرائيلي استباقي أو وقائي حياله، يكشف أيضاً عن حالة الارتداع الإسرائيلية... ما لم يكن التقدير السائد لدى دوائر القرار الإسرائيلي يرى، أن أي اعتداء تقدم عليه إسرائيل لن يحقق نتائجه، وهو شكل آخر من أشكال الارتداع أيضاً (الردع بعدم تحقّق النتيجة).
في كلام أخير منسوب إلى الأمين العام لحزب الله بأن «المقاومة ستضرب تل أبيب رداً على ضرب إسرائيل للضاحية الجنوبية لبيروت»... وكلام آخر مباشر أثار فيه قضية الأسير يحيى سكاف، والجمع الإسرائيلي ما بين المعطيين، قد فرضا على إسرائيل، كنتيجة منطقية للجمع، تغييراً في اتجاهات التقدير لجهة ما قد يقدم عليه الحزب، فحسب «قواعد توقع سلوك العدو» وما تمليه من وجوب الاستناد إلى نماذج أفعال وأنماط عمل سابقة لحزب الله، مع وجود ظروف موضوعية ترى إسرائيل أنها تمثّل فرصة للحزب لتكرارها، يمكن فهم التقدير الإسرائيلي الجديد حياله، وهو تقدير يشير بدوره إلى تغير في مقدمات ومتن ونتيجة المعادلة، التي تحكم الجانبين.
تتعزز أهمية عدم ارتداع حزب الله في هذه المرحلة، بناءً على ذلك، في أنها تفرض على إسرائيل بحثاً عن «وقائع» أخرى، من شأنها أن تشبع رغبات المسؤولين الإسرائيليين في «اكتشاف» آخر وإن متأخراً، للنصر على حزب الله في تموز 2006، كما تفرض عليها بحثاً في الحرب المقبلة إن قيّض لها أن تتحقق، أي البحث في أسباب تضاف أو تحذف من إمكان تحققها، وبحثاً في مستوياتها ونتائجها، وأيضاً البحث في أي عدوان ما دون الحرب، قد تقدم عليه إسرائيل ـــــ فعدم ارتداع حزب الله، ودافعيته للإضرار بإسرائيل، يفرضان على الدولة العبرية إعادة دراسة مروحة خياراتها، ومنها ما لم يعد يقوى على التحقق في ظل المتغيرات الحاصلة لدى الجانبين.

Script executed in 0.18744206428528