لم ينتظر النائب وليد جنبلاط انجلاء الغبار السياسي الذي خلّفته مواقفه المعلنة لحال الفراق بينه وبين قوى 14 آذار، فجدد أمس تأكيدها، محدداً تموضعه الجديد بالقول إنه يمثّل حالة مستقلة ستكون إلى جانب رئيس الجمهورية. وبعد إعلان الطلاق السياسي مع ما بقي من قوى 14 آذار، خرجت أمس إلى العلن بوضوح أكثر نتائج الانقلاب الجنبلاطي. فالأكثرية النيابية لم تعد تحمل الاسم ذاته، من دون أن يعني ذلك أن الأقلية حلّت مكانها. لكن ما كان الرئيس نبيه بري يتنبّأ به قبل الانتخابات صار أمراً واقعاً، واختلطت الأوراق بين 8 و14 آذار، إن لم يصحّ القول إنها احترقت. ففضلاً عن الجمود الذي بثّه جنبلاط في مشاورات تأليف الحكومة، أعاد رئيس اللقاء الديموقراطي صياغة تركيبة المجلس النيابي على طريقته. ومن دون أن ينضم إلى قوى الأقلية، فقدت الأكثرية، مبدئيّاً وحسابياً، 11 نائباً منها، وإذا حصل ذلك فستتراجع حصّتها من 71 نائباً إلى 60. ورغم أن هذه العملية الحسابية لا تزال في المجال النظري، إلا أن لها أساساً واقعياً متيناً، لجهة أن النائب محمد الحجار قد يكون الوحيد من الأعضاء الـ12 لكتلة اللقاء الديموقراطي الذي سيكون بمقدوره مغادرة اللقاء الديموقراطي والعودة إلى صفوف كتلة «المستقبل». وفيما لا يزال زملاؤه في انتظار اجتماع اللقاء لتسجيل مواقفهم، يقول مطّلعون على «اللقاء» إنه سيصعب على عدد كبير من النواب الابتعاد عن جنبلاط، من مسييحيين ودروز، على اعتبار أنّ «انخراط هذه الشخصيات في صلب الخطاب السياسي لوليد جنبلاط عميق، وهم يدركون أنهم لولا جنبلاط لكانوا خارج البرلمان».
وفي السياق ذاته، ردّ النائب وليد جنبلاط على سؤال «الأخبار» له عن إمكان خروج بعض نواب اللقاء الديموقراطي منه، بالقول «إن كلّ شيء ممكن، وأنا لا أجبر أعضاء اللقاء على أن يمشوا معي، وأنا أقول قناعاتي». وكشف أنه ما زال ينتظر توضيحاً من تيّار المستقبل للبيان الذي أصدره أول من أمس. ومساءً، قال جنبلاط في حديث متلفز إنه سينضم إلى رئيس الجمهورية «الذي يمثّل الضمانة في الأمور الكبرى. أرى الظرف المناسب، وكيف أصوّت في البرلمان وفي مجلس الوزراء». وعمّا إذا كان هناك احتمال بأن ينضم أحد إليه، قال جنبلاط: «في الوقت الحاضر لدي ورشة هائلة في الحزب وفي الجبل وهذا همّي الأساس». ولدى سؤاله عما إذا كان موقفه يعرقل تأليف الحكومة أجاب أن «هناك العدد الكافي من النواب في اللقاء الديموقراطي ليصوّت مع الأكثرية». ورأى جنبلاط أن مواقفه تمثّل «تحدياًَ موجهاً إلى الحزب الاشتراكي وإلى فئة الدروز لكي نؤكد الثوابت التي استشهد من أجلها كمال جنبلاط، وهذا لا يضرّ في تأليف الحكومة. فكما تعلمون أن الرئيس اختار، وقال إنه سيكون الضامن للأمور الكبرى. ممتاز، أنضم إلى الرئيس».
وبانضمامه إلى رئيس الجمهورية، يكون جنبلاط قد مثّل كتلة وسطية من 11 نائباً، أو أقل، يضاف إليهم كلّ من النائبين نجيب ميقاتي وأحمد كرامي، فيؤلّفون 13 نائباً. وبناءً على ما تقدم، تكون خريطة المجلس قد أصبحت على الشكل الآتي: 58 لقوى 14 آذار، 57 لقوى 8 آذار و13 وسطيون، مع إمكان ظهور حالات «وسطية» إضافية في المرحلة المقبلة.
وفي هذا الإطار، أكد أحد النواب المقرّبين من سوريا أن عدداً من زملائه المحسوبين على «الأكثرية» تواصلوا معه بهدف توجيه رسائل إلى دمشق، تؤكد حفظهم للعلاقات الودية التي كانت قائمة في السابق معها، وبينهم نائب بارز يتوقع انتقاله إلى «الوسط» في المرحلة المقبلة، وإعلانه الوقوف إلى جانب رئيس الجمهورية.
لكنّ الاندفاعة الجنبلاطية لن تتوقف عند هذا الحد. فقد توقع مصدر في الحزب التقدمي الاشتراكي أن يقوم جنبلاط بمبادرة، خلال الأيام القليلة المقبلة، من شأنها البدء بردم الهوة التي صنعتها على مدى السنوات الأربع الماضية المواقف الجنبلاطية المسيئة إلى «سوريا». وإضافة إلى ذلك، من المنتظر أن يلبّي جنبلاط، خلال الأيام المقبلة، دعوة من السفير الإيراني في بيروت لزيارة السفارة. وأشارت مصادر واسعة الاطلاع إلى أن فردريك هوف، عضو فريق المبعوث الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشل، وجّه خلال زيارته الماضية إلى بيروت دعوة إلى النائب جنبلاط لزيارة واشنطن والتعرّف إلى الإدارة الأميركيّة الجديدة، إلا أن جنبلاط رفض.
وتواصلت أمس ردود الفعل على المواقف الجنبلاطية الأخيرة، بين طرفي الأقلية والأكثرية. وأشارت مصادر واسعة الاطلاع إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري كان يتوقع إعلان وليد جنبلاط خروجه من 14 آذار بعد تأليف الحكومة، إلا أنه فوجئ به أول من أمس. وربطت المصادر بين الاستعجال الجنبلاطي ومواقف مسيحيي قوى 14 آذار من طرح الزعيم الدرزي إقامة تكتّل إسلامي من جهة، ومن جهة أخرى احتمال أن يكون الرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري قد وعد سمير جعجع بالحصول على وزارة الأشغال.
وقال أحد النواب المقرّبين من بري إن «ما قام به جنبلاط هو تصويب للمسار السياسي الذي حكم البلاد على مدى السنوات الأربع الماضية». ورأى النائب ذاته أن الرئيس المكلف تأليف الحكومة يواجه صدمة لا يسهل تخطّيها. فهو «عرف السياسة اللبنانية من خلال وليد جنبلاط الذي كان المحرّك الأساسي للعمل السياسي بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري». لكنّ المصدر ذاته لا يرى أن وليد جنبلاط سيفترق عن سعد الحريري، فهو حريص على علاقته بالحريري وبالمملكة العربية السعودية. وعلى هذا الأساس، من غير المتوقع أن يزور جنبلاط سوريا قبل انتقال سعد الحريري إلى الشام، أو لقائه الرئيس السوري بشار الأسد في مكان ما. وفي هذا الإطار، نفت مصادر مقرّبة من جنبلاط ما تناقلته بعض وسائل الإعلام، أمس، من أن جنبلاط سينتقل إلى الشام خلال 48 ساعة.
من جهة أخرى، قال أحد النواب المقرّبين من بري إن المعارضة غير معنية بالإقدام على أي خطوة باتجاه النائب جنبلاط حالياً، «لأن ذلك قد يزيد من الضغط عليه. لكن ما تقوم به المعارضة الدرزية يدخل في إطار تعزيز البيت الداخلي للطائفة». وفي هذا الإطار، بدا لافتاً أمس صمت معظم الأطراف الرئيسية في المعارضة تجاه المواقف الجديدة لجنبلاط، إذ اقتصرت تعليقات الأقلية على حزب البعث العربي الاشتراكي والنائب قاسم هاشم اللذين رحّبا بما صدر عن رئيس «الاشتراكي». ومن جهته، دافع رئيس تيار التوحيد الوزير السابق وئام وهاب عن جنبلاط، وعدّ ردّ تيار المستقبل عليه «سخيفاً».
في جهة مقابلة، استمرت قوى 14 آذار بالتعبير عن استهجانها لمواقف جنبلاط. ورأى الرئيس أمين الجميّل أنه لا يجوز لبعض المواقف «أن تكون على حساب أفرقاء آخرين وحلفاء كانوا صادقين في تعاطيهم مع الشأن العام وبعضهم مع بعض». وقال الجميّل إن تواصلاً يجري بينه وبين حلفائه للتشاور بشأن مواقف جنبلاط، «وفي الفترة القريبة سيصدر موقف مشترك». بدوره، رأى النائب بطرس حرب أن ما قام به جنبلاط هو «خروج عن آلية العمل المشترك» (ضمن قوى 14 آذار)، آملاً «ألا يكون خروجاً عن المبادئ التي جمعتنا في الماضي، والتي هي مبادئ وطنية لا طائفية أو مذهبية». من ناحيته، رفض النائب أنطوان زهرا (القوات اللبنانية) التعليق على كلام جنبلاط، فيما رأى مصدر مقرّب من كتلة القوات النيابية «أنّ جميع أطراف 14 آذار تنتظر تفسير مواقف جنبلاط وإعادة تموضعه». وأكد المصدر استياء الحلفاء من هذه الخطوة الجنبلاطية، مشيراً إلى أن الزعيم الدرزي «لم يكن مضطراً إلى أخذ أكثر المواقف المتطرفة، ليعود وينقلب ويقلب معه التطرّف إلى الضفة الأخرى». ويدعو قواتيون إلى «الهدوء والرد بمنطق، بعيداً عن التوتر».
وبعد البيان الذي أصدره تيار المستقبل، أول من أمس، استكمل أمس رده على مواقف جنبلاط، فاستغرب النائب أحمد فتفت تصريحات رئيس اللقاء الديموقراطي، معبّراً عن «فهمه» لأن يحدث «موقف وليد جنبلاط صدمة في الشارع وفي أوساط 14 آذار، ولكن اعتقد أن علينا التروّي كي نرى أبعاده السياسية ومدى تأثيره على الأكثرية النيابية من جهة، والمعارضة من جهة أخرى. وهل وليد جنبلاط يتموضع في الوسط أم هو يذهب في اتجاه تحالف 8 آذار؟ كل هذه الأمور تحتاج إلى بحث نهائي وقراءة عميقة قبل أن يقرر الرأي العام في أي اتجاه سيعالج هذه المواقف الجديدة لرئيس «اللقاء الديموقراطي»، وفي أي إطار سيضعها ويصنّفها».
ورأى فتفت أن جنبلاط «لن يستطيع أن ينتقد تيار المستقبل بأي كلمة في ما يخصّ موضوع» البرنامج السياسي الذي خيضت الانتخابات النيابية على أساسه. وعن عودة جنبلاط إلى شعارات اليسار والمرحلة الماضية، لاحظ فتفت أن أكثر «من اعتنى واهتم بحقوق الناس والعمّال والفقراء هو الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي عالجها وتابعها من خلال الممارسة لا من خلال الشعارات الرنانة». بدوره، تمنّى النائب هاشم علم الدين أن يكون موقف جنبلاط «هفوة ربما يغفرها له اللبنانيون من الذين صنعوا الاستقلال الثاني، داعياً رئيس اللقاء الديموقراطي إلى تبرير موقفه أمام حلفائه في لبنان وأمام شهداء ثورة الأرز». فمن يرد «بناء وطن لا يتبدل في المواقف السياسية من أجل مصالح ضيّقة لا تطمئن اللبنانيين».
■ مصر: تحوّل في إطار السعي للوفاق
وفي أول رد فعل عربي على مواقف جنبلاط، أعرب وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط، أمس، عن ثقته «بأن أي تحوّل من جانب جنبلاط سيكون تحوّلاً في إطار السعي اللبناني للوفاق، لأن لبنان لا يستطيع أن يعيش إلا من خلال الوفاق». أضاف أن «هذا الطرح لم يكن بالأمر المفاجئ لنا في مصر، لأننا رأينا على مدى الأسابيع الأخيرة أن هناك توجّهاً نحو بناء قدر من الجسور مع أطراف لبنانية خارج إطار 14 آذار».
وفي سياق متصل، استغرب الدكتور عزمي بشارة ما نشر في صحيفة «الديار»، أمس، واقتبسته مواقع لبنانية عدّة، من أنه، أي بشارة، سيزور سوريا برفقة وليد جنبلاط، وأنه توسّط أخيراً بين سوريا وجنبلاط. وأكد بشارة أن «لا علاقة تربطه بوليد جنبلاط منذ ثلاث سنوات على الأقل، وأن لا علاقة له بتحوّلاته وتقلّباته السياسية، لا حالياً ولا سابقاً، ولا فضل ولا ذنب له فيها».
(الأخبار)