هذا النقاش، بحسب أحد المشاركين في اللقاء، انطلق بعد إعلان جنبلاط موقفه لا قبله كما تقتضي الأصول. وهو دار بين مجموعتين: واحدة تتمسك بالعودة إلى ماضي الحزب الاشتراكي ونبش أرشيف كمال جنبلاط ليستلهم الوليد منه، وأخرى شُغلت بتوضيح ما قصده جنبلاط مردّدة ما مفاده أن انتفاضة 14 آذار انحرفت عن مجراها والوليد يقوّم سبيلها. وفي النتيجة، يقول شاهد آخر على اللقاء: نفض وليد بيك قميصه، استند إلى ركبته ووقف مغادراً.
هل يعاتب الاشتراكيون زعيمهم؟ يجيب أحد المسؤولين في الحزب الاشتراكي قائلاً إن في الحزب، بغياب وليد بيك، أسوداً ونموراً وفهوداً وفيلة وحمائم. أما في وجوده فلا يسمع إلا الهديل. ويذهب المسؤول التقدمي أبعد شارحاً أن النفوذ اللامحدود لجنبلاط جعله يقنع الاشتراكيين بوضع صورة الرئيس الشهيد رفيق الحريري بجانب صورة كمال جنبلاط ـــــ المعلم بالنسبة إلى بعضهم وشبه الإله لدى بعضهم الآخر. ويشير المصدر نفسه إلى أن المسؤولين في الحزب يعرفون جيداً، بحكم التجربة، أن القطار الاشتراكي سيكمل سيره معهم أو من دونهم. ولدى وليد بيك القدرة على استبدال أهم حزبي بأسوأ حزبي خلال فترة قياسية دون أن يؤثر ذلك في حال الحزب. ويقول المصدر إن عصام الصايغ وفادي غريزي وصلاح أبو الحسن وغانم طربيه وغيرهم من قيادات الوسط في الحزب الاشتراكي كانوا قريبين من السوريين ولديهم صداقات اشتاقوا إليها، وهؤلاء كفيلون بإسكات بعض الأصوات إذا ارتفعت معترضة.
ماذا عن النائب مروان حمادة؟ منذ بدايات وليد ومروان، يقول أحد نواب اللقاء الديموقراطي، يتمايز كل منهما عن الآخر. لكن التمايز لم ولن يصل أبداً إلى حدّ الافتراق، لأن حمادة يعرف أن استقلاله عملياً عن زعيم المختارة يعني افتقاده مبرّر وجوده السياسي. وجنبلاط يعلم أن توزيع الأدوار الضروري ولعبة الأمم تفرض إبقاء قدم في مكان وأخرى في المكان الآخر.
الاشتراكيون أمس كانوا حائرين لكن غير ضائعين لأن البوصلة هي جنبلاط وحيث يكون هو يكونون هم. هكذا، حرص هؤلاء أمس في حوارات متفرقة معهم على نبش المبررات ليدافعوا عن قرار زعيمهم: هنا أحدهم يقول إن القوات اللبنانية والكتائب بدلاً من التركيز على الأخذ من شعبيّة العماد ميشال عون صاروا يريدون مشاركة وليد جنبلاط بكل ما يملكه وهم يأخذون ولا يعطون في المقابل. وهناك آخر يشرح أن الرئيس المكلف صار يريد معاملة جنبلاط بصفته زعيماً درزياً محدِّداً حصة الدروز بوزارة المهجرين ووزارة دولة. ويشرح أحدهم أن «البيك» اكتشف فجأة أنه تحوّل من قارئ ذكي للتحولات الدولية ومواكب لها إلى جليس يومي يتسلى برؤى سمير فرنجية وفارس سعيد ونوفل ضو. ولا شيء يزعج الاشتراكيين هذه الأيام أكثر من تحاليل بعض الأكثريين التي تشير إلى أن جنبلاط يقول كل ما يقوله لخشيته على نفسه أمنياً ونتيجة أحداث 7 أيار، كأن زعيم الدروز لقمة سائغة أو كأن سعد الحريري وباسم الشاب وأحمد فتفت أجرأ منه وأكثر شجاعة.
أحد المسؤولين الاشتراكيين يؤكد أن أبو تيمور يدرس خطواته جيداً، وهو أراد أن يفعل فعلته الأخيرة في فندق البوريفاج تحديداً، وتحت عنوان الحزب الاشتراكي. وفي الوقت نفسه، يؤكد أحد نواب «اللقاء الديموقراطي» أن نواب اللقاء، كلهم من دون استثناء، لم يطلعوا مسبقاً على النيات الجنبلاطية ولم يحصلوا بعد على أيّ تفسيرات (علماً بأن جنبلاط كثف أمس اجتماعاته مع نواب اللقاء الديموقراطي ومسؤولين في الحزب الاشتراكي ليشرح لهم ظروف التموضع الجديد، كما ينوي تكثيف إطلالاته الإعلامية ليشرح لمن لا تتسع لهم الصالونات حقيقة ما يفعله). لكن، يتابع النائب الشوفي، لا مشكلة لأن الثقة بالقائد تفرض على الضباط غالباً خوض الحروب من دون اطلاع كافٍ على حيثية المعركة.
الأكيد أن الاشتراكيين لم يسمعوا ترداد بعض الآذاريين أن القاعدة الجنبلاطية ستهجر زعيم المختارة وترفع رايات الأمانة العامة لقوى ميشال معوّض وميشال مكتف والياس الزغبي، والأكيد أيضاً أن فارس سعيد وزملاءه في الأمانة العامة لم يسمعوا وليد بيك يسخر من ديموقراطية اللقاء الديموقراطي يوم تسمية النائب سعد الحريري لتأليف الحكومة.