أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لا حرب قريبة .. إلاّ إذا طرأ حدث إقليمي اشعل المنطقة برمّتها

الجمعة 14 آب , 2009 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,790 زائر

لا حرب قريبة .. إلاّ إذا طرأ حدث إقليمي اشعل  المنطقة برمّتها
فبدا الكيان الذي ولّد حروباً مستدامة طيلة تاريخه مذعوراً، وكأن مسّاً كهربائياً قد أصابه. لقد اتفق الإسرائيليون على نتيجة الحرب المخيّبة، واختلفوا على تصنيفها، فقد رأى بعضهم فيها مؤشراً على بداية النهاية، في حين اعتبرها آخرون جرس إنذار أيقظ الدولة العبرية، ونبّهها إلى المخاطر المحدقة بها. وأن ما حصل مجرد إخفاق ناتج من نقص الاستعداد وسوء الآداء، وليس قصوراً بنيوياً يُبنى عليه.
بمعزلٍ عن تقويم الإسرائيليين لحرب صيف 2006، فإن الدلالات تشير إلى أنهم لم يتقبّلوا نتائجها المهينة، ويعدّون العدّة لمحو آثارها. فمنذ اليوم الأول لتوقف القتال على الجبهة اللبنانية، بدأ الجيش الإسرائيلي يتحّضّر لجولة جديدة، فتبنى خلال السنوات الثلاث الماضية برنامج تدريب طموحاً شمل الوحدات العاملة، النظامية منها والاحتياطية، ولا سيــما الذراع البرّية. ومن أجل اختبار القدرات ميدانياً، ُنفّذ العــــديد من المناورات الحيّة على الجبهتين اللبنانية والســــورية. ونتساءل: هل الاستعدادات والتــــدريبات كافيةً للدلالة على أن الحرب الإسرائيلية ضد لبنان واقعةً لا محال؟
بعيداً عن النوايا الإسرائيلية، نعتقد أن حدوث الحرب مرتبطٌ بتوافر عوامل رئيسية ثلاثة:
1ـ ليس من السهل بالنسبة إلى إسرائيل، توقيت الحرب وخوضها من دون التنسيق مع الولايات المتحدة، لكي تتساوق أهدافها مع المصلحة الأميركية. إن تبنّي الإدارة الأميركية لحلول تسووية في المنطقة، وبخاصّة مع سوريا وإيران، لا يتعارض مع سياسة غضّ الطرف عن ضربة عسكرية إسرائيلية ضد المقاومة اللبنانية، شرط أن تكون محدودة وسريعة ومضمونة النتائج. عندها يمكن أن توفّر شروطاً أفضل للمفاوض الأميركي مع خصومه. لكن قياساً على تجربة «حرب لبنان الثانية»، لا يمكن ضمان سرعة حسم الحرب ونتيجتها. فالمقاومة التي واجهها الجيش الإسرائيلي ما زالت هي هي، بل باتت أكثر قدرةً وأشدّ بأساً. هذا المعطى قد لا يسهّل الحصول على الضوء الأخضر الأميركي.
2ـ إن محفزّات الحرب الإسرائيلية على لبنان متوافرة، فالجيش الإسرائيلي توّاق لمحو الإهانة التي لحقت بسمعته على يد المقاومة اللبنانية. أما بخصوص القدرة العسكرية، فقواته قادرة على تأمين مستلزمات الحرب وخوضها، لكن تبقى مسألتا الكلفة والحسم السريع هما العائق. «فحربا لبنان الأولى والثانية» برهنتا أن الحروب الإسرائيلية السهلة والمتدنية الكلفة، باتت من الماضي.
3ـ إذا كان العاملان الأولان يتعلّقان بالظرف السياسي والقدرة العسكرية، فإن العامل الأخير له جانب تقني بحت. فقد واجه الجـــيش الإسرائيلي جملةً من الأسئلة الصعبة في الميدان، لا سيما في مجالي الصواريخ المنحنية، والصواريخ المضاّدة للدبّابّات.
في المجال الأول: نجحت المقاومة «بإشعال» شمال فلسطين المحتّلة، بنيران الصواريخ المنحنية التي انهمرت على المدن والمستوطنات الإسرائيلية، بوتيرة متصاعدة طيلة أيام الحرب، فألغت الحدود الفاصلة ما بين الجبهة العسكرية، والجبهة «المدنية». وبهذا هزّت أحد مرتكزات عقيدة العدو الأمنية، القائمة على حصر النيران بأرض الخصم وإبعادها عن الداخل الإسرائيلي. هذا الوضع استدعى استنفار شركة «رفائيل» للصناعات العسكرية الإسرائيلية، التي جهدت وما زالت لإيجاد مظّلة حماية تقي الجبهة الداخلية خطر الصواريخ المعادية، بالتعاون مع الشركات التابعة لوزارة الدفاع الأميركية. لهذه الغاية أقرّ الكونغرس الأميركي مئتي مليون دولار في العام 2007، خصّصت لإنتاج صواريخ من طراز»أرو2» و«دافيدس سلينج» و«ثاد»، لاعتراض الصواريخ القصيرة المدى. وتعمل شركة رفائيل منذ صيف 2007، على تطوير نظام « كيبات برزيل» أي القبة الفولاذية، المخصّص لاعتراض الصواريخ القصيرة والمتوسطة، التي يتراوح مداها ما بين 40 و250 كيلومتراً. وتبلغ تكلفة الصاروخ الواحد من هذا النظام 40 ألف دولار. وقد وصفه باراك بالعصا السحرية، ورصد له مبلغ 240 مليون دولار. والقبة الفولاذية عبارة عن شبكة رادارات مهمتها كشف الصواريخ التي تطلق عن قرب مثل القسّام والكاتيوشا وفجر وغيرها، عندها يطلق هذا النظام صاروخاً باتجّاهها، بحيث تؤدي شظاياه إلى تدمير الهدف المعادي. وفي منتصف شهر تمّوز 2009، أعلن الجيش الإسرائيلي نيته نشر أول بطارية من القبة الفولاذية، قرب مدينة سديروت مطلع العام 2010. ويبقى الحكم على نجاح هذا النظام رهناً بالاختبار الميداني.
من ناحية أخرى، تُجري وزارة «الدفاع الإسرائيلية» بالتعاون مع نظيرتها الأميركية تجارب على صواريخ «حيتس» أي السهم المطّورة، على شاطئ ولاية كاليفورنيا، لاعتراض صواريخ معادية من مسافة 1000 كيلومتر، في إطار الاستعداد لمواجهة محتملة مع إيران.
أما في المجال الثاني: فقد تفاجأ الإسرائيليون بالقدرة التدميرية للصواريخ المضاّدة للدبّابّات، وبكفاءة رجال المقاومة في استعمالها. وكان حزب الله قد استخدم أثناء الاشتباكات البرّية صيف 2006، أنواعاً عديدة من تلك الصواريخ، لا سيما صاروخ «كورنت أي» الروسي، الذي وصفه «زئيف شيف» بمفاجأة الحرب. نجح هذا الصاروخ بتدمير دبّابة الميركافا 4، واعترف الجيش الإسرائيلي بخسارة لواء مدّرع (110 دبّابّات) ما بين أعطاب وتدمير كامل.
لحلّ هذه المعضلة، تعمل شركة رفائيل على إنتاج جهاز حماية متطّور يدعى «سترة الريح»، يركب به الدبّابة. يشتمل هذا الجهاز على رادارٍ لكشف الصاروخ المهاجم، وإطلاق صاروخ باتّجاهه لتدميره، وتبلغ كلفته 400 ألف دولار. وادّعى الجيش الإسرائيلي مؤخراً، بأنه أجرى تجربة ناجحة عليه. ويستبعد الخبراء تزويد الآليات الإسرائيلية به قبل العام2010. ومن المقرّر تركيبه على الآليات الأميركية في العراق، لفحص فعاليته الميدانية.
إن توفير حل للصواريخ المضّادة للدروع أكثر من ضروري، بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي، لتأمين مقوّمات الحرب المقبلة. إذ يقدّر الخبراء الإسرائيليون، بأنه إذا تجدّدت المواجهة على الحدود اللبنانية، فسوف تحتّل المعارك البرّية حيّزاً واسعاً، وسيلعب سلاح المدرعّات دوراً رئيسياً فيها. بعدما تبين للقيادة الإسرائيلية أثناء حرب تمّوز، استحالة ربح الحرب بواسطة النار عن بعد ضد قوى غير نظامية مثل المقاومة اللبنانية. وإن تأمين الجبهة الداخلية يتطلب دفع القوات البرّية بسرعة داخل العمق اللبناني، بهدف الوصول إلى منصّات الصواريخ وتدميرها. وتدرك إسرائيل أن أعداءها استفادوا من تجربة الحرب الأخيرة، وعملوا خلال السنوات الثلاث الماضية على تعزيز ترسانتهم الحربية بالصواريخ المنحنية والمضادّة للدروع.
رغم أهمية العاملين الأول والثاني، يبقى العامل الثالث هو الحاسم بتحديد توقيت الحرب الإسرائيلية على لبنان. فمن المستبعد الإقدام على مغامرة جديدة من دون توفير الحلول التقنية اللازمة لكبح النيران القوسية، والصواريخ المضادّة للدبّابات. وبناءً عليه ورغم التهويل الإسرائيلي، لا نرى حرباً إسرائيلية قريبةًعلى لبنان، إلاّ إذا طرأ حدث إقليمي، أدّى إلى إشعال المنطقة برمّتها.

Script executed in 0.18105411529541