أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هل تستسلم إسرائيل لواقع المقاومة الرادعة؟

الجمعة 14 آب , 2009 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 828 زائر

هل تستسلم إسرائيل لواقع المقاومة الرادعة؟
الجندي يقاتل في الميدان، والفلاح الإسرائيلي يهجر الارض بحثا عما يقيه ويحميه من خطر الموت، ملتجئا الى غرف آمنة ومحصنة والخطر يتهدده من كل حدب وصوب، بعدما أحدثت المقاومة بهذه المظلة ثقوبا كبيرة تسربت من خلاها زخات كثيفة من الصواريخ أمطرت المستعمرات والقرى والمدن الإسرائيلية خلال ثلاثة وثلاثين يوما.
للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، تخترق الجبهة الداخلية للكيان الإسرائيلي ويتعرض المستوطنون للموت والدمار أسوة بمن تخاض ضده الحرب، الأمر الذي أحدث صدمة عنيفة داخل المجتمع والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية ما زال صداها يتردد حتى اليوم.
الحرب الخاطفة
تقوم استراتيجية الحرب الإسرائيلية التقليدية أو الحرب الخاطفة التي اعتمدها الجيش الإسرائيلي في كل حروبه مع العرب على الأمور التالية:
أولا: الحرب الاستباقية وتحقيق عنصر المفاجأة.
ثانيا: سرعة الحسم عن طريق الإفراط في استعمال القوة ودقة التخطيط.
ثالثا: نقل المعركة الى أرض الخصم، وإبقاء الداخل الإسرائيلي بعيداً عنها.
رابعا: الاعتماد على التفوق الجوي والتقني والمعلوماتي.
خامسا: التقدم السريع للدبابات بعد تدمير معظم قوة الخصم بالقصف الجوي والمدفعي لتثبيت الانتصار واحتلال الأرض وتصفية جيوب المقاومة.
دفع نجاح هذه الاستراتيجية في كل من العراق وأفغانستان ويوغسلافيا إسرائيل الى اعتمادها في مواجهتها مع حزب الله في تموز 2006، حيث تمت الاستفادة من الميزات التقنية التي تم تطويرها خلال العقدين السابقين في المجال العسكري وهي تتضمن العناصر الآتية:
السيطرة الجوية المطلقة، دقة الاستطلاع، تحديد الأهداف على مدار الساعة، دقة التصويب، فضلا عن القوة التدميرية الهائلة عبر القصف الجوي المركز واستخدام القنابل الذكية والصواريخ الحديثة (بما في ذلك استعمال اليورانيوم المنضب أحيانا) على المواقع العسكرية والبنى التحتية للمقاومة وبشكل رئيسي على مراكز القيادة من أجل فصلها عن العناصر التي تصبح بعد فقدان الاتصال بقيادتها عمياء تائهة، في حين انحصرت مهمة القوات البرية المدعومة بطائرات الهيلكوبتر لتصفية جيوب المقاومة الباقية وفرض واقع عسكري وسياسي وفق هـــدف الحرب جنوب نهر الليطاني.
وفشلها
فرضت المقاومة على العدو في تموز التخلي عن نظرية الحرب الخاطفة التي استخدمها طيلة أربعين عاما حتى تموز 2006، وكانت سببا لانتصاراته في حروبه مع العرب، فهو فشل في تطبيق تكتيك الهجوم السريع والخاطف بعدما اصطدم بمقاومة عنيفة في معظم محاور التقدم في جنوب لبنان، أرغمت دباباته وجنوده على التراجع وحدت من اندفاعه ولم تمكنه من احتلال أي قرية أو مدينة وكبدته خسائر كبيرة بشرية ومعنوية.
ثانيا: لم ينجح الجيش الإسرائيلي في تحييد الداخل وإبقائه بعيدا عن مرمى صواريخ المقاومة التي أمطرته بمئات الصواريخ حتى اليوم الأخير للحرب.
ثالثا: أخفق الجيش الإسرائيلي في إقامة عمق استراتيجي عن طريق احتلال مناطق واسعة تكون بمثابة أراض عازلة بعيدة عن حدوده، وتجعله بمنأى عن خطر الصواريخ، وهذا العامل كان من أحد الأهداف الرئيسية للحرب في تموز حيث سعى العدو جاهدا إلى إقامة منطقة عسكرية عازلة تصل حدودها إلى مدينة صيدا.
إن نمط القتال عند المقاومة جعل من أساليب العدو التي انتصر بها في حروبه السابقة، غير صالحة، ودفعه للعمل على تغيير عقيدته القتالية وتوزيع إمكاناته باتجاه البحث عن أساليب مواجهة جديدة ومناسبة تعتمد التقنية البسيطة غير التقليدية، وهو ما سوف يفضي إلى نقل الجيش الإسرائيلي من غرفة الإنعاش إلى الموت السريري، ويضعه أمام خيارين أحلاهما مر وهما: إما التسليم بالمقاومة كقوة ردع غير قابلة للمس في المدى المنظور، أو الذهاب نحو مغامرة جديدة مجهولة النتائج.
المرجح أن تأخذ إسرائيل بالخيار الثاني، خصوصا أنها بدأت تلمس بعد حرب تموز أن نظرية الدرع والرمح التي بنت عليها حروبها السابقة باتت في خطر، وبالتالي أضحى أمنها الاستراتيجي في خطر.
فالدرع يمثل نقطة الدفاع المركزية للكيان الإسرائيلي وهو يشمل المستعمرات، المواقع العسكرية الأمامية، أنظمة التجسس والتحسس والاتصالات الفائقة التطور، الدوريات وحقول الالغام، وتتمثل مهمته بامتصاص الصدمة في أي حرب مقبلة انطلاقا من القاعدة التالية: الدفاع ظرفي، والهجوم أساسي والقتال في أرض العدو.
وعليه فإذا كان الرمح يمثل القوة الجوية والبرية للجيش الإسرائيلي، لا سيما سلاح المدرعات، وهو يشكل درع الدرع لهذا الكيان. فهل ستتجرأ إسرائيل بزج ثماني فرق عسكرية في الحرب المقبلة مع المقاومة في جنوب لبنان؟ وهي متيقنة من أن هذا الرمح ممكن أن يتعرض للانكسار والتهاوي، وبالتالي لا يبقى لها سوى أرخبيل المستعمرات ذلك الدرع الضعيف، خصوصاً أن قيادة «حزب الله» نقلت المواجهة من مرحلة امتلاك عشرات آلاف الصواريخ وبالتالي الرماية عن بعد، إلى انتظام عشرات الآلاف من الرجال التواقين إلى كسر هذا الرمح وخرق ذلك الدرع المهترئ؟
العقيدة العسكرية الجديدة
يرى المحللون الاسراتيجيون أن إسرائيل تواجه مأزقا نتيجة هذه المزاوجة التي تعتمدها المقاومة في أدائها العسكري والتكتيكي، لجهة الجمع بين تعقيد تكتيكات الجيش التقليدي، وتواري رجال العصابات القاتل، وهو نموذج قل نظيره في جميع المدارس العسكرية في العالم.
من هنا يمكن القول ببساطة إن التصنيفات السابقة لا تنطبق عليها أي «حرب العصابات» كما أن خطط المواجهة التقليدية لا تنطبق عليها أيضا. وهو ما حدا بأحد الصحافيين الأميركيين في مجلة «نيويورك تايمز» إلى وصف الأداء القتالي لحزب الله العسكري: بـ«منازلة القرن الواحد والعشرين، حيث تدخل ضمن هذه المنازلة تصنيفات جديدة من بينها حرب الشبكات وحرب الجيل الرابع». وفي محاضرة بعنوان «حرب «الشبكات» 101 (العصابات) رأى أستاذ التحليل الدفاعي في الكلية البحرية الأميركية «جون آركيللا» إن حرب الشبكات هي معركة الإعداد المنظمة في وحدات صغيرة ضد جيوش تقليدية تضم أعدادها قوات كبيرة، في حين تعمل هذه الشبكات على جعل هياكلها مسطحة فهم ينتشرون ويتحركون ويتفرقون وينتظمون ارتجاليا وحسب مقتضيات الميدان، وهذا ما يجعلهم فعّالين ويجعل تتبعهم واستهدافهم أمرا صعبا.
أدخل هذا الأداء الجيش الاسرائيلي في داومة المراوحة فهو من جهة يعاني ضيقاً في الخيارات المطروحة أمامه نتيجة التموضع الحاد الذي يجبره على عدم الاندفاع واعتماد تكتيك مواز لحرب العصابات خوفا من الثمن الباهظ الذي قد يجره عليه هذا الخيار.
فالعدو لا يستطيع أن يحتل أي منطقة دون وضع تشكيلات كبيرة من قواته في الميدان معتمدا على التدمير الكلي للهدف، ذلك لأن المقاومة ليست هدفا مرئيا، وبالتالي فإن تدمير هذا الهدف ليس محققاً ومؤكدا، فلا يبقى أمامه سوى خيار بقاء قواته في أرض المعركة، وهذا ما تنتظره المقاومة لتكسر هذا الرمح.
ومن جهة ثانية لا يستطيع العدو أن يبقى أسير خياراته القديمة القائمة على الحرب الخاطفة.
من هذا المنطلق تدرك إسرائيل أن خوض جيشها الحرب الكلاسيكية العصاباتية، سيقابل بحرب عصابات كلاسيكية، وهذا سيكون أكثر تعقيدا ومخاطرة للجيش الإسرائيلي، عدا العنصر المعنوي، حيث لا يزال الجندي الاسرائيلي يفتقر الى الشجاعة وجرأة الالتحام والاقدام، فيما المسألة مقلوبة عند المقاومين، وهذه النقطة يراهن عليها قيادة الطرفين لجهة أن تكون الساعات والأيام الأولى عنصرا حاسما على الصعيد المعنوي، وهو ما بات قادة العدو يركزون عليه مع ضباط وجنود جيشهم، فيما يقول أحد المراقبين الأميركيين في معرض وصفه الجندي الإسرائيلي اليوم: «بدا رخواً فاقداً للروح المعنوية غير مستعد للتضحية وهو ليس الجندي الذي كنا نعرفه».
علي دربج

Script executed in 0.19484710693359