أعاد الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، أمس، تأكيد معادلة «الضاحية مقابل تل أبيب». وإذ استبعد احتمال نشوب حرب إسرائيلية قريباً، أشار إلى أنه بات بإمكان المقاومة أن تطال كل القرى والمدن في فلسطين المحتلة.
وخلال المهرجان الشعبي الذي أقامه حزب الله في الذكرى الثالثة للانتصار، في ملعب الراية في الضاحية الجنوبية، دعا نصر اللّه إلى دراسة ما حدث في حرب تموز 2006 من كل الجوانب، و«خصوصاً فيما لو خسرت المقاومة، وماذا كانت ستكون عليه صورة لبنان وفلسطين».
■ أهداف التهديدات الإسرائيليّة
وأعطى نصر اللّه في كلمته أمس الأولوية للتهديدات الإسرائيلية الراهنة. وإذ رأى أنّ «الضجيج الإعلامي الإسرائيلي تساعده مواقف أميركية وبريطانية»، رأى أنّ «كل هذه التهديدات تدلّ على أن لا على حرب آتية على لبنان، بل إن لها أهدافاً أخرى»، كالتعبير عن الانزعاج الإسرائيلي من حكومة الوحدة الوطنية، فـ«الهدف من هذه التهديدات هو الضغط على الحكومة اللبنانية لإعاقة تأليفها، والضغط على حزب الله حتى لا يشارك في الحكومة». وأشار نصر الله إلى أنّ الردّ على هذه التهديدات يكون «بالمسارعة إلى تأليف حكومة وحدة وطنية، ومشاركة حزب الله بفعالية في هذه الحكومة».
وأضاف إنّ الضجيج الإسرائيلي يهدف أيضاً إلى إعادة التوتّر إلى الساحة اللبنانية، «وتعديل مهمة قوات اليونيفيل التي لا مهمة لها سوى مساندة الجيش والشعب اللبنانيين». وبشأن القوات الدولية، أشاد نصر الله بالموقف الرسمي اللبناني والمواقف السياسية التي «أحبطت محاولة تعديل مهمة اليونيفيل»، معتبراً أنّ من جملة الحملة الإسرائيلية «إثارة مسألة تسلّح حزب الله للضغط على لبنان وسوريا وإيران والمجتمع الدولي». وأشار نصر الله إلى أن «من يتصور أنه يستطيع حماية شعبه ووطنه من خلال التحالفات والعلاقات وحسب، سيباع في سوق النخاسة الدولية عندما يعرض فيه الثمن المناسب»، ذلك أنّه «لا شيء يحمي أي شعب إلا قوته الذاتية ووحدته وعزمه وتصميمه على العيش بكرامة».
أمّا ثالث أهداف التهديدات الإسرائيلية، بحسب نصر الله، فهو «الحرب النفسية للمسّ بقناعة شعبنا وشعوب المنطقة». وذكّر نصر الله باجتماع شرم الشيخ عام 1996، «يوم اجتمع العالم كله وأعلنت حرب عالمية على حركات المقاومة في لبنان وفلسطين. عندها، اجتمعنا في إحدى باحات الضاحية الجنوبية وقلنا رأينا، ونستشهد بتلك الآية: «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل». وأكد أن هذه الحرب النفسية «تجدي نفعاً مع المجتمع الإسرائيلي، أما مع أناس يملكون اليقين والثقة بالله والعزم وروح التضحية ويعتقدون أن الله ناصرهم ومعينهم، لا يمكن أي حرب نفسية أن تنجح مع هؤلاء».
وفي الحرب النفسية أيضاً، توجّه نصر الله إلى العالمين بهذه الحرب ودارسيها في كل العالم قائلاً: «قبل أن تبحثوا عن السلاح ونوعه، هل لديهم مضاد للدروع أم لا، هل لديهم دفاع جوي أم لا، ما هو نوع الصواريخ التي يملكونها وكمّها، قبل أن تبحثوا عن السلاح وعن التشكيل القتالي وعن الاستراتيجية والتكتيكات وعن الخطة وعن التخطيط، ابحثوا عن الإنسان، فالموضوع ليس موضوع سلاح». واستشهد نصر الله بقول الإمام موسى الصدر: «سنقاتلكم بالحجارة، بأظافرنا وأسناننا».
■ أمامنا خياران
وتطرّق نصر الله إلى موقف نتنياهو الأخير الذي اعتبر الحديث عن حرب على الجبهة الشمالية مجرّد «عاصفة إعلامية». ورأى أنّ ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى التراجع هو خوف المستوطنين الإسرائيليين، فقد «قامت قيامة المستوطنين، وبدأ السيّاح يهربون».
وقلّل نصر الله من أهمية التنبّؤات بحرب مقبلة، وخاطب اللبنانيين قائلاً «أمام فرضيّة الحرب، لدينا خياران، فلنتحدث عن مسؤوليتنا فلا يجوز أن نكتفي بالتحليل». ورأى أنّ الخيار الأول هو الاستسلام، «نقول للإسرائيلي ماذا تريد؟ نحن حاضرون وجاهزون، هذه رقابنا خذها افعل ما شئت، ولكن لا تشنّ حرباً على بلدنا». ثمّ تحدث عن مساوئ هذا الخيار الذي سيؤدي إلى ضعف لبنان واضطراره إلى تقديم تنازلات تلو التنازلات، من إلقاء السلاح إلى توطين الفلسطينيين إلى موضوع المياه، وغيرها من الشروط «التي ليس لها آخر».
أمّا الخيار الثاني، بحسب نصر الله، فـ«ليس أن نصنع حرباً، بل أن نستعدّ ونعزّز عناصر القوة لنمنع وقوع الحرب». وتابع: «ستقولون لي هل نستطيع أن نمنع وقوع الحرب؟ أجيبكم، نعم، هناك احتمال قوي وكبير، إذا تعاونّا كلبنانيين، أن نمنع إسرائيل من أن تشنّ حرباً على لبنان». وقال إن هذا الخيار هو العمل على منع إسرائيل من شنّ حرب جديدة، «ولكن إذا شنّت حرباً جديدة، فسننتصر فيها». ووضع نصر الله ثلاثة عناوين للسير في هذا الخيار:
أولاً، أن يمتلك لبنان القدرة العسكرية والقوة العسكرية الرادعة، و«عندما نصبح بلداً قوياً، وهنا تأتي الاستراتيجية الدفاعية، الجيش ـــــ المقاومة ـــــ الشعب، نقول للإسرائيلي تمهّل أنت تريد الهجوم على لبنان لتحقق أهدافاً لن تستطيع أن تحققها، لأننا لم نعد مكسر عصا، ولا تستطيع أن تدخل وتخرج كما تريد». وتابع: «لست مع الذين يخوّفون الناس ويقولون إنّ الحرب على الأبواب، أنا أقول لكم، ليس من السهل أن تتخذ أي حكومة إسرائيلية قرار حرب على لبنان، لن تعمل ألف حساب، بل مليون حساب قبل أن تفعل ذلك، هذا هو الواقع الآن».
وأشار نصر الله إلى أنّه من أجل استعادة إسرائيل هيبتها وقوتها وردعها «سيكون أقل شيء استئصال المقاومة في لبنان، وهذا هدف تقوم إسرائيل بحرب من أجله». لكنّ «هذا الجيش الإسرائيلي الحالي وهذه الحكومة الإسرائيلية، هل تملك القوة والقدرة على شن حرب تستطيع أن تستأصل المقاومة في لبنان؟ أنا أقول لكم لا». وسأل: «ما هو هذا الجيش المنتصر غير المهزوم الذي منذ ثلاث سنوات يتدرب ليلاً ونهاراً ويغيّر قياداته وجنرالاته ويتسلّح ويعمل لجان تحقيق ويأخذ العبر والدروس وهو منتصر، فكيف إذا كان غير منتصر، ماذا كان يفعل؟».
وتحدث نصر الله عن «مدرسة عسكرية للمقاومة اللبنانية، وهذه المدرسة نحن أولى بها لأنّنا صنعناها بدماء شهدائنا وعقول مجاهدينا وفي مقدمتهم الشهيد عماد مغنية». وأشار إلى أنّ المقاومة «لا تريد حرباً، ولسنا خائفين منها، ولعل الإسرائيلي يريدها وهو خائف منها وهذا هو الفارق بيننا». وتابع: «نعم من حقنا أن نفهمه ونقول له: في حرب تموز قلنا لكم إذا قصفتم بيروت فسنقصف تل أبيب، واليوم نقول لكم إذا قصفتم بيروت أو الضاحية الجنوبية، فسنقصف تل أبيب». وتوجه إلى الإسرائيليين مجدداً وقال: «إذا شننتم حرباً على جنوب لبنان وتصورتم أنكم تستطيعون أن تقصفوا أي مدينة في لبنان أو أي قرية في لبنان، أقول لكم نحن اليوم قادرون على أن نقصف أي مدينة أو قرية في كيانكم الغاصب وعلى امتداد المساحة، «روحوا عملوا مناورات للجبهة الداخلية لتشبعوا».
وعن استعدادات المقاومة وقدرتها على الردّ، أشار نصر الله إلى أن «العدو يتحدث عن استراتيجية حرب جديدة لا تكتفي بالقصف الجوي، وإنما تستخدم عمليات برية واسعة واجتياحات واسعة، وقد أفهمناه وأعود اليوم لأفهمه وأؤكد له: دباباتك ركّب عليها اللي بدك ياه، وألويتك درّبها قد ما بدك، أقول لك: ستسحق وتدمّر في تلالنا وأوديتنا وجبالنا وقرانا». وأضاف: «أنا أؤكد لكم وأنا لا أتحدث عن أرقام، ستكون في أي حرب إسرائيلية جديدة مفاجآت إن شاء الله. وليعمل الإسرائيلي مليون حساب قبل أن يفكر في أن يصنع حرباً على لبنان، فليذهب ليفتش عن خيارات ثانية لمواجهتنا ولكن ليس حرباً».
ثانياً، أشار نصر الله إلى أنّ ما يمنع الحرب هو «التضامن الوطني والخروج من الأزمات والتوترات الداخلية، وإذا كان هذا هو المنطق الوطني في لبنان، فسوف ينظر الإسرائيلي ويتساءل: أنا إلى أين ذاهب، هو يفكر فينا أننا ضعفاء ويفكر في عزل الناس والمناطق بعضها عن بعض لكن إذا وجد أنّ هناك تضامناً وطنياً فلا يعود عنده خيار الحرب».
ثالثاً، قال نصر الله إنّ ثمة عاملاً مساعداً «لا تستخفوا به، وهو موضوع شبكات التجسّس». وسأل: «لماذا الإصرار الإسرائيلي على الخروق الجوية؟ يتحدثون بالنسبة إلينا عن خروق هي غير صحيحة، ولكن من يوم تموز إلى اليوم ما لا يقل عن 4000 خرق إسرائيلي لم يفعل مجلس الأمن الدولي ولا الأمم المتحدة شيئاً حيالها».
وقال إنّ الإصرار الإسرائيلي على الخروق الجوية ليس «هوساً بخرق سيادتنا، إنّه يبعث بطائرات تجمع معلومات. ولكن كل العسكر وكل الخبراء يعرفون أن الجمع الفني التقني بواسطة هذا النوع من الطائرات غير كافٍ ولا يستطيع العدو أن يستغني عن الجواسيس الميدانيين في الضيع والمدن والأحياء».
وقال إن أهم ما يدفع إسرائيل إلى العجلة في الحرب هو توافر معلومات كافية لديها، «وعندما تنقص معلوماتها تتردّد، وعندما «تتخربط» معلوماتها تضيع، وعندما تفقد المعلومات تصبح عمياء، فعيونها هي هؤلاء الجواسيس». لذلك، طالب نصر الله الأجهزة الأمنية «بأن تكمل عملها» مناشداً قياداتها: «لا تقفوا عند الانتخابات، تفضلوا وأكملوا كشف العملاء، ما أنجز حتى الآن مهم جداً وكبير جداً ولكن هذا غير كافٍ». وأكد نصر الله أنه «لا توجد ضيعة إلاّ فيها عملاء وهذا الكلام على مسؤوليتي، لأنّ الإسرائيلي يجمع معلومات عن كل ضيعة. ولا توجد مدينة ليس فيها عملاء ولا يوجد حي إلاّ فيه عملاء، في يوم من الأيام إذا جُمِع الأفراد المنتسبون إلى تشكيل معيّن لنرى أكبر حزب منظم في لبنان، فسيكون هذا الحزب، على مسؤوليتي، هو العملاء».
وطالب نصر الله باستكمال الموضوع القضائي جدياً «ونحن قرأنا منذ أيام «حكي بنقّز» عن التسامح والتساهل. هنا أقول للناس كلهم: الذي يتساهل في موضوع العملاء، يتساهل في دماء الناس ومصيرهم ومصير الوطن، وهذا غير مسموح لأحد». وتابع: «الدولة معنية بأن تعالج هذا الموضوع منذ عام 2000 ونحن بنينا على ذلك، «عملوا معروف عالجوه وكملوا فيه»».
■ فشل المشروع الأميركي
وعن حرب تموز، أشار نصر الله إلى أنها «أسهمت بقوة في إسقاط أخطر مشروع أميركي صهيوني على منطقتنا العربية والإسلامية»، مشيراً إلى أنّ هذا المشروع كان «يملك بحسب الظاهر كل عناصر القوة والنجاح للسيطرة والهيمنة، لكنه فشل فشلاً ذريعاً، ولا أريد أن أبالغ وأقول سقط وانتهى»، إلا أن بعض أجزاء هذا المشروع «سقطت وانتهت فعلاً، ولم نعد نسمع من 14 آب 2006 بالشرق الأوسط الجديد الخاص بكوندوليزا رايس». وقال إنّ هذا المشروع فشل في لبنان والعراق وفلسطين بفضل المقاومة ومن وقف معها. وتابع: «أود أن أقول لكم لو أنّ كل هذه العبوات في العراق والانتحاريين والأعمال العسكرية استهدفت قوات الاحتلال وتجنّبت الشعب العراقي من مختلف الطوائف، لألحقت سريعاً أعظم هزيمة تاريخية بالجيش الأميركي. وأنا أقول لكم سيفشل في أفغانستان بفضل المقاومة وبفضل دول الممانعة وفي مقدمتها إيران وسوريا».
وأكد نصر الله أنّ المقاومة اليوم، «في هذه اللحظة، في وضع محلي وإقليمي ودولي أفضل مما كنّا عليه في تموز 2006، وإذا سأل أحدهم كيف؟ أفضّل استعمال عبارة ثانية، الوضع المحلي الحالي والإقليمي والدولي ليس أسوأ مما كان عليه عام 2006، وقد صمدنا وانتصرنا».
وتابع: «يعلقون اليوم آمالاً خائبة. كانت هناك آمال بسقوط سوريا وخضوعها، وخرجت سوريا قوية، وتصوّروا أنّ التهديد المتواصل بضرب إيران سوف يجعل إيران تتراجع وتخضع وتستسلم، وفي الأسابيع القليلة الماضية راهن وحلم البعض بانتهاء الثورة الإسلامية وسقوط نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، وهذه أحلام سراب... إيران اليوم خرجت من أزمتها وهي أقوى وأشد».
ودعا نصر الله إلى الوحدة والتضامن، قائلاً: «يا شعبنا في لبنان ويا شعبنا في فلسطين ويا شعبنا في العراق ويا شعوب منطقتنا، قوتنا في وحدتنا وتضامننا ومقاومتنا وقوتنا في صلابة إرادتنا، والمستقبل هو لنا نصنعه بأيدينا بدماء شهدائنا وبإيماننا ويقيننا». وختم: «هذه هي عبرة الانتصار الإلهي التاريخي في حرب تموز».
عون: نعيش معاً... فإمّا أن نخسر معاً وإما أن نربح معاً
لمناسبة الذكرى الثالثة لعدوان تمّوز، سجّل أمس عدد من الشخصيات والقوى مجموعة من المواقف الداعمة للمقاومة وجمهورها. وبعد المصالحة بين حزب الله والحزب الاشتراكي، برز موقف شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز، الشيخ نعيم حسن، الذي أثنى على دور المقاومة.
وقد جدّد أمس العماد ميشال عون دعمه للمقاومة، مشيراً إلى أنّها «حصن الوطن، وأن الشعب والجيش والمقاومة يحمون الوطن ويجسّدون وحدته»، مؤكداً أنّ النصر والحقيقة بحاجة إلى تضحيات. وفي حديث إلى إذاعة «النور»، شدّد عون على أنّ موقفه الداعم للمقاومة جاء نتيجة مجموعة عوامل، مشيراً إلى أنّه في حال تعرُّض شعب للعدوان «سيدافع عن ذاته، لأن اللبنانيّين اعتادوا تسمية بعضهم بالفئات، لكنّني أقول إنّ الشعب اللبناني كان معرّضاً ولبنان كان معرّضاً وأنا جزء من لبنان ومن هذا الشعب الذي خدمته أكثر من غيري عسكرياً أو سياسياً، ومن واجبي الدفاع عن لبنان». وقال إن موقفه «لم يكن رهاناً على حزب الله» بل «خيار، فهناك ثابتة، أننا سنعيش معاً، فإما أن نخسر معاً وإما أن نربح معاً، وهذه أصول الشراكة الوطنية والتعايش».
وقال عون إنّ عودة الأهالي إلى الجنوب والضاحية الجنوبية بعد ساعات من إعلان وقف إطلاق النار، «لا تفاجئ بالنسبة إلى مقاومة مماثلة، وهي جزء منها. فمن معهم السلاح كانوا يقاومون، ومن ليس معهم سلاح كانت عودتهم جزءاً من المقاومة»، مشيراً إلى الارتباط بالأرض «التي نشعر بأنها جزء من جسدهم ونفسهم». وأكد عون تغيّر الأوضاع في المنطقة بعد 14 آب 2006، لافتاً إلى أنّ «عدونا التقليدي يحاول أن يرفع من مستوى معنوياته وقدراته العسكرية. وكنا نتمنى أن تعطي هذه الحرب إسرائيل فكرة جديدة لتفهم أنها تعالج أي مشكلة مع محيطها بالمدفع والدبابة والطائرة. وهذا الأسلوب لم ينفع هذه المرة، فيجب أن تكون المقاربة لحل المشكلة مع فلسطين والمحيط فيها عدالة وقانون ونظرة». وقال إنه إذا لم تتغيّر إسرائيل «تكون هي في خطر الاندحار النهائي لأنها استعملت طاقتها القصوى في هذه الحرب. قد تلزمها هزيمة ثانية كي تقرّ بأنّ عليها تغيير أسلوبها». وقال عون إنّ الموقف الإسرائيلي الذي يرى أن دخول حزب الله الحكومة سيسبّب حرباً، «أمر خطير جداً، وكنت أحبّ سماع تعليق دولي عليه. فهل يتركون إسرائيل تتصرف بهذا الفلتان الإعلامي والتهديدي؟ العالم يلومنا إذا اشترينا بندقية ندافع بها عن أنفسنا، وهنا نشعر بتحيّز العالم وتشجيعه لإسرائيل».
ووجّه عون رسالة إلى «جمهور المقاومة»، قائلاً: «أي وصية أو كلمة أوجهها إلى الشعب اللبناني هي أن يطمئن إلى مقاومته لأنها متجهة نحو الحدود إلى الخارج، لا إلى الداخل». وأشار إلى أنّ المقاومة استُدرجت في 7 أيار، «وأنا مجبر على قول هذا الكلام وأشهد للحق، وكانت مكرهة لأن القرارات التي اتُّخذت كانت استفزازية حتى وصلت إلى هذا الشكل».
وفي السياق نفسه، حيّا شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز، الشيخ نعيم حسن، «كلّ من شارك وضحّى واستبسل في سبيل صنع هذا الانتصار وتأكيد انكسار العدو الذي لا يزال على عنصريته وعدوانيته ضد لبنان والعرب». ورأى حسن أنّ الالتفاف الوطني حول ذكرى الانتصار «يسهم في تكريس المناخات التوافقية على المستوى الداخلي ويعزّز الاستقرار والسلم الأهلي، ويؤسس لإعادة توحيد كل الجهود السياسية والشعبية لمواجهة أي عدوان جديد محتمل قد يكون ترجمة للتهديدات الإسرائيلية اليومية». وأكد أن هذه التهديدات «تحتّم على كل القوى السياسية الترفّع عن التجاذبات العنيفة وإتاحة المجال لتأليف الحكومة الجديدة، وهذا يتطلّب رفع الجهوزيّة إلى أعلى الدرجات في هذه المرحلة بالذات».
إلى ذلك، زار أمس وفد من «جبهة العمل الإسلامي»، مسؤول حزب الله في الجنوب، الشيخ نبيل قاووق، للتهنئة بانتصار تموز وتأدية صلاة الجمعة عند بوابة فاطمة. ورأى قاووق أنّ «خيار المقاومة هو الأسلم والأنجح في مواجهة التهديدات الإسرائيلية، لأنه لا القرارات الدولية ولا الدبلوماسية ولا مجلس الأمن تردع إسرائيل عن تهديداتها». وقال: «نتعهد معاً حماية الانتصار والمقاتلة معاً لمواجهة أي عدوان إسرائيلي. لن يقاتل حزب الله وحده بعد اليوم، وإننا معكم». وأكد أنّ المقاومة غير فئوية، «وهي سنّة وشيعة، معاً يداً بيد من أجل مقاومة إسرائيل».
ورأى عضو قيادة الجبهة في إقليم الخروب، الشيخ زهير جعيد، أن «السنّة إلى جانب إخوتهم الشيعة في محاربة إسرائيل»، وقال: «بعد عدوان تمّوز، تعاهدنا أن نمضي معاً في مقاومة إسلامية لا سنّية ولا شيعية، وجئنا اليوم إلى هنا لنؤكّد أن فلسطين في القلب لن ننساها». أضاف: «لن نقول لكم نحن إلى جانبكم في المقاومة، بل نحن أمامكم». وكان لافتاً أنّ المشاركين توجهوا إلى بوابة فاطمة حيث أدّوا صلاة الجمعة.
وشدّد النائب قاسم هاشم على «أنّنا بوحدتنا وتمسّكنا بعامل قوّتنا الأساسي، وهو المقاومة سلاحاً وخياراً ونهجاً، نستطيع أن ننتصر ونهزم العدو الصهيوني مهما كانت آلة حقده وعدوانيته». وأشار إلى أنّ هزيمة الإسرائيليين في تموز 2006 «نموذج مصغّر لما سيواجهه في أي مغامرة جديدة في لبنان، لأن المقاومة اليوم أقوى وأفعل وأقدر على مواجهة أطماع العدو».
كذلك، توجه المكتب السياسي لحركة أمل بالتحية والتقدير لكل اللبنانيين في كل المناطق، مؤكداً «تماسك جبهتنا الداخلية والوحدة الوطنية التي تجلّت بأكثر من شكل ومظهر، خلف مقاومتنا الأسطورية على جبهات القتال». وشدد بيان المكتب على «ضرورة اعتبار إنهاء ملف تعويضات أضرار هذه الحرب الإسرائيلية أولوية وطنية على جدول أعمال الحكومة العتيدة»، وأشار المكتب إلى أنّ «أفضل هدية تقدمها الحكومة العتيدة إلى شعب لبنان هي بدء تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع الليطاني. كذلك فإنّ الهدية المنتظرة هي رفع الغبن عن الضاحية الجنوبية».
ورأى الحزب السوري القومي الاجتماعي أن «يوم 14 آب تكرّس يوماً مجيداً في تاريخ لبنان والأمة، وأن الوقائع الميدانية خلال حرب تموز ـــــ آب، أكدت أن توقف العدوان الإسرائيلي جاء بسبب عجزه عن مواصلة العدوان».
باسيل «معالي الوزير» وتيمور يحيّر الجمهور
غسان سعود
«ملك البطيخ» يجلس هادئاً قرب سكّينه والميزان، مطمئناً إلى أنّ ملعب الراية حيث يقام المهرجان يبعد أمتاراً قليلة، ويمكن الانتقال إليه سريعاً فور إطلالة «السيّد». مطعم «الحرقوص» كبّر سيخ الشاورما «لأنّ الوافدين اليوم إلى الضاحية سيكونون كثراً؛ وبضع سيّدات يحملن أوزانهنّ الثقيلة ويمشين ببطء صوب الملعب، و«لا همَّ، تحمّلنا عناء 33 يوماً من الشقاء، لن يتعبنا السير قليلاً للاحتفال بانتصارنا».
كانت الأسواق مزيّنة، فالانتصار هذا العام يتزامن مع حلول شهر رمضان، والناس أقلّ توتّراً نتيجة الاستقرار السياسي، فلا يمضون وقتهم في الكلام عن فؤاد السنيورة أو عن وليد جنبلاط. يشير أحدهم بإصبعه إلى شقّته الجديدة، مؤكّداً أن إعادة الإعمار مثّلت انتصاراً ثانياً لا يقلّ أهميّةً عن الانتصار الأول. يقاطعه جاره قائلاً إنّه كان يعيش مع عائلته في كندا، لكنّ حرب تمّوز وصمود الضاحية أثّرا به، فقرّر العودة إلى لبنان ليستقرّ في الضاحية ـــــ أرض «الانتصار الإلهي». وعلى بعد أمتار من الرجلين، تنشغل سيّدة خمسينيّة بترتيب صور كبيرة للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، مشيرة إلى أنّها كلّما باعت صورة للسيِّد تشعر كأنها تنسلخ عنها انسلاخاً.
أسطح المباني المحيطة بملعب الراية، التي وقف عليها بضعة شبّان دلّ صغر سنّهم على أنّ السيِّد لن يحضر شخصياً، عُلِّمت برايات زرقاء رفض عناصر الانضباط في حزب اللّه الكشف عن مغزاها. وخلف المنصّة، انتصبت أعمدة تشبه آثار مدينة بعلبك، يفصل في ما بينها أحد شعارات الذكرى التي حملت هذا العام عنوان «أنتم» إلى جانب «رجال الله»، أو «وعدنا الصادق»، أو «شعب وفيّ» أو «أشرف الناس». شباب الأمن ارتدوا بذلات رمادية جديدة. وقبل موعد الاحتفال بنحو ساعتين، حضر وفد ضم نحو 50 شاباً من المقاتلين في جبهة العمل الإسلامي يرتدون ثياب «سرايا المقاومة». وفي انتظار اكتمال المشهد الاحتفالي، توجّهت أنظار الموجودين إلى زاوية الصحافيين، يحاولون التقاط صور لبعض المراسِلات... سياسيون يطالبون مصوّرين بصور سبق أن وعدوهم بها... سعودي يفد إلى باحة الصحافيين معلناً أنه أتى إلى لبنان ليشارك في الاحتفال، وليؤكد للبنانيين قبل غيرهم أن الضاحية بالنسبة إلى أهل بلاده أهم من المعاملتين بكثير!
أمّا جماهير الاحتفال، فما كادوا يلمحون كاميرا تتحرّك صوبهم، حتّى يندفعوا إلى رواية ما جرى معهم خلال الحرب، ويتحدّثوا عن ذلك الانتصار الذي ترقّبوه 33 يوماً بعد انتظار دام أكثر من 33 عاماً. ينسجون أخباراً عن صمود الضاحية وقهرها العالم، وعن انتظارهم بحماسة تهوّراً إسرائيلياً جديداً يمهّد لمحو «الكيان الغاصب» عن الخريطة. وبكثير من الإيمان، تقوم سيدة ستينية عن كرسيّها وتمشي باتجاه إعلامي في قناة «الأقصى»، فيناولها المذياع. وبعد تردّد دام بضع ثوانٍ، لا تجد ما تقوله سوى الترداد مع النشيد بجدية وصرامة «لا مكان للتراجع، لا مكان للضعف، وهيهات منّا الذلّة». وفيما كانت السيّدة تخطب، يتحرّك المصوّرون لالتقاط «صورة المهرجان»، إذ تقف صبيّتان لتتمايلا مع أناشيد فرقة الولاية، تحمل إحداهما صورة نصر اللّه، والثانية علم حزب الله. عين الأولى تنظر إلى صورة يؤمن أهل المهرجان بأنها أساس العزّة، ويد الثانية تقبض على علم يراه أهل المهرجان اختزالاً للكرامة.
وعند الغروب، بدأت الكراسي تمتلئ بالناس، النساء من جهة والرجال من الجهة الأخرى. تتلوّن السماء بأعلام حزب الله وحركة أمل وبعض الرايات البرتقالية، وتبدأ فرقة الولاية بتهيئة الناس للقاء قائدهم، ثمّ يحضر صوته مسجَّلاً: «كما كنت أعدكم بالنصر دائماً، أعدكم بالنصر مجدداً»، فيقفز الناس عن كراسيهم معاهدين «أبو هادي» على الوفاء؛ يشير بإصبعه إلى عرض البحر، إلى «ساعر» تحترق، فيهتفون كأنها تحترق الآن: «الله، نصر الله، والضاحية كلها».
يتجنّب «السيِّد» الكلام في السياسة المحليّة؟ لا بأس، الناس بانفعالهم العفوي مع عريف الاحتفال يرسمون خريطة طريق لحزب الله. فحين يرحّب بممثل رئيس الجمهورية، تصفّق قلّة. وحين يرحّب العريف بممثل رئيس المجلس نبيه بري، يعلو التصفيق الاعتيادي... تصفيق يتحوّل إلى هتافات استنكار حين يُذكر اسم ممثّل الرئيس المكلّف سعد الحريري. يرحّب العريف بممثل العماد ميشال عون، فتزداد حماسة الحاضرين. وما إن يذكر اسم جبران باسيل، حتّى تزداد الحماسة ويعلو الهتاف «معالي الوزير... معالي الوزير»؛ يذكر تيمور وليد جنبلاط، فيحتار الناس في أمرهم، قسم يصفّق وقسم يكتفي بتعديل جلسته في انتظار التعرّف على وريث أبو تيمور الذي قرر أن ينطلق نجله إلى السياسة من الضاحية، وفي ذكرى «يوم الانتصار».