وقد بدأت هذه المراوحة المتمادية في التحريض على طرح تساؤلات عابرة للحدود حول الأسباب الحقيقية لاستمرار العقم في التأليف وهل أن العقد هي محلية و«باسيلية» فعلاً، ام هناك قطبة مخفية إقليمية تسبح تحت سطح التوافق السوري ـ السعودي الظاهر، الذي توقفت مفاعيله عند حدود تثبيت معادلة 15ـ10ـ 5 فيما تٌرك لشياطين التفاصيل ان تفعل فعلها عندما بدأ النقاش حول الأسماء والحقائب.
ولعل الخرق الوحيد الذي سُجل في الحلقة المفرغة يتمثل في الدعوة التي وجهها الحريري الى رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون لتناول «غداء حكومي» الى مائدته، وهي دعوة يبدو أن الجنرال تجنب تلبيتها سريعاً حتى لا تكبل لسانه خلال المؤتمر الصحافي الذي سيعقده قبل ظهر اليوم للرد على الحملات الموجهة اليه بعدما «طفح الكيل»، عدا عن انه يعتبر ان أي اجتماع مباشر بينه وبين الحريري يجب ان تسبقه مؤشرات توحي بإمكانية ان ينتهي الى نتيجة إيجابية، «لا أن يكون مترافقاً مع قصف سياسي وإعلامي من العيار الثقيل».
وفي حين ما زالت الخلافات
تتمحور حول ما يعتبره فريق 14آذار طرح عون التعجيزي لناحية الأسماء والحقائب، وما يرى «التيار الحر» انه رفضٌ من الرئيس المكلف لإعطائه حقوقه المشروعة، قالت أوساط سياسية واسعة الاطلاع لـ«السفير» إن الفرصة الأخيرة أمام تشكيل الحكومة قريباً ربما تكمن في اللقاء المباشر الذي يمكن ان يعقد بين الرئيس المكلف سعدالحريري والعماد ميشال عون هذا الاسبوع ـ إذا لم يُطح به المؤتمر الصحافي ـ شرط ان يكون لدى الحريري تصور مقبول بالحد الأدنى، يتيح لعون التجاوب معه او ملاقاته في منتصف الطريق، على قاعدة تبادل التنازلات، مشددة على ان الاسبوع الحالي هو حاسم، فإما ان يمهد لولادة قريبة للحكومة وإما ان تتأجل هذه الولادة لفترة طويلة.
عون يشن هجوماً مضاداً
وبينما تتجه الأنظار اليوم نحو ما سيدلي به عون، أبلغت مصادر بارزة في التيار الحر«السفير» ان عون كان قد قرر منذ يوم الاربعاء الماضي عقد مؤتمره الصحافي، وهو أصبح أكثر إصراراً عليه بعدما لمس اشتداد الحملة السياسية المنظمة ضده من خلال التصويب المركز على مسألة توزير جبران باسيل، ملاحظة أن نوعاً من توزيع الأدوار غير البريء يجري بين الرئيس المكلف الذي يبدي في العلن مرونة واستعداداً لمناقشة المطالب، بينما يوعز من جهة أخرى الى نوابه بشن الهجمات العنيفة على الجنرال للإيحاء بأن أسباب تأخير تشكيل الحكومة تكمن عنده وللتغطية على أزمات 14 آذار الداخلية، الامر الذي لم يعد ممكناً قبوله.
وأوضحت المصادر أن عون يحضّر منذ يومين لمؤتمره الصحافي المدروس الذي سيضع فيه النقاط على الحروف وسيعيد وضع الأمور في نصابها الصحيح بعد محاولة تمويه الحقائق من خلال إثارة غبار التضليل لتجهيل الفاعل في مسألة عرقلة تأليف الحكومة. وأكدت ان سقف كلامه سيكون مرتفعاً وسيرد من خلاله على كل ما أثير حول المكاسب العائلية وتوزير الصهر، وسيكشف عن بعض المخالفات التي ضبطها جبران باسيل في وزارة الاتصالات والتي دفعت المتضررين الى المطالبة بإقصائه.
واستغربت أن يضع الفريق الآخر فيتو تارة على هذا الاسم وطوراً على هذه الحقيبة، في حين ان العماد عون لم يطرح أي ممنوعات في النقاش وإنما يطالب بوحدة المعايير، فلا يجوز على سبيل المثال رفض إعطائه حقيبة الاتصالات تحت شعار انه لا توجد وزارة مطوّبة لفريق دون آخر، بينما يعتبر الرئيس المكلف في المقابل أن بقاء وزارة المالية ضمن حصة «المستقبل» هو من باب تحصيل الحاصل.
«المستقبل»: ندعو حزب الله للضغط
في المقابل، اعتبر مصدر مطلع في «تيار المستقبل» ان الحريري قدم بادرة حسن نية عندما وجه الى العماد عون دعوة لتناول الغداء والتباحث مباشرة، من دون وسيط، في ملف تشكيل الحكومة، ولكن الأخير استمهل في تحديد موقفه منها، «علماً بأن عون كان قد أعطى من الأساس إشارة سلبية عندما اقترح عليه الحريري بعد الانتهاء من المشاورات البروتوكولية في مجلس النواب أن يلتقيا، فرد عليه عون حينها بأنه سيوفد اليه جبران باسيل».
واعتبر المصدر أن طرح حزب الله بأن يسمي كل فريق وزراءه هو غير عملي، لأن الرئيس المكلف ليس مجرد صندوق بريد توضع فيه أسماء الوزراء، بل إن له رأياً مقرراً في أعضاء التشكيلة الحكومية قبل ان يوقّع على مراسيمها، لافتاً الانتباه الى ان ما قصده الحريري عندما صرح بأن كل طرف يسمي وزراءه هو ان لكل طرف الحق في ترشيح من يراه مناسباً، ولكن تحويل المرشح الى وزير يتطلب بناء على الآلية الدستورية موافقة رئيس الجمهورية والرئيس المكلف الذي يرغب في فريق وزاري متجانس لا يضم مشاكسين، ويستطيع ان يعمل وينتج.
وكشف المصدر عن ان هناك تفاهماً بين الحريري ورئيس الجمهورية على عدم توزير الراسبين وإن يكن سليمان ليس في موقع يسمح له بالإعلان الصريح عن هذا الموقف، واعتبر ان تجربة الوزير جبران باسيل في وزارة الاتصالات لم تكن ناجحة وبالتالي فهي لا تشجع على القبول بإعادة توزيره ولا على إبقاء حقيبة الاتصالات بحوزة التيار الوطني الحر.
وأكد المصدر انه لا توجد أي عقدة وزارية لدى فريق 14 آذار، مشدداً على أن مطالب «القوات اللبنانية» والكتائب والمستقلين ليست متحجرة، بل هي مرنة وتترك المجال مفتوحاً امام بدائل لكل طرح، جازماً بأنه في حال معالجة عقدة عون فإن الحكومة ستتشكل خلال ساعات قليلة.
ورأى المصدر ان المطلوب من «حزب الله» ان يؤدي دوراً فاعلاً في الضغط الجدي على العماد عون من أجل إقناعه بالتخلي عن مطالبه التعجيزية، مشيراً الى أن الحزب كان قد تعهد لرئيس الجمهورية والرئيس المكلف بحل مشكلة حليفه ولكنه عاد وأبلغهما بأنه لم يستطع ذلك وأن على الحريري ان يتفاوض معه، لافتاً الانتباه الى أن الحزب معني بتدخل أكثر فاعلية لدى عون وليس الاكتفاء بدعوة الرئيس المكلف الى أن يقلّع شوك الرابية بيديه.
ولكن أوساطاً في المعارضة أبلغت «السفير» ان العماد عون ليس مقفلاً على أي طرح عملي ومنطقي لا يكسر أحداً ويأخذ بعين الاعتبار حقوق تكتل التغيير والإصلاح، وأشارت الى ان هناك هامشاً لليونة يمكن التفاوض ضمنه للوصول الى تسوية، إذا توافرت لدى الحريري الإرداة الصادقة ليقترح ما يمكن ان يقبله الجنرال وليس ما يحرجه ليخرجه، متسائلة: لماذا لا يُعاد منح تكتل عون الحقائب الوزارية التي أعطيت له في الحكومة الحالية التي تُصرّف الأعمال؟
صفير: المصالح تؤخر الحكومة
وفي سياق متصل، انتقد البطريرك الماروني نصر الله صفير خلال عظة قداس الاحد في الديمان السياسيين الذين يتوخون تحقيق مصالحهم ويعيقون تأليف الحكومة. وقال «إن ما يجري عندنا من تجاذبات على الصعيد السياسي، يدل على ان الكثيرين من الذين يتعاطون الشأن السياسي، يبدو انهم لا يتوخون خير البلد وأبنائه بقدر ما يتوخون مصالحهم الشخصية، وهذا ما يعوق تأليف حكومة تعمل لمصلحة اهل البلد مجتمعين».
جنبلاط.. وتيمور
على صعيد آخر، توقف المراقبون عند الهجوم العنيف الذي شنه عضو تكتل «لبنان اولاً» نهاد المشنوق أمس على النائب وليد جنبلاط واصفاً ما فعله في 2 آب بأنه شكل إهانة، فيما قال جنبلاط رداً على سؤال لـ«السفير» حول تعليقه على خطاب الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في ذكرى الانتصار: الأهم في خطابه أنه استبعد حصول حرب قريبة وحدد معادلة للحؤول دون وقوعها، ونحن نوافقه على أهمية تشكيل الحكومة بأسرع وقت في إطار تحصين الوضع الداخلي.
وعن سبب إيفاده ابنه تيمور لتمثيله في مهرجان الانتصار في الضاحية الجنوبية، قال: انا كبرت على صوت عبد الناصر وصورته، وأجمل أيام حياتي كانت خلال حصار بيروت عام 1982 وحينها لم تكن هناك حوادث عائشة بكار وغيرها، وقد تعمدت إرسال تيمور الى الضاحية الجنوبية بما ترمز اليه في الصراع مع إسرائيل، حتى يصلب عوده، وعلى أمل ان يكون حضوره هذا المهرجان بداية الطريق الثقافي والسياسي بالنسبة اليه لتثبيت الجذور التي انطلق منها جده كمال جنبلاط في مواجهة إسرائيل، وتحت عنوان فلسطين.
وكان المشنوق قد اعتبر في حديث تلفزيوني أن جنبلاط تصرف في 2 آب «بطريقة مهينة للناس الذين مشوا معه وآمنوا به والذين وضعوا دمهم على أكفهم بسبب شعاراته»، ورأى»ان هذا الأمر ليس بسيطاً ولا يجوز التعامل معه بأن هذا هو اسلوب وليد بك، فهذه المرة لا يشفع الأسلوب للمضمون». ولكن المشنوق حرص على التأكيد ان موقفه شخصي ولا يمثل تيار المستقبل او كتلته النيابية.