أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لا حرب وشيكة في ظل صراع إسرائيل مع حزب اللّه؟

الإثنين 17 آب , 2009 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,473 زائر

لا حرب وشيكة في ظل صراع إسرائيل مع حزب اللّه؟

يقرّ الجانبان، حزب الله وإسرائيل، بأن تهديدات المسؤولين الإسرائيليين الأخيرة للبنان، ليست إلا حرباً كلامية و«زوبعة إعلامية»، تفتقر إلى رصيد ميداني معتبر. وتالياً، لا يمكن القول بثقة إنها دليل أو حتى مؤشر على إمكان تفجر الأوضاع الأمنية بينهما والانزلاق إلى مواجهة، بل إن إسرائيل تؤكد حتى في تصريحاتها وتهديداتها الأخيرة، أنها غير معنية بتجدد المواجهة العسكرية مع حزب الله، في هذه المرحلة. ورغم حديث إسرائيل أنها لا تريد المواجهة، إلا أن وتيرة التصريحات والتهديدات كانت لافتة وزائدة عن حدها، بل أشعرت المستوطنين الإسرائيليين بأن ساعة بدء تساقط الصواريخ على مستوطناتهم قد قربت، ما دفع برئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو إلى سحب تهديدات أطلقها، وإعطائها تفسيرات مغايرة لما فهمه المستوطنون، وفارق يوم واحد بين التصريح التهديدي الأول، وتصريح التهدئة الثاني، يدل على حجم القلق الجماهيري في إسرائيل.
تثير تهديدات إسرائيل، رغم وضوح استهدافاتها حديثاً عن أصل إمكان وقوع الحرب، وتوقيتها.

إن تهديد إسرائيل للبنان يعبّر عن ضيق مما يجري في ساحة تهدّد أمنها

شكلت الحرب لدى الدول المقتدرة، تاريخياً، أداة مركزية في إعادة تشكيل الواقع، الأمر الذي مكّنها من فرض إرادتها السياسية على غيرها من الدول، وقد يكون الفرق في عصرنا الحالي، ما بعد الحديث، أن شعوب ودول العالم القديم كانت ترى في استخدام القوة سبيلاً شبه أوحد لفرض إرادتها السياسية على غيرها من الشعوب، أما في العصر الحديث، فأضيف إلى ذلك وسيلة التهديد باستخدام القوة من دون استخدامها، ما يدفع الأعداء أو الشعوب المستهدفة إلى الرضوخ والاستسلام لإدراكهم قصورهم عن المواجهة مسبقاً، أي تحقيق الأهداف من دون خوض حروب. وإسرائيل كدولة مقتدرة نسبياً، لا تحيد عن استخدام هذه الوسيلة، التي أثبتت فاعليتها في صراعها الطويل مع محيطها المعادي... فإما استخدام القوة العسكرية أو التهديد باستخدامها، والغاية النهائية هي تحقيق الأهداف، بغضّ النظر عن الوسائل.
رغم ذلك، من المتعذر القفز من فوق حقيقة خاصة بصراع إسرائيل مع المقاومة في لبنان، والتي تضفي إلى طبيعة الصراع تعقيداً إضافياً يُصعّب على أي تحليل البناء على معطيات مادية بحتة. يعود ذلك إلى أن الانتصار على المقاومة عسكرياً، أصبح مطلباً مستقلاً بذاته، ولذاته، وتحديداً في أعقاب نتائج حرب عام 2006، وصورة إسرائيل المهزومة فيها. وتالياً، إن الدولة العبرية معنية بإعادة الاعتبار لمكانتها وقدراتها أمام نفسها وأمام أعدائها، وتحديداً في الساحة نفسها وضد العدو نفسه، ومن خلال أدوات الصراع نفسها، أي المواجهة العسكرية.
على أي حال، كل ما ذكر هنا يشير إلى ارتفاع منسوب الحوافز الذاتية لدى إسرائيل، والحافز يبقى مجرد عامل غير وحيد في تحديد إمكان إقدام إسرائيل على شن حرب، مهما كان منسوب هذا الحافز مرتفعاً، وخاصة في أعقاب فشل الجيش الإسرائيلي عام 2006، وإدراك إسرائيل أن الحرب تخاض من قبل طرفي صراع، على نقيض من حروب خاضتها في الماضي، ضد أعدائها.
ما يراد قوله هنا، إن صراخ إسرائيل وتهديدها للبنان، ومن ثم العودة عن التهديدات والتراجع عنها، ولاحقاً ربما استئنافها بوتيرة أعلى أو أقلّ، يعبر عن ضيق إسرائيلي مما ترى أنه يجري في ساحة تهديد لأمنها القومي (لبنان)، من دون قدرة فعلية وناجعة على استئصال هذا التهديد، رغم أن الحوافز الموجودة لاستئصاله مرتفعة. فارتفاع درجة حرارة المريض لا يعني بالضرورة أنه متوثب للانقضاض على المرض، بل قد يكون انعكاساً لحالة التردي والهزيمة أمام المرض نفسه.
بعيداً عن كل ذلك، يفترض بالباحث عن إمكان نشوب حرب، وتوقيتها، أن يتلمس الآتي:
أن السياسة العسكرية ليست إلا أداة، غير وحيدة، لتحقيق الأغراض السياسية؛ أن خوض الحروب يفرض مسبقاً وضع أهداف واقعية وممكنة التحقق، كي تتمكن السياسة العسكرية من تفعيل نفسها من دون المجازفة بالخسارة؛ على إسرائيل أن توازن بين المكاسب المقدر أنها ستتحقق من المقاربة العسكرية وبين المضارّ المقدر أن تنتج منها، ومن بينها مضار قد لا تكون في صورتها مسبقاً، لنقص ما لديها من معلومات عنها؛ على الجيش الإسرائيلي أن يرمم التعمية الموجودة لديه في أعقاب كشف شبكات التجسس في لبنان، إذ لا حرب من دون استخبارات؛ وعلى الجيش الإسرائيلي أن يصل إلى مستويات قد يصعب عليه الوصول إليها، أي تحمل حرب كثيرة الخسائر البشرية، في صفوفه وفي صفوف مدنييه؛ وقبل أي شيء آخر، على مبلوري القرار الإسرائيلي أن يتأكدوا بالفعل من أن أي مغامرة عسكرية جديدة في لبنان ستحقق النصر، لا بالنقاط كما يحلو لبعض الإسرائيليين الحديث عنه في حال الفشل، إذ إن أي خسارة إسرائيلية جديدة في لبنان ستكون كارثية على مكانة الدولة العبرية تجاه نفسها وأصدقائها وأعدائها، على حدّ سواء.
يجب فهم التهديدات الإسرائيلية الأخيرة للبنان، انطلاقاً من كل ذلك، وبعد الإجابة عن التساؤلات الموضوعة. فللحرب أسباب ووظائف وقدرات يجب أن تتحقق مسبقاً، ومن بينها معرفة قدرة العدو وإمكاناته، وهو لا يبدو على أقل تقدير أنه متحقق إسرائيلياً في هذه المرحلة. والمعنى النهائي لكل ذلك أن المقاربة المنطقية لمعطيات الصراع القائم لا تشير إلى حرب وشيكة، الأمر الذي يتوافق مع ما يعلنه الجانبان.. وتبقى تهديدات إسرائيل زوبعة إعلامية، تماماً كما قال بنيامين نتنياهو، في حديثه الأخير عن التهدئة في لبنان.

Script executed in 0.16560196876526