أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

البيت السياسي المسيحي يرتّب نفسه

الثلاثاء 18 آب , 2009 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,573 زائر

البيت السياسي المسيحي يرتّب نفسه

منذ أن زار سليمان فرنجية بكفيا تركّزت الأنظار على الرابية منتظرة تطور المحادثات الكتائبية ـــــ العونية.
انفتاح المردة على الكتائب والكتائب على التيار الوطني الحر يولّد حركة سياسية جديدة.
الكلام نفسه تقريباً يكرره المسؤولون في تياري المردة والوطني الحر، حين يشرحون أن حماسة سامي الجميّل مثّلت العامل الأساسي في تحريك علاقات حزبية مجمّد بعضها منذ 3 سنوات، والبعض الآخر منذ 30 سنة. لكنهم سرعان ما يستدركون «التبخير» للنائب الكتائبي بالتأكيد أن سامي كان قد فشل لو لم يجد من ينتظره في منتصف الطريق. ومهما كان الموقف من انفتاح الكتائب، فإن حركة الحزب تترك آثارها على كل النادي السياسي المسيحي عموماً.

العونيون والمردة: من يرث من؟

العلاقة بين حزبَي المردة والتيار الوطني الحر تحافظ على متانتها، بحسب مسؤول في تيار المردة. ويرى أحد المسؤولين في التيار الوطني الحر أن الاستحقاقات أكدت أن المردة يحترمون الخصوصية العونية (وقد مثّلت دائرة البترون نموذجاً لهذا الاحترام، حين تنازل فرنجية عن حقّه في اختيار المرشح الثاني)، تماماً كما يحترم العونيون خصوصية المردة (الدليل، ضغط عون على العميد المتقاعد ليسحب ترشّحه من دائرة زغرتا). ورغم كثرة الكلام عن استعداد المردة لوراثة الحالة العونية، فإن الأدلة كثيرة، يتابع المسؤول نفسه، على هروب فرنجية من أداء دور الحاضن لأي عوني مستاء من قائد تيّاره، ويكفي عرض قوائم المنتسبين إلى المردة في جبل لبنان للتأكد من ذلك. وتبرز ميدانياً شهادات عدّة لشباب عونيين زاروا بنشعي ناقمين على عون، فشرب فرنجية معهم فنجان قهوة ثم أبلغهم أن مشاكل التيار تحلّ بين أهل التيار في منزل قائد هذا التيار. ويقول أحد المسؤولين في المردة إن كثراً يعتقدون أن جبران باسيل هو الوريث المفترض للعماد ميشال عون في زعامة التيار الوطني الحر، وتالياً، يفرض المنطق القائل بأن فرنجية يريد وراثة عون أن يعرقل فرنجية مسيرة باسيل. لكن في الاستحقاقات كلها، خلال السنوات الأربع الماضية، أظهر فرنجية دعماً مطلقاً لباسيل. وفي ظل التأكيد أن المردة لا يريدون وراثة التيار، يعتقد بعض شباب المردة أن على التيار الاهتمام قليلاً بتعزيز حيثيّة المردة في جبل لبنان. ويشير أحد الشباب هنا إلى أن المردة سهّلوا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عمل العونيين وتنظيم صفوفهم في أقضية الشمال، لكنهم، في المقابل، لا يشعرون بتعاون الوطني الحر معهم في جبل لبنان كما كانوا يتوقعون. ويلفت زميله إلى أن بعض العونيين يخشى المردة فيما يتبيّن في بعض بلدات عكار والبترون والكورة أن العونيين يرثون المردة، حيث انضم عدد لافت من أنصار المردة إلى التيار الوطني الحر، انسجاماً من هؤلاء مع إعجاب زعيم المردة النائب سليمان فرنجية بعون. وفي النتيجة، تؤكد خلاصة كلام الناشطين في حزبَي المردة والوطني الحر، أن علاقة الطرفين ستشهد مستقبلاً اهتماماً مشتركاً، ليأخذ كل طرف بوضوح ما يريده من الآخر.
في المقابل، فاجأت حركة سامي الجميّل بعد الانتخابات طموح سمير جعجع إلى قيام تكتل مسيحي أكثري في معراب لمواجهة تكتّل عون. ورغم «اتفاقهما في السياسة على 99,99% من الأمور، فإن الكتائبيين يسجّلون انزعاجاً قواتياً في بلدات وقطاعات عدّة من سعي حزب الكتائب لاستعادة أنصاره الذين انضموا لأسباب مختلفة إلى القوات. وثمّة في الكتائب من يقول مازحاً إن جيلاً كتائبياً جديداً بدأ العمل لوراثة ما أورثه الجيل الكتائبي القديم للقوات.

الكتائب: التيّار يتهرّب

فاجأت حركة سامي الجميّل بعد الانتخابات طموح سمير جعجع إلى قيام تكتّل مسيحي

 

سيسمح التفاهم بين الكتائب والتيار العوني بعزل القوات أكثر ويخفّف الحملة على التيار

مصالحة الكتائب والمردة مرّت على خير في الصيفي، فلم يعلُ صوت واحد يعترض، وأسهم الاتفاق السياسي، الذي توّج بلقاء زعيمي المردة والكتائب في بكفيا، بلمّ شمل الكتائبيين بطريقة غير مباشرة، فعادت الابتسامة إلى وجوه الكتائبيين الذين اقتربوا سياسياً منذ عقود من زعيم زغرتا.
وكما عاد فرنجية إلى بلدته سعيداً بإنجاز يريحه معنوياً من خصومة سياسية لا تفيده بشيء، ويسمح له في الوقت نفسه بحشر سمير جعجع أكثر في الزاوية، فإن سامي الجميّل شعر بأهمية الإنجاز الذي وفّر انطلاقة سياسية قوية له في حزب الكتائب بعد انطلاقته التنظيمية، وأظهره شريكاً مسيحياً جدياً قادراً على الجلوس إلى الطاولة مع العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية. وبسرعة، ازداد اهتمام سامي بإكمال ما بدأه والذهاب في حواره مع العونيين إلى النهاية.
قناة الحوار الوحيدة، بحسب مصدر في الكتائب، هي العلاقة الشخصية المتينة بين النائبين سامي الجميّل وآلان عون. والحوار بين الرجلين، وفق المصدر نفسه، مستمر منذ أكثر من سنة، لكنه ازداد رسمية وجديّة في الفترة الماضية. لكن عملياً يقول الشاب الكتائبي لا شيء جدّياً حتى الآن. فهناك نقاش في القضايا الأساسية، واتفاق شفهي على بعض العناوين ـــــ القضايا المشتركة، لكنّ الحوار يقف عند حدود التواصل الشخصي من جانب التيار، مشيراً إلى تلمّس المحيطين بسامي أن ثمة هروباً عونياً إلى الأمام وتأجيلاً مستمراً لتفعيل الحوار أكثر.
وهنا، تبرز كتائبياً مخاوف عدّة، يعدّدها أحد الكتائبيين كالآتي:
1ـــــ أن يدفع الحوار الكتائبي ـــــ العوني ثمن التجاذبات العونيّة ـــــ العونيّة. فتقف الأمور عند حدود الدور المنوي إعطاؤه في التيار للنائب آلان عون.
2ـــــ أن تؤدي حسابات الربح والخسارة لدى عون إلى التضحية بمصالحة مسيحية ـــــ مسيحيّة كبيرة.
3ـــــ أن يكون للتحالفات الإقليمية للتيار تأثير مباشر على تفاهمات التيار المسيحية، فتمنعه من ملاقاة الكتائب، في ظل موقف الحزب الحالي من العلاقات اللبنانية ـــــ السورية ومن سلاح حزب الله، فيما تثير علاقة الكتائب والتيار الوطني الحر اهتمام أنصار التيار، ويبدو واضحاً أن في التيار وجهتي نظر.
النائب الان عون (أرشيف)النائب الان عون (أرشيف)واحدة تعارض إنجاز تفاهم سريع. ويشرح أحد نواب التيّار أن الجميّل كان في الانتخابات الأخيرة آخر الفائزين في المتن، وثمّة طعن جدّي في نيابته مقدّم أمام المجلس الدستوري. كذلك أظهرت الانتخابات أن الحزب يعجز عن إنشاء كتلة نيابية دون دعم كبير من حلفائه. وبالتالي، فإن مدّ التيار يده للكتائب قد يكون أشبه بإنقاذ حزب يغرق، وهو أمر غير مبرر، وخصوصاً أن العماد عون، بعدما هزم كميل خوري الرئيس أمين الجميّل في الانتخابات الفرعية، بادر إلى مدّ اليد للجميّل والتقاه، لكنّ الأخير لم يلبث أن تبرّأ من اللقاء الذي عوّمه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، إضافة إلى «وجود كتائبيين سابقين كثر، مقرّبين من التيار الوطني الحر اليوم، لا يمكن عون الجلوس مع سامي قبل أخذ بركتهم، من مسعود الأشقر إلى كريم بقرادوني».
أما المؤيّدون العونيون للاتفاق مع الكتائب، فينطلقون من أنه يريح المجتمع المسيحي، وخصوصاً في المتن، حيث التداخل يومي بين الكتائب والعونيين. والأهم، يقول أحد نواب التغيير والإصلاح، سيسمح التفاهم بعزل القوات اللبنانية أكثر ويخفف الحملة على التيار. ويشير النائب نفسه إلى أن ظهور العونيين بمظهر المعارضين لاتفاق مسيحي ـــــ مسيحي سيؤثر سلباً عند الرأي العام المسيحي الذي لن يعجبه أبداً موقف كهذا.
في النتيجة، تؤكد مصادر الكتائب والتيار الوطني الحر أن ثمة نيّات حسنة، لكن لا شيء أكثر حتى اليوم. ويرى أحد العونيين أن مصالحة الكتائب والمردة قد تكون أسهل من مصالحة التيّار والكتائب. لماذا؟ لأن علاقات بكفيا ـــــ بنشعي كانت مقطوعة طوال 30 عاماً. وتالياً، لا عوائق صغيرة. أما بين الكتائب والتيار، فهناك أزمة ثقة، ومجموعة شتائم، وتبادل اتهامات، ومئات المطبّات الصغيرة التي تعوق تقدم التفاهم، مع تسجيل العونيين لسامي أنه لم يهنهم يوماً. حتى في عزّ المعركة النيابية، حاول قدر استطاعته تجنّب استفزازهم أو الدخول في مواجهة سياسية مباشرة معهم.
ختاماً، الجولة على بعض المسؤولين في التيار الوطني الحر والكتائب والمردة تظهر أن التطلعات تتجاوز اللقاءات الحزبية، وخصوصاً لدى الكتائب والمردة. أهل الصيفي يتطلّعون إلى تمتين علاقتهم مع حلفائهم وترميمها مع حزب الطاشناق وإنهاء الخلاف «غير المبرر بعد» مع إلياس سكاف. أما المردة فتبدو آفاقهم السياسية مفتوحة مسيحياً: لا اتصالات سياسية اليوم مع بطرس حرب ونسيب لحود والهانشاك والرامغافار، لكن لا مآخذ تمنع اللقاء. أما العلاقة مع ميشال المر ومنصور البون وفريد هيكل الخازن وغيرهم، فتنتظر التوقيت لتستعيد أنفاسها الطبيعية. وحتى داخل التيار الوطني الحر ثمّة أصوات بدأت تردّد أن الوقت حان لتخفيف الخصومات والبحث عن أكبر عدد ممكن من القواسم المشتركة مع أكبر عدد ممكن من السياسيين.



إذا تصالحوا!

 

اليوم، العنصر الأساس في شدّ عصب العونيين عند كل استحقاق هو التشهير بحزبَي الكتائب والقوات. عقيدتا القوات والكتائب صارتا مع مرور الزمن موضوع انتقاد التيّار الوطني الحر. أنصار فرنجية في الشمال هم كل خصوم القوات، المردة تطبّعت على الحقد تجاه القوات والكتائب.
غداً، إذا تصالح هؤلاء جميعاً، ماذا سيحصل؟ عمَّ سيتحدث الناشطون العونيون في الجامعات غير مجازر القوات اللبنانية بحق فلان وفلان وفلان؟ وكيف سيقنع الكتائبيون الجيلَ الجديدَ بالانضمام إليهم إذا تحالفوا مع حليف حلفاء السوريين؟ هل سيوقف أهل المردة أسبوع الآلام السنوي لمناسبة مجزرة إهدن.
ثمّة فراغ هائل آتٍ. لكن لا، المسؤولون في حزبي الكتائب والمردة يترقّبون إتمام المصالحات للبدء بممارسة سياسة حقيقية، فيكون النقاش في شأن البرامج الاقتصادية، ويقدم كلّ فريق مشروعه لتطوير النظام، ويغدو الصراع فكرياً وثقافياً وربما فنياً... ويكرّ حبل الأحلام.

Script executed in 0.18929314613342