أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

وليامز: لم يفاجئني انقلاب جنبلاط

الأربعاء 19 آب , 2009 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,519 زائر

وليامز: لم يفاجئني انقلاب جنبلاط

يقترن تقاطع الخارجي والمحلي في الأزمة الحكومية بتريّث غربي إزاءها، كان المثل الأكثر سطوعاً عليه تجنّب واشنطن حتى الآن التعليق عليها، وتفاديها أي ردّ فعل، فضلاً عن إيعازها إلى دبلوماسييها في سفارتها في بيروت بعدم الخوض في هذا الموضوع، وفي انقلاب النائب وليد جنبلاط على حلفائه في قوى 14 آذار وتقرّبه من سوريا وحزب الله.
تكشّفت هذه السلبية في التزام أحد أبرز أصدقاء جنبلاط في الإدارة الأميركية، وهو مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، السفير جيفري فلتمان، الصمت حيال ما جرى بعد 2 آب، وتوجيهه ـــــ وفق معلومات دبلوماسية ـــــ إلى سفارة بيروت تعليمات صارمة بعدم إرباك صديقه الحميم، ولا إحراجه، في معرض تأكيد وقوف واشنطن إلى جانب قوى 14 آذار. لم يُظهر فيلتمان ما إن بلغه نبأ انقلاب جنبلاط على شركائه في «ثورة الأرز» ـــــ وكان الأميركيون السبّاقين إلى إطلاق هذه التسمية ـــــ ردّ فعل مفاجئاً، مبدياً تفهّمه لـ«الخصوصية الدرزية»، وقائلاً أمام سائليه ـــــ تبعاً للمعلومات الدبلوماسية نفسها ـــــ إنه يتفهّم «مخاوف جنبلاط حيال حزب الله»، وإنه عايش بالقرب منه التهديدات والأخطار التي مرّ بها صديقه الزعيم الدرزي، ومسلسل الاغتيالات الذي لاحقه وحلفاءه، رغم أن فيلتمان ترك منصبه سفيراً للولايات المتحدة في لبنان في 15 كانون الثاني 2007، ولم يحضر تالياً ما حدث بين 7 أيار و11 منه في بيروت والجبل.
لكنّ الدبلوماسية الأميركية قصرت اهتمامها على مراقبة الوضع الداخلي في لبنان عن قرب، إعراباً منها عن أنها لا تتجاهل ما يجري فيه، لكنها تودّ تعمّد عدم اتخاذ أي موقف صريح أو مستتر، وهي تصرّ في المقابل على دعم الحريري لترؤس الحكومة الجديدة، ودعم حلفائه وعدم تعريضهم لأي آثار سلبية من جراء انقلاب جنبلاط عليهم، والضغوط التي تمارسها المعارضة لإبطاء تأليف الحكومة ما لم تنتزع من الغالبية مزيداً من التنازلات.
إلا أن معلومات دبلوماسية على اطلاع وثيق على الموقف الأميركي، أبرَزت، من جهة أخرى، موقف واشنطن من الوضع اللبناني مذ كُلّف رئيس تيار المستقبل ترؤس الحكومة في 27 حزيران، فتحدّثت عن معطيات منها:
1 ـــــ لم تشأ واشنطن التدخّل في الشأن الحكومي اللبناني، مفضّلة ترك الخيار لاتفاق اللبنانيين في ما بينهم، بعدما بدا الموالون والمعارضون على السواء ميّالين إلى تأليف حكومة ائتلاف وطني، لا إلى حكومة الأكثرية النيابية.
2 ـــــ يشارك الأميركيون السعوديين والإسرائيليين في عدم رغبتهم في انضمام حزب الله إلى الحكومة الجديدة. ويلتقي هذا الموقف، في بعض عناصره، مع ما كان قد أبلغه الرئيس المكلف إلى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، في لقائهما الأخير في 25 حزيران، من أنه هو الذي يحمي المقاومة من أي تهديد، في معرض مناقشتهما تخوّفاً مشتركاً وتهديداً مباشراً أوحى به تقرير مجلة دير شبيغل الألمانية في 25 أيار، واتهامه حزب الله باغتيال الرئيس رفيق الحريري. ومن ثم توسّع شبهات في أن القرار الظني الذي ستصدره المحكمة الدولية ينطوي، في جزء رئيسي منه، على ما تحدّثت عنه المجلة الألمانية، ما يعزّز اعتقاد بعض الغلاة في قوى 14 آذار بعدم استعجال توزير مَن يمكن أن تُوجّه إلى حزبه تهمة الضلوع في اغتيال الرئيس السابق للحكومة. والمقصود بذلك حزب الله.
3 ـــــ تبدو واشنطن في 20 أيلول أمام استحقاق استنفاد المهلة التي التقى عليها الرئيس الأميركي باراك أوباما لدى اجتماعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 20 آذار ، وهو اتفاقهما على إمهال الجهود السلمية لإنهاء البرنامج النووي الإيراني ستة أشهر، تصبح الدولة العبرية بعدها أمام احتمال توجيه ضربة عسكرية إلى الجمهورية الإسلامية. وبحسب المعطيات الدبلوماسية، فإن أطرافاً في قوى 14 آذار يميلون إلى تأخير تأليف الحكومة إلى ما بعد 20 أيلول، بغية التأكد من المسار الذي ستسلكه التطورات الإقليمية والموقفان الأميركي والإسرائيلي من إيران.
وتشير المعطيات أيضاً إلى أن جموداً طبيعياً يسود الإدارة الأميركية من الآن حتى صباح 8 أيلول، في أحسن الأحوال، في انتظار انقضاء عيد العمال هناك الذي يصادف في أول اثنين من شهر أيلول، الأمر الذي يشجّع وجهة النظر القائلة، في ظل استبعاد أي مبادرة أميركية حيال المنطقة قبل هذا التاريخ، إمرار مزيد من الوقت الضائع لملء الفراغ الدبلوماسي الأميركي.
4 ـــــ لا يعكس البطء الذي يرافق تأليف الحكومة اللبنانية أي قلق أميركي أو غربي في ظلّ ضوابط يُعتقد أن الأفرقاء المحليين يلتزمونها، رغم معرفتهم بأن لا مبادرات عربية أو غربية تستعجل التأليف وتخرجهم من مأزق تعثره. أول تلك الضوابط وجود حكومة تصريف أعمال برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة تملأ إلى حدّ ما فراغاً في ديناميكية الحياة السياسية، وثانيها إدراك طرفي الخلاف الداخلي عدم استفزاز أحدهما الآخر أو استدراجه إلى الشارع، ولا التسبّب بأي ذريعة للفوضى وضرب الاستقرار. والمقصود بذلك أن عليهما تجنّب اتخاذ قرارات سياسية أو أمنية على غرار ما حدث في 5 أيار 2008 ثم في 7 أيار.

ويليامز لم يفاجئه انقلاب جنبلاط

إزاء هذه المعطيات، يعبّر المنسق الخاص للأمم المتحدة والممثل الشخصي للأمين العام مايكل ويليامز عن اعتقاده أن التعثّر الحكومي محلي المصدر. فالرجل الذي ينادي جنبلاط بـ«وليد بيك» ـــــ لأن الجميع يفعلون ذلك عندما يخاطبونه ـــــ يقول إنه لم يُفاجأ بانقلاب الزعيم الدرزي على حلفائه، وكان قد التقاه في المختارة قبل 10 أيام، وسمع منه وجهة نظره حيال خياراته الجديدة والدوافع التي أملت عليه الخروج من قوى 14 آذار، من دون الانضواء في قوى 8 آذار.
يقول ويليامز لـ«الأخبار»: «لم أُفاجأ كلياً بما فعله وليد بيك، لأنني أحاول متابعة السياسة اللبنانية بدقة. قبل الانتخابات النيابية كانت هناك إشارات إلى أنه يلاحظ تغييراً في الوضع الإقليمي من حول لبنان عمّا كان عليه هذا الوضع منذ عام 2005. وترك هذا الأمر تأثيراً مباشراً وخاصاً على الطائفة الدرزية لكونها مجتمعاً صغيراً. الدروز هم أقل عدداً من الموارنة والسنّة والشيعة، وهم مجتمع متعلق كثيراً بالأرض».
لكنّ تحالفاً مرتقباً بين جنبلاط وسوريا لا يقلق ويليامز الذي يرى «جوانب إيجابية في ما حصل. عندما التقيت وليد بيك قال لي إنه قد يزور سوريا بعد تأليف الحكومة الجديدة، وبعد زيارة سعد الحريري دمشق». ولا يوافق في المقابل الرأي القائل بأن العلاقات الجديدة لجنبلاط مع سوريا «تعزّز نفوذها في لبنان. لا أعتقد أنه سيكون بينهما تحالف. ربما كان هناك تفهّم لدور سوريا واعتراف بالخطوة الحاسمة التي أقدم عليها الرئيس بشّار الأسد حيال لبنان عندما استكمل التبادل الدبلوماسي. ومن الممكن أن وليد بيك تابع عن كثب تطور العلاقات السعودية ـــــ السورية منذ بداية العام».
يضيف ويليامز: «أنا ألتقي باستمرار السياسيين اللبنانيين كالرئيس المكلف سعد الحريري والرئيس نبيه برّي وحزب الله. وهناك لقاء متوقَّع في الأيام المقبلة مع العماد ميشال عون. أحاول الاجتماع بالأفرقاء اللبنانيين جميعاً، ولا ألمس وجود أزمة. لكن من موقع شخصي، أفضّل تأليف الحكومة في أقرب وقت، لأن ثمّة تحديات كثيرة، اقتصادية وأمنية واجتماعية، تنتظر الحكومة المقبلة. كلما عجّلنا في تأليف الحكومة يكون الأمر أفضل للبنانيين بغضّ النظر عن انتماءاتهم. كانت الحكومة الماضية في مواجهة تحديات كثيرة منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مروراً بكل الأحداث التي تلته، فمنعت التقدّم الذي كان يعوّل عليه اللبنانيون. اليوم أمام الحكومة المقبلة نوع آخر من التحدّيات، انطلاقاً من أن اللبنانيين بدأوا فصلاً جديداً في تاريخهم. رأينا أن الانتخابات حصلت بلا حوادث. وأعتقد أن هناك نظرة إيجابية إلى التقدّم في المواضيع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. إلا أن ما يساعد لبنان على الخطو في هذا الاتجاه هو استقرار الوضع الإقليمي أكثر من أي وقت مضى، وهو يدعم اللبنانيين في جهودهم الداخلية. لكن ما يقتضي أخذه في الاعتبار في الوضع الإقليمي أمران: أولهما المصالحة بين السعودية وسوريا ومضيهما في تطوير علاقاتهما، وثانيهما نظرة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى الشرق الأوسط وبذله جهوداً لتحقيق السلام».
وهل يلاحظ أسباباً تحول دون تأليف الحكومة؟ يقول: «لا أرى مثل هذه الأسباب. بل أشير إلى السعودية وسوريا اللتين بذلتا في الأشهر الستة الأخيرة جهوداً كبيرة حيال تحسين علاقاتهما وتوفير حال تساعد اللبنانيين على إحراز التقدّم والازدهار».
لا يعزو العرقلة إلى أسباب خارجية، ويقول إنه شعوره «لكن قد تكون هناك عوامل لا أراها في مواضيع سياسية، لا بد من الأخذ في الاعتبار الدوافع الشخصية والطباع».
إلا أن ويليامز يبدي رضاه عن العلاقات اللبنانية ـــــ السورية في المرحلة الحالية. يقول: «إنها أفضل بكثير من السابق. بل أظنّ أنها الآن أفضل ممّا كنت أتوقع. استكملت سوريا التبادل الدبلوماسي مع لبنان، وفي المواضيع الحسّاسة هناك تنسيق بين الجيشين اللبناني والسوري، وكذلك الأمر بالنسبة إلى سائر الأجهزة والقوى الأمنية. ألاحظ وجود تعاون وتواصل».
مع ذلك لم يتعرّف إلى السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم، إذ يقول: «لا أعرفه بعد. وربما كان يجب لقاؤه في أحد الأوقات».
إلا أنه يعتقد بأنه «لا دور لسوريا في تعطيل تأليف الحكومة. رأيي هو أن هناك دينامية حكومية داخلية. لكن لا بد من تأليف حكومة ائتلافية في لبنان. وهذا في ذاته صعب أيضاً. في بلجيكا التي تتألف من مجموعات إثنية وطائفية استغرق تأليف الحكومة أربعة أشهر».


Script executed in 0.19340705871582