أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حادثة رومية: انفجار الخلاف داخل قوى الأمن

الخميس 20 آب , 2009 07:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,424 زائر

حادثة رومية: انفجار الخلاف داخل قوى الأمن


عاد السجين طه سليمان إلى خلف القضبان. فبعد فراره من مبنى الموقوفين «د» في السجن المركزي برومية فجر أول من أمس، تمكنت القوى الأمنية من القبض عليه في أحد الأحراج القريبة من السجن. لكن توقيف سليمان، المدعى عليه بجرم الانتماء إلى «فتح الإسلام»، لم يضع حداً للنتائج السياسية والأمنية التي خلّفتها عملية فراره والمحاولة الفاشلة للهروب من السجن التي نفذها 7 من زملائه. فالحادثة أظهرت شدة الانقسام داخل المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، الذي يجعل من الصعب عليها توفير إدارة سليمة لعدد كبير من الملفات الملقاة على عاتقها، في ظل تساؤل جدي عن كيفية إدارة وزير الداخلية لضبط الخلافات بين قادتها. كذلك بيّنت الحادثة جلياً التنافس الحادّ بين الجيش ومؤسسة الشرطة، فضلاً عن المسارعة إلى استثمارها سياسياً في المعركة التي لم تضع أوزارها منذ أكثر من 4 سنوات.
التنافس بين الجيش وقوى الأمن الداخلي ظهر في ادعاء كل طرف أن له الفضل في توقيف السجين الفارّ، وهو ما واكبته حملة إعلامية خلال تغطية الخبر. فقد أصدر الجيش بياناً تحدّث فيه عن تمكن «قوة من فوج المغاوير، قبل ظهر اليوم (أمس) من القبض على المدعوّ طه أحمد حاجي سليمان، ينتمي إلى تنظيم «فتح الإسلام» الإرهابي، الذي كان قد فرّ يوم (أول من أمس) من سجن رومية. وقد عُثر عليه في أحد أحراج بلدة بصاليم ـــــ قضاء المتن، قبل أن يسلَّم إلى مديرية الاستخبارات في الجيش للتحقيق معه». إلا أن البيان المذكور لم يكن الرواية الوحيدة التي جرى تناقلها عن عملية التوقيف. فإحدى شاشات التلفزة المملوكة من فريق في الأكثرية النيابية لم تتوقف عن بثّ خبر توقيف «شعبة» المعلومات للسجين الفارّ. وفي الإطار عينه، أكد مسؤول رفيع في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي لـ«الأخبار» أن أحد مخبري فرع المعلومات أبلغ دورية من الفرع مشاهدته شخصاً مشبوهاً خرج من حرج بصاليم ليجتاز أوتوستراد المتن السريع. توجهت الدورية إلى المكان، ولما شاهدها المشتبه فيه، فرّ إلى داخل الحرج مجدداً، فطلبت الدورية مؤازرة من دورية ثانية من «المعلومات» ومن إحدى دوريات فوج المغاوير في الجيش. وبعد ملاحقة المشتبه فيه داخل الحرج، «حيث كان التنسيق تاماً بين الطرفين، وخاصة لناحية توفير دورية «المعلومات» وسائل الاتصال لدورية المغاوير التي طلبت مؤازرة من إحدى مثيلاتها، قُبض على المشتبه فيه الذي تبين أنه السجين الفار».

ضبطت القوى الأمنية هاتفين خلويين في حوزة المجموعة التي حاولت الفرار من السجن

 

أكدت مصادر مطّلعة أن قيادة الجيش حصرت اتصالاتها الاستباقية ببارود وريفي

الأمر لم يتوقف عند التنافس «الطبيعي» بين جهازين أمنيين. فقد مثّلت الحادثة مناسبة لإعادة تصويب السهام «المعارضة» باتجاه «شعبة» المعلومات، والغمز من قناة قيادة المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. وفي هذا الإطار، قال وزير الاتصالات جبران باسيل إن «أفراد «فتح الإسلام» (في سجن رومية) كانوا يملكون هواتف خلوية في السجن بمعرفة المسؤولين الأمنيين الكبار، ويستعملونها من داخل السجن لإعطاء التوجيهات إلى عناصر إسلامية خارج السجن، والتنسيق في عمليات أمنية يُعَدّ لها، كما في عملية محاولة تهريبهم من السجن». وأكّد مسؤولون أمنيون رفيعون لـ«الأخبار» أن القوى الأمنية عثرت في حوزة المجموعة التي حاولت الفرار على هاتفين خلويين صالحين للاستخدام، لكنهم نفوا وجود أي دليل على أن الهاتفين كانا موجودين في السجن بعلم أي مسؤول أمني، لافتين إلى أن هذا الأمر يحسمه التحقيق. وفي الإطار عينه، لفت مسؤول في الأمن الداخلي إلى أن فرع المعلومات كان قد قدم دراسة نفذتها مجاناً شركة فرنسية تتضمن تكلفة وضع أجهزة تشويش على الاتصالات الخلوية داخل السجن، فضلاً عن زرع كاميرات مراقبة، وهو ما يكلف 500 ألف دولار، إلا أن «الخلافات السياسية بين أعضاء مجلس قيادة المديرية منعت من وضع الدراسة قيد التنفيذ».
أما داخل المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، فلم يكن فرار السجين أكثر من واحدة من حلقات سلسلة الخلافات والتباينات داخل قيادة المديرية. الفريق الموالي لقوى 14 آذار في المؤسسة ألقى باللائمة على قائد الدرك العميد أنطوان شكور، متهماً إياه بالتقصير في اتخاذ إجراءات كانت كفيلة بمنع حصول عملية الفرار. ويتخذ الفريق ذاته، الذي كان شكور معارضاً لسياساته في المديرية طوال السنوات الثلاث الماضية، دليلاً على اتهامه بأن شكور هو الذي تتبع له إدارة السجون في لبنان. إلا أن قائد الدرك كان على الدوام يرفع المسؤولية عن نفسه عبر القول إن الضباط العاملين في سرية السجون معينون من المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، وبالتالي، فإن شكور ليس مسؤولاً عن أعمالهم.
المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي كان واضحاً في أحاديثه لناحية «عدم وجود رغبة لديه بالخوض في أي سجال مع أي طرف»، مبدياً استعداده لتحمّل مسؤولياته كاملة. ورغم ذلك، فإن ضباطاً مقربين منه يتحدثون عن «وقائع لا يمكن تجاهلها، حصلت خلال اليومين السابقين لفرار الموقوف». وتتلخص هذه «الوقائع» بالآتي:
1ـــــ «يوم السبت الفائت، أبلغت قيادة الجيش وزير الداخلية والمدير العام لقوى الأمن الداخلي عن توافر معلومات لديها تتحدث عن الإعداد لفرار أشخاص من داخل السجن المركزي في جونية. وقد أبلغ قائد الجيش العماد جان قهوجي، قائد الدرك العميد أنطوان شكور بهذه المعلومات. وإضافة إلى ذلك، أبلغت المديرية العامة للأمن الداخلي العميد أنطوان شكور بالمعلومات الواردة من قيادة الجيش خطياً، وكذلك أُبلغ فرع المعلومات بمضمون برقية الجيش».
2ـــــ «يوم الأحد 16 آب الجاري، نقل وزير الداخلية زياد بارود المعلومات التي تلقاها من قيادة الجيش إلى المدير العام لقوى الامن الداخلي».
3ـــــ «استُقيت هذه المعلومات من موقوف لدى مديرية استخبارات الجيش من آل «ح»، وهي لم توضح الأشخاص الذين يُعدّون لعملية فرار».
4ـــــ «حتى الساعة الثانية من بعد ظهر الأحد، كان ضابط فرع المعلومات الذي يخدم في سجن رومية قد أبلغ رتباء الخدمة والمراقبين العامين في سجن رومية وضابط الدوام والطبيب المناوب بوجود معلومات عن إمكان محاولة بعض السجناء الفرار».
5ـــــ «يوم الاثنين 17 آب الجاري، كرر ضابط فرع المعلومات في سجن رومية ما جرى في اليوم السابق لناحية إبلاغ من يعنيهم الأمر بمضمون تقرير استخبارات الجيش».
6ـــــ «يوم الاثنين، كان على علم بمضمون التقرير كل من المدير العام لقوى الأمن الداخلي، وقائد الدرك، وقائد سرية السجون، والضباط المناوبين في سجن رومية، ضباط فرع المعلومات المعنيين بالأمر، وآمري سجون رومية، وآمري مباني السجون، وغرفة عمليات المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي وغرفة عمليات وحدة الدرك الإقليمي».
وتشير المصادر ذاتها إلى أن أي إجراءات استثنائية لم تتخذ في السجن، لافتة إلى أن «الوقائع المذكورة أعلاه نُظِّمَت في تقرير قُدِّم إلى وزير الداخلية».
في المقابل، يرفض قائد الدرك العميد أنطوان شكور استباق نتائج التحقيق الذي تجريه المفتشية العامة لقوى الأمن الداخلي والقضاء العسكري، كل على حدة. ويكتفي شكور بالقول إنه يتحدى إبراز وثيقة خطية تثبت أن يكون أحد ما قد أبلغه بوجود معلومات عن إمكان هروب شخص ما من السجن المركزي في رومية. وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن مصادر وثيقة الصلة بالعلاقة بين الجيش وقوى الأمن الداخلي تؤكد أن قيادة الجيش اكتفت بإبلاغ وزير الداخلية بما في حوزتها من معلومات، فضلاً عن إخطار المدير العام لقوى الأمن الداخلي بذلك، احتراماً منها للتراتبية الإدارية.
وفيما نوّه رئيس الجمهورية بالجهود التي بذلها وزير الداخلية زياد بارود والجيش في معالجة ما جرى في سجن رومية، أعلن وزير الدفاع إلياس المر تجديده للثقة بالجيش الذي برهن أنه أهل للثقة وعلى مستوى تطلعات اللبنانيين وآمالهم. أما النائب ميشال عون، فرأى عدم جواز «أن نكون عاجزين عن إجراء التشكيلات لضباط قوى الأمن في المناطق والسجون».
وبعيداً عن كل ما قيل، طرح أكثر من مسؤول أمني تساؤلات عن قدرة أي وزير للداخلية على ضبط التناقضات داخل قيادة الأمن الداخلي، في ظل الدعم السياسي الذي يلقاه كل واحد من أفرقاء النزاع فيها. وذكّر هؤلاء بأن الوزير زياد بارود كان قد وجه تحذيراً إلى قيادة المديرية قبل نهاية عام 2008، طالباً منها إجراء مناقلات عامة للضباط، والبدء بقوننة أوضاع القطعات المستحدثة، وعلى رأسها «شعبة» المعلومات. إلا أن المديرية لم تنفّذ طلب بارود، من دون أن يغيّر ذلك في واقع أمورها شيئاً.



توقيف قائد سرية السجون

 

لم يكتف المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي بالعقوبة المسلكية التي قررها وزير الداخلية زياد بارود، القاضية بسجن كل من آمر مبنى سجن الموقوفين وضابط الدوام في سرية السجون المركزية والمراقبين العامين في سجن الموقوفين وحراس الطبقة الثالثة في المبنى ذاته. إذ أصدر ريفي قراراً بتوقيف كل من قائد سرية السجون العميد إلياس سعادة، وآمر المبنى «د» في سجن الموقوفين في رومية. قضائياً، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية أمس على ضابطين ورتيبين و4 أفراد من الأمن الداخلي، من العاملين في المبنى «د»، بجرم «الإهمال في القيام بالوظيفة»، وأحالهم على قاضي التحقيق العسكري القاضي مارون زخور. وبعدما استجوبهم الأخير، أصدر مذكرات توقيف وجاهية بحقهم سنداً إلى مواد الادعاء. واستغرب أمنيون وقانونيون قرار زخور، لأن «الإهمال في القيام بالوظيفة ليس جرماً جزائياً يقتضي التوقيف بأمر قضائي، بل هو ممّا يُحاسَب عليه الضباط إدارياً».

Script executed in 0.19550895690918