أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

كزدورة رمضانية في شوارع الضاحية، بين ملاحظات كهولها ونكات شبابها!

الجمعة 21 آب , 2009 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,691 زائر

كزدورة رمضانية في شوارع الضاحية، بين ملاحظات كهولها ونكات شبابها!
على مقربة من مطعم «الخليل» الواقع على تخوم منطقة حارة حريك، ينصرف شابان لتحديد وجهة السير الجديدة. الشاب الأول يرتدي بزة زرقاء، وهي تابعة للبلدية. أما الشاب الثاني فهو تابع ﻟ«حزب الله»، ما تدل عليه سترته الممهورة بختم: «انضباط».
يقول شاب «البلدية» إن وجهة السير قد تم تعديلها منذ اقتراب شهر رمضان، وذلك بهدف تخفيف زحمة السير. وعليه، فقد أصبح على السيارات التوجه عبر شارع «المخيم» للوصول الى عين السكة: هذا هو التعديل الأول. أما «الجديد الثاني» فيكمن في توجيه السير من ساحة عين السكة اياباً، الى الممر الأمامي.
حمل يوم الأمس بالنسبة إلى البعض اسم «سيبانة رمضان». والناس، في الضاحية (وخارجها)، يختلفون حول تحديد شهر رمضان: هل يبدأ اليوم الجمعة، أم السبت، أو ربما الأحد؟ وذلك تبعاً لأي مرجع من المراجع يقلّده المسلمون الشيعة.
تزداد حرارة الشمس المزعجة، فالساعة قد تجاوزت الواحدة ظهراًً. يعلو صوت أبواق السيارات. تطغى الأحاديث الرمضانية على سواها، وتطغى أيضاً على تلك السياسية.
إلى اللقاء يا بحر الصيف
«السيبانة» هي سمة، أو فعل، يتفق حوله الجميع. وفي السنوات العادية، ترمي إلى توديع أيام الأكل والشرب. أما في رمضان الحالي فقد أضيف إلى لائحة التوديع بند آخر، أو حاجة ماسة، سيفتقدها الناس لثلاثين يوماً: السباحة. وعليه، يخيل لأي زائر في الضاحية، أمس، أنه يوم أحد.. الجميع ـ تقريباً ـ في البحر.
يقف رجل عجوز على ناصية الطريق في منطقة بئر العبد. يتكئ بيده اليمنى على كتف فتى صغير، ويحمل باليسرى عكازاً خشبياً. يتحسر الرجل الضرير على أيام زمان قائلاً: «سقى الله تلك الأيام يا عمو، أنا مظبوط أعمى، بس كنت شوف هيدا الشهر أحلى شهر بحياتي». نبرة الرجل السبعيني تحمل تكهنات مبطنة، وهو ربما يفضل الاحتفاظ بها لنفسه، لكن محاولة صغيرة لن تؤثر سلباً: «ماذا عن هذا العام؟ ما الضير فيه؟».
تفلح المحاولة. فيسهب أبو أحمد بنبش ذكريات الضاحية القديمة، لافتاً الى أنه، في تلك الأيام، «حتى عندما كان يأتي رمضان في عز الحر والصيف، كنا ننتظره على أحر من الجمر، على عكس هذا الجيل. فلو أتيح للبعض، لكان قد حذف هذا الشهر من قاموسه». ما هو افطار «عمو»؟ يبتسم ثم يردف: «الحمد لله.. مستورة».
هل تصح قراءة أبي أحمد في شباب اليوم؟
«رمضان الماضي، عملت 7 خناقات»
تدخل سيدة محجبة الى دكان «الأصدقاء». يستقبلها صاحب الدكان بالابتسامات المرحبة. تتبضع السيدة ما تحتاجه من مؤن وضرورات «رمضانية»، فـ«السيد محمد حسين فضل الله أعلن الجمعة أول أيام رمضان»، تنبس بهدوء. تدفع السيدة ما تيسر من مال، وتطلب تسجيل الباقي على الحساب. لا يعلق بلال على قصة «الحساب»، بل يفضل تناول «هذه الابتسامات التي ستختفي، بدءاً من يوم غد»، يقول. ويضيف: «يا زلمي.. ما حدن إلو خلق ع التاني برمضان. قصدي أنا والزبون».
في شهر رمضان، يخف بيع السجائر والمكسرات، ويزداد الطلب على الزيوت والمشروبات والأرز. وفي هذا الشهر الكريم، لا تختل موازين الربح والخسارة في حسابات أصحاب المحال التجارية، كالدكاكين مثلاً، اذ أن «اللي ما ح تاكله العالم الصبح.. ح تاكله وبشهية أكبر، بالليل»، يقول بلال الذي سيكسب، هو وشريكه في الدكان، ساعة نوم إضافية صباحاً، «لأنو برمضان، طبيعي تأخر فتح الميني ماركت شوي».
يقال أن شهر أيلول، طرفه بالشتاء مبلول. أما آب فهو اللهّاب. وهذا الوجه «اللّهاب» بات حديث الساعة، ليس مع حلول رمضان فحسب، وإنما منذ أسابيع خلت. لكن الحديث احتد حول التحضيرات «التكتيكية» لمواجهة ما يتربص برمضان من قيظ آب و«لهيب» الأسعار.
يسخر حسن مونّس من «نصائح أمي العتيقة» للجم العطش في أثناء الصيام. فيعلق ساخراً: «قال الوالدة بدها تشربني قمر الدين ع السحور، وقال هيك منبطل نعطش». مونس، ابن الخامسة والعشرين ربيعاً، لا يحبذ فكرة السحور من أصلها، بل يكرهها عن بكرة أبيها: «في الشتاء، إذا استيقظت لتتسحر، فمن اليسير أن تعود الى النوم.. لكن كيف الحال بنا والكهرباء مقطوعة، والحر قاتل؟! كلا، أفضل النوم بشرف!».
لا يزال رأي أبي أحمد غير مثبت، إلى حد ما.
ومنذ عدة أيام، بدأ حسين سيف الدين بتحضير نفسه لمواجهة هذا الشهر. بيد أن تحضير الرجل لا يندرج في خانة «تكتيكات» مواجهة الحر، بل يسعى سيف الدين الى ترويض أعصابه بشتى الوسائل: «في رمضان الفائت، تعاركت بالأيدي مع سبعة أشخاص، 7 مشاكل!». ويصب الرجل كل غضبه على سائقي «الفانات»، لافتاً الى أنه «يا أخي.. والله بيكفرّوني، لك نصّن ما بيصوموا! وبيقضوها عم يدخنوا متل ما الله عاطيهن!». إذاً، الشوق إلى السيجارة هو السبب.
فهو يدخن في الأيام العادية، «يعني اذا ما كنت معصب، علبتين». أما الإفطار فله مشاكله أيضاً: «زوجتي مريضة، فكّر بطعامي أنا والأولاد.. ثم، أنا مضطر لدعوة الزملاء في العمل، وتبين لي أن أرخص افطار في أتفه مطعم يكلف 25000 ليرة على الشخص الواحد!».
الهدوء.. هوايتي!
هل سمعتم يوماً، بالهدوء كهواية؟ ربما. جاد يهوى الهدوء، لمدة نصف ساعة يومياً، في شهر رمضان: «لأجل الهدوء، أنتظر شهر رمضان. ووقت الإفطار، أخرج إلى الساحة، أجلس، وأدخن. يكون الطريق مقفراً.. أوووه».
ولا تتوقف «الجلسات الرمضانية» عند مطلب الهدوء، فهنا، في عين السكة، يشرح الفتى العاطل عن العمل، عن جمالية المشهد في «العين» بعد الإفطار: «يا رجل، تخيل انو عين السكة بتصير الداون تاون!». كيف؟ ببساطة، «تخرج الصبايا للكزدورة والتبضع في السوق. وهن يكن أكثر حيوية ونشاطاً بعد الإفطار، فتغدو الابتسامات الرمضانية المسائية أجمل. تسألني لماذا لا أصوم، ولّت تلك الأيام يا رجل!». وسرعان ما يضيف مستهزئاً: «لك فيه أكتر من انو هيدا شهر من عند الله، والعالم بيعلقوا أيمتى أول يوم، لأ ومستحيل يعيّدوا سوا.. شو هيدا يا شيخ؟!».
ألا يصيب رأي أبي أحمد، ولو قليلاً؟

Script executed in 0.17225503921509