أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

في استديو الوشم: أجساد تخرج عن صمتها بنقوش توثّق للذات.. واليوميات

الثلاثاء 25 آب , 2009 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 8,725 زائر

في استديو الوشم: أجساد تخرج عن صمتها بنقوش توثّق للذات.. واليوميات

لا رد فعل محايداً اتجاه الوشم. إما الإعجاب والدهشة، بغض النظر عن الإقدام فعلاً على التنفيذ، وإما النفور والرفض المطلق.
لطالما اعتبر بعض الحضارات الجسد «الصافي» أتفه من أن يتقرب إلى إلهه، بل غير جدير بنظرة تقدير، فراح يسمه بما يجعله مميزاً ما دام حيّا، وربما حتى بعد فنائه. وذهبت ثقافات إلى التعامل مع الأوشام على أنها صلاة دائمة، وإن اختلفت وجهات نظر الأديان اتجاهه، تحريماً وقبولاً وتجاهلاً. كما يُنظر إليها، في ثقافات أخرى، كعلامة الانتماء إلى القبيلة أو الجماعة، وأحياناً إلى طبقة النبلاء أو القادة العسكريين، أو حتى كشاهد دائم على جريمة يحملها مقترفها كوصمة عار، طوال عمره، تُشهّر به في العلن، وتذكّره في خلوته بوجوب التوبة.
اليوم، ثمة من يرى الجسد المكتفي بنقائه جسداً صامتاً، لا يملك ما يقوله. وثمة من يفتش عن الرسم الأمثل لتمويه ندبة من جراء حادث، أو عملية جراحية، أو حرق، فيُسكِت صوت تشوّه يزعجه، ويعيد إليه ثقته بنفسه.
ومع اختلاف معاني الوشم، كرمز للمنبوذين أو لحالة روحانية أو لطبقة اجتماعية معينة، فإنه دائماً يعرّف الأشخاص، يصنّفهم ويصفُهم.
يوم في استديو لـ«التاتو» يضع الزائر أمام نماذج الراغبين في ما يخرجهم من دائرة التشابه...
تعلو موسيقى «الهارد روك» إلى أقصى ما يمكن للأذن البشرية تحمّله، وربما أكثر. مكبرات الصوت، بحجم طاولات صغيرة، تحاصر المكان من أربع زواياه. هذه الفتاة العشرينية، المتربّعة على كرسي خاص يشبه سرير المعاينة في عيادة الطبيب، أرخت زر البنطلون الجينز، ورفعت البلوزة القطنية البيضاء فوق خصرها، كاشفة عن المساحة الحنطية الملساء أسفل ظهرها. وها هي، من وقت إلى آخر، تصيح. يُستنتج أنها تفعل، ولا تُسمع. ستتحمّل على مدى نصف ساعة، وستغادر بابتسامة عريضة.
قبل ذلك، كانت الفتاة قد قررت بسرعة أي رسم تنشد للوشم الذي سيتوسّط الموقع ما دون خصرها بحوالى الشبر. قال لها صديق إن التصميم الأحلى لهذه المنطقة من جسد الأنثى هو الـ«سلك الشائك»، فحصرت الموشومة الجديدة تصفّحها لمجلّة التصميمات في صفحات أربع. قارنت بين الرسومات على الورق اللمّاع أمامها، وبين وشم صديقتها الذي يتصدر المكان ذاته. «تاتو» تينا، الجالسة الآن على الكنبة الجلدية السوداء مائلة بجذعها إلى الأمام، يظهر بوضوح، ومن دون أي عناء، فوق خصر بنطالها المنخفض. تذكّر رفيقتها بأنها هي التي طلبت من هادي إضافة «السحلية الفنية» في الوسط لتبدو كما لو أنها تلتف على الشريطين الخضراوين، اللذين يلتفان بدورهما أفقياً من حول الكائن الزاحف، فتلتبس العلاقة بين الآسر والمأسور.
ما زال «الهارد روك» يرجّ الاستديو الرحب الذي اخترع هادي بيضون كل تفصيل فيه. يرتطم زعيق الغيتارات الكهربائية بالجدران العازلة للصوت، في الطبقة الثانية عشرة من المبنى التجاري في جل الديب، ويرتد إلى مركز الغرفة فيزاحم الهواء والأنفاس. هكذا يشتغل هادي. يحدس من يراقبه، وهو يعمل على جلد زبونته الخام، أن الغناء المفعم بعنف الحياة، واللا لحن الضاجّ بذاته، يشدان كل عصب في كيانه وتركيزه. فلا تحيد يده عن خطّها. ولا ترمش عينه خلال متابعة الإبرة، في رأس «المسدّس» الموصول بالكهرباء، لحدود الرسم المطبوع بالحبر أولاً على القماشة البشرية. لن يخفض صوت الستيريو إلا حين ينتهي من آخر أشواك السلك الأسود. فالصخب النقي الذي تغدقه «البافلات»، يموّه أزيز الإبرة المُمكننة، كما على نبرات الوجع تطلقها ـ متقطعة ـ الفتاة بين يديه.
يستحيل طبعاً الكلام مع الموشومة الآن. لكن صديقتها (28 عاماً) لا تمانع الحديث عن تجربتها، هي التي تحمل في ثنايا جسمها 13 وشماً.
13 وشماً في 13 سنة
تسند تينا ظهرها على الجلد الوثير، تشبك ساقيها براحة تتيحها لها قَصّة سروال ـ بل شروال ـ على الموضة، لتخبر أنها «دقّت» وشمها الأول عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها. تدلّ على الشمس وهلال القمر الملتحمين على كتفها من الخلف. آنذاك، كان «التاتو» لا يزال «صرعة» جديدة في لبنان، وهي أرادت لنفسها «شيئاً خاصاً» يميزها، لكنها ظلّت على حذر التجربة الأولى. فاختارت تصميماً صغيراً لا يزيد قُطره عن حجر لعبة الطاولة «ومش حرزان إندم عليه أو إضجر منه». اختارت له في جسمها موقعاً لا تراه، إلا إذا تعمّدت ذلك بمساعدة المرآة. قال لها هادي يومها: ستعودين، فأجابت أن مستحيل. غير أنها عادت، وعادت، وعادت، اثنتا عشرة مرة بعد ذلك، بمعدل زيارة كل سنة. كيف حزر أن موعدها الأول لن يكون الأخير؟ هي نفسها لا تعرف. ترجّح أنه رأى فيها، ببساطة، «البنت التي تحب التاتو»، وهذا التصنيف سيفنّده ألكسندر لاحقاً بعد حبّاً لاثنين: الفن، وخصوصية الفرد.
تستعرض تينا الرسومات على جسمها: الثانية كانت وردة حمراء على المعصم، والثالثة ليست سوى ذاك السلك الشائك مع سحليته والتي تقول إنها «قَبَليّة» الطابع، والرابعة كلمة (faith إيمان) على ذراعها «لأني كنت أمرّ بمرحلة نفسية صعبة وأردت أن أؤكد لنفسي أني أؤمن بالحياة وأني يجب أن أعيشها». والخامسة حبّة فراولة في أعلى فخذها، لا تبان للعيون إلى إذا خطر لها أن ترفع لباس البحر قليلاً فيما تتشمس...
تتعامل تينا مع جسدها كسجلّ يوثّق لمراحل حياتها المختلفة. مدوّنة مشفّرة، لها وحدها، تُعلَن أحياناً للمشاهدة. وهذا ما يُخضِع اختيار مواقع الأوشام لمنطق شخصي للغاية. يمكن للفراولة أن تظهر، فقط إن سمح مزاج صاحبتها بذلك. وكلمة الإيمان يجب أن تجذب انتباهها مرات عديدة في اليوم، على الأقل عندما كانت لا تزال جديدة ومقصودة. برأيها أن أسفل الظهر الموشوم «سيكسي»، أما الصدر، على عكس ما ترى فتيات أخريات، فـ«مبتذل». الخيال الجنسي حاضر إذاً، وله أيضاً معاييره.
وكما قد يقرأ الواحد منا دفتر يومياته، ويضحك مما كتبه بيده في مرحلة المراهقة، تعتبر تينا اليوم وشمها الأول «طفولياً»، وإن كانت لا تندم على أي من الأوشام التي نفّذتها، لأنها كلها.. هي. ومع ذلك تفكر في «تصحيح» الشمس والقمر بمساعدة هادي، مما يعني أنها «ستدقّ» فوقهما رسماً آخر يخفيهما.
«جسمي.. وأنا أقرر»
ألكسندر صديق هادي، يمضي أوقاتاً طويلة معه في الاستديو. هو من سنّ تينا، ومعظم القسم الأيمن من ظهره مشغول بتفاصيل وجه أسد. فيما لا يحمل الكتف الأيسر سوى «آثار مخالب»، مرّرها ملك الغابة، بودّ، على جلد صاحبه الذي تكبّد ألفاً وخمسمئة دولار، وخمس ساعات من الألم، لاقتنائه إلى الأبد.
هو أيضاً من مواليد برج الأسد، لكنه اختار القط الكبير لأنه «من أجمل الحيوانات، ورمز القوة»، خصوصاً أنه تقصّد رسمه هادئاً، وليس في حالة شرسة أو تستعد للوثب: «إنه لي وحدي، وليس لعيون الناس، إلا إذا كنت على الشاطئ... وأفكر في إكمال العمل على ظهري كله»... ظهره الذي تلقى «خربشات» الأسد قبل وجهه، وكان ألكسندر قد وَشَمها وهو ابن ستة عشر عاماً، عندما قرر والداه خوض طلاقهما. حينئذ لم يعترضا، ولو فعلا ما كان ليهتم، كما يقول، «فهذا جسمي وأنا أقرر».
كأن استديو هادي بيضون كان جسماً خاوياً وواسعاً، قرر أن يملأه بشخصيته. لا ألوان في أساسيات المكان، تماماً كما الجسد الأول. الجدران والكنبات والطاولات لا تحيد عن الأبيض والأسود والرماديات بينهما. بعض اللوحات المعلّقة بعناية، تلك الأجساد التي رسمها هادي، هي بالأبيض والأسود أيضاً. لكنها ملونة برسوم «التاتو»، تصميمات جريئة وبعضها من نسج الخرافة.
هنا لوحة بالغوامق الليلية، أسود ونيلي وليلكي، «بروفيل» امرأة إفريقية، فوق رأسها مخلوق متخيل تتتدلى مجسّاته على جبينها وخدّها. وهناك غيتار كهربائي، رشّ بالصباغ الأحمر والأزرق والأصفر، ليظهر عليه وجه يضحك. ضحكة قوة، قد تفسّر شريرة. غير أنها أقرب إلى الثقة واليقين، وربما الاستهزاء بكل من لا يعرف أمراً يدركه جيداً هذا الوجه. ثمة ما يذكّر بـ«غرافيتي» الشوارع، أشهر وسائل التعبير وتحدي المنظومة السائدة.
نقيض الاحتراف؟
ها قد دخلت ناديا (25 عاماً). ستأخذ وقتها، وزيادة، قبل أن تحسم موقع وشم اسمها بالعربية. يعجبها شكل اسمها، خصوصاً إذا ما تعانق حرفا الألف، فبدوَا وكأنهما يسموان إلى الأعلى. في ذلك شيء من الروحانية، كما تقول... بالإنكليزية. تسأل هادي، في البداية عن أسفل الظهر (لماذا تتمتع هذه المنطقة من جسم الأنثى بكل هذه الشعبية؟). غير أنه ينصحها بأحد كاحليها، لأنها تريد الرسم صغيراً، وسيبدو «فقيراً» إن وضع على مساحة كبيرة كالتي تقترحها. تكمن معضلتها الرئيسية في حرصها على تقنين ظهور الوشم المنشود. فهي موظفة، تذهب إلى العمل كل صباح بزيّ رسمي. تخشى تناقض «التاتو» مع مظهر الاحتراف المهني. ألهذا السبب بالذات، تريد إضافة لمستها الخاصة على جسمها؟ تلف الآن طرف الجينز فوق كاحليها وتستعرض في المرآة طبعة اسمها بالحبر الزائل عليهما. واضح أنها حائرة. تصوّر قدميها، بالهاتف الخلوي، وترسل الصورة لأحدهم، ثم تنتظر رسالة نصّية برأي ثان...
في هذه الأثناء كانت صبية السلك الشائك تعيد إسدال بلوزتها البيضاء فوق ضمادات، ألصقها هادي فوق «التاتو» الطازج، والتي لن تزيلها قبل يومين على الأرجح. تغادر الاستديو مبتسمة، كمن أصبحت منذ الآن.. هي، بإرادتها الخاصة.
لكن، كم فتاة غيرها تحمل الوشم ذاته... وأيضاً أسفل الظهر؟

Script executed in 0.17910408973694