أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

من يحرّك الملف الأمني مجدّداً في طرابلس؟

الأربعاء 26 آب , 2009 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,075 زائر

من يحرّك الملف الأمني مجدّداً في طرابلس؟


ماذا يجري في طرابلس؟ ولماذا ارتفع الضجيج السياسي مجدداً حول خط التماس المسمّى شارع سوريا، والفاصل بين منطقتي باب التبانة وجبل محسن، بالتزامن مع عودة التوتر الأمني إلى المنطقة بفعل القنابل المجهولة المصدر التي تُرمى في كل اتجاه؟
بدأت القضية يوم الخميس الفائت، عندما دهمت قوة تابعة للأمن الداخلي منزل أحد المجندين العاملين فيها، ويدعى فادي ي. وهو قريب أحد زعماء المجموعات المسلحة في طرابلس سمير. ح. الذي خاض معارك دموية ضد مسلحي الحزب العربي الديموقراطي المنتشرين في منطقة جبل محسن ذات الأغلبية العلوية. وبات سمير يمثل عنوان التهمة الموجهة إلى حزب الله بخلق توتر أمني ـــــ مذهبي في طرابلس.
في منزل المجند، عثرت قوى الأمن الداخلي على رشاش متوسط عدد 2 وقاذفين من نوع «آر بي جي» و4 رشاشات كلاشنيكوف مع كمية من الذخائر. وبحسب مسؤول رفيع في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، فإن أحمد ح. والد زوجة المجند الموقوف، هو مالك الأسلحة المصادرة، بالوكالة عن شقيقه سمير.
مباشرة، خرج تيار المستقبل ليسوّق نظرية عبر عدد من سياسييه وأمنييه، بالقول إن حزب الله يسلّح مجموعات في طرابلس. النائب السابق مصطفى علوش رأى أن «من المرجح أن يكون لمخزن الأسلحة المكتشفة في طرابلس علاقة بحزب الله». وعندما سئل علوش عن الأمر في اليوم التالي، شدد على أن ما تحدث به لا يهدف إلى خلق فتنة سنية شيعية، طالباً «التعاون مع حزب الله لتوضيح الأمور». وعندما سألت «الأخبار» علوش، أمس، عن الأمر، أجاب بأنه خارج البلاد ولا يملك معلومات إضافية. إلا أن أحد نواب كتلة المستقبل كشف لـ«الأخبار» أن النائب سعد الحريري أصدر تعميماً منع فيه نواب التيار ومسؤوليه من إثارة أمور خلافية. وحصر النائب ما تحدّث عنه علوش في إطار «الشؤون الطرابلسية».
لكن توقف علوش عن ترداد روايته، وعدم تلقفها من إعلام «المستقبل» لم يمنع انتشارها على الصعيدين الشعبي والسياسي. في طرابلس، تعيش بعض الأحياء أجواءً من التوتر الأمني تذكّر، بحسب أحد الأمنيين، بالفترة السابقة لأحداث أيار 2008. أحد هؤلاء الأمنيين كان يؤكد دوماًَ أن المعارك التي تحصل على خط الاشتباك بين التبانة وجبل محسن تتحرك بقرار سوري. وذهب الرجل إلى أبعد من ذلك لينفي أي دور لتيار «المستقبل» في الأحداث التي وقعت بعد أيار 2008 في المنطقة، مؤكداً أن المعارك التي شهدتها طرابلس في ذلك الحين، واتخذت طابعاً مذهبياً بين مسلحين سنة وآخرين علويين، كان طرفيها حلفاء لسوريا، الأمر الذي يثير الاستغراب، وخصوصاً أن قادة في قوى الأمن وفي تيار «المستقبل» كانوا خلف كل اتصالات التهدئة: إذ كيف يمون المستقبل على وقف إطلاق النار إذا كان المسلحون على غير صلة به؟

«المستقبل» يتّهم سوريا وحزب الله بالوقوف خلف التوتّر على الأرض

 

عيد يناقش الحريري سياسياً ويتّهم فرع المعلومات بالتوتر بحماية الفوضويين

سمير ح. ومحمود أ. كانا من قادة مجموعات باب التبانة. والأول، بحسب مسؤولين في «المستقبل»، يحظى باحترام واسع في المنطقة، وهو من الذين قاتلوا إلى جانب القائد المحلي الراحل خليل عكاوي في الثمانينيات، وكان قد سجن في سوريا في وقت لاحق. لكنه كان قائداً بارزاً في الأحياء ذات الغالبية السنية في طرابلس، ولم يُنظَر إليه يوماً على أساس هويته المذهبية. وبعد الخروج السوري من لبنان، كان سمير، وشقيقه أحمد ومحمود الأسود، من الذين التحقوا بالموجة الجارفة لتيار المستقبل، وممن اعتمد عليهم التيار لتأطير الحالة الشعبية المؤيدة في التبانة. وكان هؤلاء على علاقة مع المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي الذي لا ينفي ذلك. وفي الأحداث التي تلت أيار 2008، يقول مسؤولون في الحزب العربي الديموقراطي إن هذين القائدين المحليين عملا عسكرياً لحساب تيار «المستقبل». وبعد المصالحة التي أوقفت القتال على طرفي شارع سوريا، يقول مسؤولون أمنيون من تيار المستقبل إن «سمير عاد للتواصل مع مسؤولين أمنيين سوريين، قبل أن يدخل حزب الله على الخط».
وبعد «انقلاب» سمير ومحمود على تيار «المستقبل»، أخرجت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي من الأدراج ملفات قديمة للرجلين. أوقف الأول لمدة 20 يوماً، قبل أن يخلي القضاء سبيله. أما الثاني، فقد تحرّك فجأة ملف قضائي قديم العهد يتهم فيه بارتكاب جريمة قتل. توارى سمير الحسن عن الأنظار، ويقول مسؤولون مستقبليون إنه يعيش في الضاحية حيث يحميه حزب الله. ومن هناك، تضيف رواية الأمنيين، يدير سمير مجموعاته. وعندما يُسأل أحد المسؤولين الرفيعين في قوى الأمن الداخلي عن سبب عدم فتح ملفه في الأيام السابقة لانقلابه على تيار المستقبل، يجيب بأن الرجل «لم يكن متورطاً في أي عمل أمني، لكنه عندما أراد التأثير على أمن المدينة عبر تنظيم مجموعات وإرسالها للتدرب عند حزب الله، حركت المديرية ملفه القديم».
ويوم الخميس الفائت، وبعدما دُهِم منزل المجند، بدأ الحديث عن معلومات في حوزة قوى الأمن الداخلي تتهم سمير برمي القنابل باتجاه منطقة جبل محسن. وعند طرح سؤال عن هذه المعلومات على المعنيين في المديرية، ينفون الوصول إلى «وقائع موثوقة تدينه»، إلا أنهم يحيلون السائل على الجيش، قائلين إن قوى الأخير أوقفت شخصاً «اعترف برمي قذيفة إنيرغا باتجاه جبل محسن، وإنه ادّعى أن محمود أ. هو من كلفه بذلك». لكن التدقيق بالرواية عند المعنيين في الجيش يظهر غير ذلك، إذ ينفي مسؤول أمني مطلع على شؤون المؤسسة العسكرية أن تكون التقارير الواردة من الشمال قد تحدثت عن تورط سمير أو محمود بتوتير الوضع الأمني بين التبانة وجبل محسن. وإضافة إلى ذلك، فإن المسؤول ذاته ينفي أن يكون محمود قد استمر بالتواصل مع حزب الله. بدوره، نفى محمود نفسه نفياً قاطعاً، في اتصال مع «الأخبار»، كل ما يقال عنه. أما سمير، فتعذر الاتصال به.
لكن رواية الأمن الداخلي لم تتوقف عند هذا الحد. إذ يقول ضابط رفيع فيها إن مسؤول العلاقات السياسية في الحزب العربي الديموقراطي رفعت علي عيد يتهم سمير ومحمود باستهداف منطقة جبل محسن، ليس لحسابه. ويضيف المسؤول أن عيد ممتعض من تصرفات حزب الله في طرابلس، التي تؤدي إلى تحويل العلويين في المدينة إلى «ضحية في البازار السياسي». وهو أمر ينفيه عيد، برغم أن مسؤولين في حزبه يؤكدون أن في حوزتهم معلومات تؤكد تورط سمير ومحمود في توتير الأوضاع الأمنية في المنطقة.
ويقول عيد إن مسؤولَين في المعارضة التقيا أخيراً، كل على حدة، الرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري، ونقلا عنه قوله إن رئيس الحزب العربي الديموقراطي علي عيد زاره وشكا إليه تصرفات حزب الله في طرابلس. ويكرر عيد نفيه أن يكون هو أو والده قد تحدثا بأمر مماثل أمام أحد. لكنه أشار إلى أنه تلقى اتصالاً هاتفياً أمس من مدير مكتب الحريري، نادر الحريري، نفى خلاله الأخير أن يكون سعد الحريري قد تحدّث بما يُنسَب إليه. وهاجم عيد فرع المعلومات «الذي يعد طرفاً في الصراع السياسي، ولا يمكن الركون إلى المعطيات التي يقدمها». وعن سمير ومحمود وغيرهما من قادة المجموعات في طرابلس، قال عيد إن هذه المجموعات مخترقة من عدد كبير من الأطراف، بدءاً بفرع المعلومات وتيار المستقبل، وصولاً إلى السلفيين.
وكان عيد قد صرح أمس لقناة «الجديد» بأن موضوع الشغب الحاصل في طرابلس وباب التبانة «يعود إلى رواسب الحرب وعدم إجراء مصالحات فعلية بين الأهالي»، موضحاً «أننا لا نعرف من نقاتل في باب التبانة وجبل محسن، ونسأل ما هو المطلوب لنعرف كيف نتعاطى مع الأمر؟». وكشف عيد أن «لدينا ما يكفينا من السلاح للتصدي للخطر الذي يتهددنا»، متمنياً على كل الطائفة العلوية «عدم الانجرار إلى الاستفزازات الأمنية». وأعلن أن «هناك علامة استفهام كبرى حول الجهاز الأمني والأمن الداخلي في تعاطيها مع باب التبانة».
وتساءل «ماذا يفعل رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري عندما يفرض نواباً على الطائفة العلوية؟ وإذا لم يعترف بحقنا فكيف يريدنا أن نعترف به رئيس حكومة حامياً لنا ولطائفتنا؟». وأوضح أنه «لغاية الساعة لم نأخذ حقوقنا من الدولة، لجهة التوظيف في مختلف مؤسساتها».
ورأى أن «أمراً ما يركّب في بعل محسن وباب التبانة»، مشيراً إلى أن «المؤسسة العسكرية هي المستهدفة». وكشف أن «هناك مجموعات غير سليمة دعمت في وقت ما، وهي تحضّر لشيء أمني ما». ورأى أنه «ليس مسموحاً أن يطغى أحد فوق سلطة الجيش»، مشيراً إلى أن «فرع المعلومات برئاسة وسام الحسن، طغى على قوى الأمن الداخلي». وأوضح أن «الجيش يؤمن حماية اللبنانيين، بينما فرع المعلومات يؤمن حماية الفوضويين».



أوراق للحرق

 

يستغرب مسؤولون أمنيون إثارة تيار المستقبل لملف التسلح في طرابلس، عبر ربط مسلحين بحزب الله، علماً بأن هؤلاء المسلحين «كانوا من الذين اعتمد عليهم «المستقبل» خلال معارك أيار 2008، والجميع يعرفون أن في حوزتهم أسلحة، كما غيرهم من القادة المحليين في المنطقة، فلماذا استهجان وجود بنادق حربية في منازل تابعة لأحدهم؟». ويقول مصدر عسكري إن تيار «المستقبل» وفرع المعلومات «يستخدمان هؤلاء الأشخاص كأوراق لعب، ثم يتخلون عنهم بعد إحراقهم». أما هجوم رفعت عيد على سمير ح. فمردّه، بحسب الضابط ذاته، إلى أن «خصوم سوريا في الشمال أرادوا في إحدى المراحل تقديم سمير كأحد منافسي عيد على الساحة العلوية في طرابلس، إلا أنهم فشلوا بذلك لأن جماعة عيد تعاملوا مع سمير كخارج على المذهب، وخاصة أنه كان تاريخياً يقاتل ضد حزب عيد». ويرى مسؤول رفيع أن كل ما أثير ليس أكثر من محاولة لإحراج حزب الله في الوقت المنوي تضييعه قبل تأليف الحكومة.

Script executed in 0.18934917449951