أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هكذا قرر فضل الله أن «يبق البحصة»

الجمعة 28 آب , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,967 زائر

هكذا قرر فضل الله أن «يبق البحصة»
شكل الموقف الاخير للمرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله حيال بعض طروحات البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير مفاجأة للكثيرين، ممن يعتبرون ان فضل الله صنع لنفسه خلال السنوات الماضية خصوصية في الموقع والخطاب، نأت به الى حد كبير عن الانزلاق الى الاصطفافات الحادة واللغة الصدامية، لصالح دور أكثر شمولية وسعة، يتناسب مع ما يمثله فضل الله من مرجعية فقهية وسياسية على المستويين الشيعي واللبناني.
من هنا، جاء النقد الصريح والقاسي الذي وجهه فضل الله الى صفير خلال حفل إفطار جمعية التعليم الديني الاسلامي، «خارج سياق ما هو معتاد في سلوك فضل الله وأدبياته»، كما يقول الرافضون لكلامه. وبطبيعة الحال، لم تتأخر «الهزات الارتدادية» لكلام «المرجع الشيعي»، فوضعته الامانة العامة لـ 14 آذار في إطار حملة مبرمجة تستهدف صفير «الذي يمثل بمواقفه حماية للبنان السيد الحر والمستقل»، معتبرة ان انخراط بعض المرجعيات في هذه الحملة «هو فصل من فصول التعرض للأسس التي قام عليها الكيان اللبناني»، فيما فضل الرئيس المكلف سعد الحريري «الرد المموّه» من خلال تأكيده «ان لبنان يبقى مكانا للقاء والحوار، عنوانه المناصفة الدائمة والثابتة بين المسيحيين والمسلمين مهما كانت الاعداد والديموغرافيا»، في تعليق غير مباشر على تلويح فضل الله بالديموقراطية العددية.
وكان فضل الله قد قال ان مجد لبنان لم يُعط إلا لشعب لبنان المجاهد والمقاوم، ورد على مقولة صفير بوجوب ان تحكم الاكثرية وتعارض الاقلية كما يجري في كل النظم الديموقراطية، متسائلا: إذا كانت المسألة هي مسألة الاكثرية، فلماذا تحصرونها بالاكثرية النيابية. نحن ندعو الى الاكثرية الشعبية والى الاستفتاء الشعبي والديموقراطية العددية، فعندها يعطي الشعب كلمته.
لكن، ماذا عن القصة الحقيقية للخطاب، وما هي أبعاده الحقيقية؟
بداية، لا بد من لحظ ان المسار البياني للعلاقة بين البطريرك صفير ومرجعيات الطائفة الشيعية قد اتخذ مؤخرا منحى انحداريا، مع تراكم المآخذ المتبادلة وانسداد أقنية الحوار، وهذا ما تجلى في غياب كل أشكال التواصل المباشر وتحول الاثير حصرا الى «ساعي بريد» ينقل المواقف المتشنجة في الاتجاهين.
وليس خافيا ان الجانب الشيعي ممتعض كثيرا من الانتقادات التي وجهها البطريرك في محطات عدة الى خيارات المعارضة و«حزب الله»، سواء قبل الانتخابات او بعدها. وقد عكس السيد نصر الله علنا هذا الامتعاض الشديد في أحد خطاباته حين سأل كيف يفهم البطريرك فوز المعارضة تهديدا للكيان، وهل ما فعلته اسرائيل ولا تزال، لا يستدعي منه ان يتحدث عن تهديد الكيان. كما ان نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الامير قبلان اعترض على مواقف صفير في اكثر من مناسبة، بينما ثمة من يرى ان الرئيس نبيه بري يحبس في صدره ملاحظات كبيرة على سلوك بكركي ومواقفها.
وفي المقابل، يشعر صفير بقلق من سلاح المقاومة وبقائه خارج الدولة، ومن التحالف مع سوريا وإيران، الذي يهدد برأيه المصلحة الوطنية وهوية لبنان. وما زاد قلقه ان العماد ميشال عون أصبح، من وجهة نظر سيد بكركي، يشكل امتدادا لكل هذه التركيبة ومخاطرها داخل المناطق المسيحية.
وسط هذا المناخ، اعتلى فضل الله منبر حفل الافطار قبل ايام، وألقى كلمة مكتوبة كانت خالية من أي إشارة سياسية الى البطريرك، وقد عمد مكتبه الاعلامي الى توزيع نص هذه الكلمة على وسائل الاعلام قبل إلقائها، من باب تسهيل التغطية الاعلامية.
لكن فضل الله ارتأى خلال الكلام ان يخرج عن النص ويرتجل «إضافة» من وحي النقاش الحاصل في البلد حول كيفية تشكيل الحكومة، وهل تكون أداة لقياس الديموقراطية التوافقية ام مبدأ الاكثرية والاقلية، ولا سيما ان كلام صفير بهذا الصدد كان يستحق التعليق، علما بأنها ليست المرة الاولى التي ينتقد فيها فضل الله البطريرك الماروني، إذ سبق له ان اعتبر ان صفير ارتكب خطأ كبيرا عندما ارسل مندوبا عنه للصلاة على جثمان أحد مسؤولي ميليشيا لحد العميل عقل هاشم الذي اغتالته المقاومة، إبان الاحتلال الاسرائيلي للشريط الحدودي.
وما شجع فضل الله خلال إفطار جمعية التعليم الديني الاسلامي على مناقشة صفير في طروحاته ـ كما تشرح أوساط شيعية مؤيدة له ـ انه شدد في مستهل كلامه على أنه لا قدسية لأحد يتعاطى في الشأن العام، سواء أكان رجل دين ام رجل سياسة، من دون ان يستثني نفسه. وهو استشهد في هذا المجال بحديث للامام علي جاء فيه: «لا تكلموني بما تكلمون به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يُتحفظ به عند أهل البادرة (أي كبار العرب او اهل السيف)، ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي او في عدل يُعرض علي، فإن من استثقل الحق ان يقال له والعدل ان يعرض عليه، كان العمل بهما عليه أثقل. فلا تكفوا عن مقالة بحق او مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق ان أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلا ان يكفي الله من نفسي ما هو أملَك به مني».
وترى الاوساط الشيعية المؤيدة لفضل الله، انه إذا كان الامام علي المعصوم عند الشيعة يدعو الناس الى ان ينتقدوه، فكيف بالاحرى الشخصيات غير المعصومة التي يجب ان تتقبل أي نقد ما دامت تتعاطى الشأن العام. وبالتالي، فإن فضل الله دخل من هذا الباب للرد على كلام البطريرك الماروني، مشددة على ان خلفية ما قاله هي سياسية وإصلاحية وليست بتاتا طائفية او فئوية، والدليل انه سبق له في مناسبات سابقة ان عارض بعض آراء الامين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، وقد حصل على سبيل المثال ان سئل من قبل أحد أعضاء وفد طالبي أجنبي زاره منذ شهر ونصف الشهر تقريبا عن تعليقه على قول السيد نصر الله ان ولاية الفقيه هي من العقائد، فأجاب فضل الله الطالب السائل بأنه يخالف وجهة النظر هذه ويرى ان ولاية الفقيه ليست من العقائد. كما تشير الاوساط المؤيدة لفضل الله الى ان بعض الفتاوى التي يصدرها تثير جدلا واسعا في البيئة الشيعية وتلقى اعتراضا لدى العديد من رجال الدين، وهذا كله مؤداه ان فضل الله يختلف أحيانا مع بعض الذين يتشارك وإياهم في الانتماء المذهبي، كما يختلف في السياسة مع البطريرك الماروني، وبالتالي فإن قناعاته هي التي تحرّك مواقفه وليست المعايير الفئوية.
وتلفت الاوساط الانتباه الى ان الانتقاد الذي وجهه فضل الله الى مواقف صفير إنما يصب عمليا في خانة حماية الديموقراطية التوافقية من أي طروحات مضادة لها، كتلك التي ينادي بها البطريرك، إذ ان الاصرار على اعتماد منطق الاكثرية والاقلية في تشكيل الحكومة سيفتح الباب تلقائيا على المطالبة بان تُلعب اللعبة الديموقراطية حتى النهاية، ووفق قواعدها المعروفة والقائمة على الديموقراطية العددية واستفتاء الشعب، بعيدا عن الاستنسابية والانتقائية في ممارستها، فلا نأخذ منها ما يعجبنا ونهمل ما يتعارض مع مصالحنا.
وتنفي الاوساط المؤيدة لفضل الله بشدة ان يكون كلامه يرمي الى التحريض على الانقلاب على الطائف والدستور، بل ان تحذيره من مغبة نسف الديموقراطية التوافقية ينبع من صميم الطائف والدستور اللذين يؤكدان ان لا شرعية لأي سلطة تناقض العيش المشترك. وتشدد على ان فضل الله وبقية القيادات الشيعية لا ينادون بتعديل الطائف او تغيير اسس الكيان اللبناني، ولا يدعون الى ان يكون للشيعة كيان خاص بهم، وإنما يريدون تصحيح المسار السياسي عندما ينحرف في هذا الاتجاه او ذاك.
وتجزم الاوساط بان كلام فضل الله لم يكن منسقا مع أي جهة، لا «حزب الله» ولا غيره، وخصوصا انه معروف باستقلاليته، معتبرة ان العديد من الردود عليه إنما تندرج في إطار محاولة استغلال موقفه من أجل استثارة العواطف واللعب على أوتارها.
وتتساءل الاوساط عن مكمن الاساءة إذا قال فضل الله ان مجد لبنان أعطي لشعبه المقاوم، والذي يضم كل الاطياف والشرائح، ولا يقتصر على طائفة او مجموعة محددة، لتخلص الى التشديد على ان فضل الله هو اول من طرح دولة الانسان في لبنان، حيث المكانة هي للكفاءة والمواطنة وليس للانتماء الطائفي والمذهبي، وبداية الخروج من الزاوية الضيقة تتمثل برأيه في تغيير قانون الانتخاب، على قاعدة اعتماد النسبية وجعل لبنان دائرة واحدة.

Script executed in 0.2192759513855