أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هـل المسـتهـدف الجنـرال عـون أم سـلاح «حـزب اللـه»؟

الجمعة 28 آب , 2009 07:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,845 زائر

هـل المسـتهـدف الجنـرال عـون أم سـلاح «حـزب اللـه»؟

 واحد مؤيد لمواقف الكنيسة المارونية وآخر رافض لارتداء بكركي ثوب «المرافعة» السياسية. بعد الانتخابات النيابية تقدمت سيناريوهات «المهادنة» بين بكركي وقسم من رعيتها «الناقمة» على سياسة صفير «المنحازة»، على ما عداها من سيناريوهات المواجهة من أجل طي صفحة الماضي. لكن مسار المصالحات المسيحية تعثر، وأن رقعة الخلاف أكبر من أن تتم محاصرتها بـ«ميني» مصالحات لا تضع الإصبع على الجرح النازف منذ ولادة اتفاق الطائف، وأن سيّد الصرح «لا يضغط» أصلاً لتقريب المسافات المتباعدة بين أبناء الطائفة. أكثر من ذلك أدرك مسيحيو المعارضة أن خطاب صفير «الانتخابي» لم ينته بانتهاء الانتخابات، وتولّدت لدى بعضهم قناعة راسخة بأن سيّد بكركي أطلق ما يشبه «نداء ايلول» عام 2000، لكن هذه المرّة ضد «حزب الله» وسلاحه... وحلفائه المسيحيين.

ما يقال في كواليس مسيحيي «الضفتين» في البطريرك ومواقفه لا بد أن يجتاز حاجز الرقابة قبل سلوكه درب العلن. كرة الثلج تكبر لدى الطرفين والنفوس المشحونة لا تجد سوى الحلقات السياسية الضيّقة «للتنفيس». القشة التي قصمت ظهر البعير تجلّت في رد العلامة السيد محمد حسين فضل الله على البطريرك صفير معيداً الى الواجهة معادلة الأكثرية الشعبية والديموقراطية التعددية. استنفر الأسطول المسيحي الموالي مستنكراً «التطاول على سيد بكركي». الفريق المقابل تحفّظ على السجال المفتوح بين المرجعيات الدينية، مفترضاً أن السياسة لها أهلها ورجال الدين لهم منابرهم، والسجال بينهم يجرّ الرأي العام الى فخ العصبيات العمياء.

يحاذر مسيحيو الأقلية «تغطية» تدخل مرجع شيعي في مستوى العلامة فضل الله على خط استراتيجية بكركي وأدائها في متابعة الملفات السياسية الحساسة، لكنهم يلوّحون بتبريرات «منطقية» يمنحونها لكل طرف «يتجنّد» للرد على مواقف صفير، التي لا تساعد برأيهم على تمتين الجبهة الداخلية، المسيحية ـ المسيحية تحديداً.

«يستفز» البطريرك صفير ميشال عون وسليمان فرنجية «حتى العظم»، عندما يكرّر أمام زواره وعبر وسائل الإعلام لازمة «الأكثرية تحكم والأقلية تعارض». في مفهومهما أن هذا الإصرار يعكس قراراً غير مبرّر لوضع المسيحيين خارج دائرة القرار والتأثير في «تمديد» مقصود لمشروع التهميش المبرمج، والأخطر أنه قد يضع البلد يوماً أمام «المعادلة القاتلة»... «حكومة أكثرية إسلامية وأقلية مسيحية». تقول أوساط مسيحية معارضة «إن كلام صفير بشأن «حكم الأكثرية» هو خارج الموضوع. المعني الأول بتشكيل الحكومة وهو الرئيس المكلف ينادي بحكومة وطنية جامعة لا تستثني أحداً. هناك واقع تمثيلي لا يمكن لأحد أن يتخطاه. هذا ما أقرت به كل المرجعيات باستثناء البطريرك صفير». يفيض الكأس المسيحي المعارض «بالمآخذ الجدية» على المرجعية المارونية الأعلى المفترض أن تكون حكماً لرعيتها وليس طرفاً. ثمة قناعة أن «الانجرار البطريركي» الى «طقوس» الانحياز والفرز لا يؤثر على المجرى السياسي للأمور بل على موقع بكركي الذي شهد في عهد صفير «سوابق» عزّزت الانقسام بين أبناء الطائفة المسيحية.

في المقلب المسيحي الأكثري تسارعت الخطى «للجم» ما اصطلح على تسميته «بالحملة المبرمجة» على سيد بكركي. الأمانة العامة لقوى 14 آذار أفردت جزءاً من بيانها الأخير للرد على هذه الحملة محذرة من استهداف صيغة العيش المشترك، وتكفّل بعض نواب الأكثرية بالدفاع عن «الخط الوطني والسيادي والاستقلالي» لبكركي. لكن جرعة الدعم الأكبر جاءت من قبل رؤساء الرهبانيات المارونية خلال لقاء استثنائي لهم في دير مار سركيس وباخوس ـ إهدن الثلاثاء الماضي، وذلك عبر بيان حمل، برأي مراجع معنية، دلالات سياسية، لكونه شكّل حائط دفاع أول عن مواقف صفير بشأن موضوع الحكومة وسلاح «حزب الله» والعلاقات اللبنانية السورية. وفي مقابل هذا الدعم الصريح لجدول أعمال بكركي السياسي و«للجهود التي يبذلها رئيس الجمهورية من أجل تركيز مؤسسات الدولة»، خلا البيان من اللازمة البطريركية «الأكثرية تحكم والأقلية تعارض» مشيراً الى حكومة وطنية جامعة».

يجتمع رؤساء الرهبانيات المارونية دورياً كل شهرين تقريباً، وفي أغلب الأحيان لا يتم إصدار بيانات. تقول مراجع كنسية «هذه المرة تم التطرق الى قضايا سياسية ونشر البيان في وسائل الاعلام. الرهبانيات المارونية تمثل شريحة من الشعب المسيحي وعبّرت عن رأيها بهذه الطريقة». تعترف المراجع الكنسية بالآثار السلبية لمواقف صفير الأخيرة لجهة تكريس الانقسام بين الجبهات المسيحية، لكنها تتمنى «أن توضع مواقف غبطته في سياقها الصحيح حيث يعبّر البطريرك صفير عن مبادئ انطلاقاً من غيرته على البلد، وهي ليست موجهة ضد أي فريق. التأثيرات السلبية تتأتى من عدم إحساس شريحة كبيرة من المسيحيين بأن هذه المواقف تعبّر عن آرائهم».

وفي معادلة «الأكثرية والأقلية» تؤكد المراجع عينها «لا يمكن لأكثرية إسلامية أن تحكم وحدها أو أكثرية مسيحية أن تحكم وحدها. هناك 18 طائفة في نظام سياسي محكوم بالتوافق بين جميع شرائح المجتمع». ما يتمنّاه صفير، تضيف المراجع، أن يتم التوصل الى مشروع موحّد لحكم البلد والانتقال من مرحلة الانقسامات والتشنج والارتباط بالمحاور الإقليمية والدولية الى مرحلة التعاون والتفاهم. وتقرّ المراجع «أن معادلة الأقلية والأكثرية التي تطبق في الأنظمة الديموقراطية تختلف ترجمتها في لبنان بلد الطوائف. لكن في حال عدم التفاهم لا يمكن إبقاء البلد من دون حكومة، وهنا جوهر ما ينادي به البطريرك بإيجاد حكومة من أكثرية وأقلية تبعاً لنتائج الانتخابات ليس المقصود منها استبعاد أحد».

لا يجد مسيحيو الأكثرية مبرّراً للتخويف من شبح الأكثرية الإسلامية «الحاكمة». يقول نائب مسيحي في 14 آذار «فجور الأقلية» غير مقبول...منذ البداية وفي عزّ الانتخابات يوم كانوا يصوّرون لنا أن فريق 8 آذار هو الذي سيفوز في الانتخابات قلنا لهم إذا فزتم احكموا وسنبقى نحن خارجاً. فزنا في الانتخابات ورفضنا استبعاد أي طرف، لكنهم يريدون الانقلاب على كل المعايير الديموقراطية عبر جعل الأقلية تحكم». يضيف النائب نفسه «مواقف البطريرك صفير تعكس جوهر الممارسة الديموقراطية، لكن جوقة المعارضة صوّرته كأنه يريد استبعاد الشيعة والمسيحيين عن الحكومة».

لا يختلف اثنان في المعارضة على اعتبار موقف صفير من تشكيل الحكومة هو مشروع مواجهة قاسية مع العماد عون، والاعتبارات كثيرة. لا يمكن «للجنرال» أن يرى في الأسلوب البطريركي سوى محاولة إضعاف للطرف المسيحي، المتمثّل اليوم بـ«تكتل التغيير والإصلاح»، القادر على تشكيل حالة توازن مع الطوائف الأخرى، وذلك لمصلحة أطراف مسيحية أخرى غير قادرة على إحداث هذا التوازن في المعادلة السياسية. تعترف الدائرة المحيطة بعون «أن مواقف صفير لم تعد مفهومة وتطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان لها أبعاد خفية أو تنمّ عن عدم إدراك لقيادة السفينة المسيحية». هذا التدخل «غير المقبول»، في قاموس المعارضة، يسيء الى موقع البطريركية المنادية بمعادلة الأكثرية والأقلية، فيما الطرف المسيحي فاقد لصلاحياته اليوم.

ينتظر مسيحيو المعارضة موقفاً تاريخياً من صفير يدين فيه عمليات نقل النفوس المبرمجة والتي ستؤدي الى خلل ديموغرافي سيكون المسيحي ضحيته الأولى والأخيرة. يوجّه أحد نواب «التيار الوطني الحر» سؤالاً الى غبطته «الم ترَ «الكيان الزحلاوي المسيحي» مهدداً عندما تمّ إنزال 16 الف سني بالباراشوت..؟ يضيف النائب نفسه «صفير لم يخرج بعد من المسار الذي أرساه عام 1990 بدعم اتفاق الطائف على حساب حقوق المسيحيين مع أن عنوان المعركة كان استعادة السيادة، ونتخوف جدياً اليوم من إعادة رسم سيناريو مماثل لتوزيع المسيحيين كغنائم...».
رعيتان مسيحيتان اليوم لبطريرك واحد... رعية «معارضة» ترى أن صفير «فاقد للمبادرة والبوصلة. قسم من المطارنة لا يشاركه توجهاته السياسية، يرونه يسبح عكس «التيار المسيحي». موقفه من سلاح «حزب الله» يضرب «طاولة الحوار» ويزيد من من منسوب التوتر والفرز السياسي، وهو «خارج السياق» الطبيعي للأمور طالما أن مسألة الاستراتيجية الدفاعية مطروحة للنقاش الوطني...».

في المقابل رعية موالية ترى فيه «الحامي الأول للوجود المسيحي، و«مجد لبنان أعطي له» عندما انتفضت الكنيسة في وجه الاحتلال السوري عام 2000... واليوم يتابع المسيرة بشجب «منطق 7 أيار» وبالتأكيد أن البحث في قضية السلاح ليس من المحرمات. هو «ملف» يجب أن يكون على الطاولة وليس على الرف...».
«انتفاضة» الكنيسة لن تتوقف عند عتبة شكل الحكومة. المقرّبون من البطريرك صفير يجزمون بأن صفير يضغط بكل قواه للخروج ببيان وزاري ينزع الشرعية عن سلاح المقاومة. يرد نائب معارض بالقول «على صفير إذاً أن يعيد النظر بموقفه من الأكثرية التي يؤيدها والتي أعطت للمقاومة حق الدفاع عن الأرض في البيان الوزاري لحكومة السنيورة... وهي ستعيد الكرّة في حكومة سعد الحريري».

  

Script executed in 0.19356513023376