أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عون وتيّاره في عقل المقاومة: الحليف الذي يستحق التضحية

السبت 29 آب , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,646 زائر

عون وتيّاره في عقل المقاومة: الحليف الذي يستحق التضحية


قبل احتدام الأزمة بين حزب الله وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى عام 2005، وجد حزب الله أنه بات الآن في موقع يتيح له مغادرة كل موجبات التحالف الرباعي. لم يندم الحزب على هذا التحالف كما يقول قادته، لكن السيد حسن نصر الله عاد وشرح الأمر في خطاب ألقاه عشية الانتخابات الأخيرة. يومها، أُثير من خارج جدول الأعمال ملف العلاقة بالعماد ميشال عون. قرّرت قيادة حزب الله المبادرة إلى فتح قناة اتصال سياسية مباشرة. عرض السيد نصر الله عقد اجتماع أو أكثر مع العماد ميشال عون لمناقشة كل الأمور، والوصول إلى علاقة مختلفة. يومها، لم يكن العماد عون متردّداً أو خائفاً، لكنه قال إنه لا يريد لقاء الصورة التذكارية. وهو يجد أن هناك قاعدة جدية للتفاهم مع الحزب، وأن الأمر يتطلّب عملاً مشتركاً يحدَّد في ضوء نتائجه سقف العلاقة ونوعيتها بين التيار الوطني الحر وحزب الله.
لم يتأخر الوقت حتى أُلّفت لجنة مشتركة بين الجانبين، تولّت مناقشة أمور كثيرة، وخلال أسابيع قليلة وُضعت بنود أساسية يجب التفاهم على الموقف منها للقول إن القاسم المشترك يتيح تفاهماً يسمح بلقاء يتجاوز حدود التكتيك السياسي، حتى إنه جرى التقدم في فترة معيّنة نحو ترتيب لقاء بين نصر الله وعون، قرر الأخير تأجيله لأسباب تتعلّق بالشكل والمضمون، ثم عمد في فترة لاحقة إلى تجميد التواصل، وخصوصاً عندما اندلع الاشتباك السياسي بين حزب الله وفريق 14 آذار. واستمر الأمر محصوراً في إطار اللجان التي ناقشت كل شيء، حتى تم التفاهم على ورقة، سهّلت عقد اللقاء الشهير في كنيسة مار مخايل في 6 شباط 2006.

قبل الجنرال، لم يرفع جمهور المقاومة صورة لغير قادته وشهدائه

في غضون الفترة كلها، لم يكن العماد عون يتحدث داخل التيار عما يجري، كانت الحلقة غير مغلقة، لكنها ضيقة جداً، وفي حزب الله حيث الالتزام التنظيمي له تأثيره في أمور كثيرة، لم يكن الحوار القائم محل مناقشة عامة، بل كان محصوراً لدى مجلس شورى الحزب والمعنيين المكلّفين التواصل. وإثر إعلان وثيقة التفاهم، لم يحتَج حزب الله إلى وقت طويل، حتى يحوّل التفاهم إلى بند في جدول أعمال كل وحداته التنظيمية، ولدى جمهوره أيضاً، فيما بدا أن العماد عون يحتاج إلى جهد خاص وإضافي. واتضح لاحقاً أن سبب قرار عون إبقاء الأمور محصورة به وبدائرته الضيقة جداًَ، عائد إلى خشية موجودة لديه ولدى معاونين له، من أن فتح نقاش بين كوادر التيار وقواعده بشأن علاقة خاصة مع حزب الله قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، واتخذ عون قراره الشهير بالذهاب نحو تفاهم يعتقد هو بقوة أن فيه مصلحة للبلاد وللمسيحيين على وجه الخصوص. ثمّ مرّت شهور عدة والبلد يضج بمناقشة أبعاد هذه الخطوة. تفسيرات وتحليلات وتصورات، لكن كان هناك من يراقب باهتمام كيفية انعكاس الأمر على الشارع. وتحديداً على قواعد الطرفين، وعلى بعض المناطق ذات الخصوصية، لاتصالها بذاكرة الحرب الأهلية بين اللبنانيين، إلى أن جاءت حرب تموز.
يومها، لم يكن في حسابات حزب الله السياسية، ولا في حسابات قواعده وأنصاره في لبنان وخارجه، انتظار موقف خاص من التيار الوطني الحر، والعماد عون على وجه الخصوص. كان الجميع يعذره حتى لو صمت، أو حتى لو وقف على الحياد. وكانت قلّةٌ تخشى أن يذهب نحو ما ذهب إليه فريق 14 آذار في التآمر على المقاومة. لكن عون أدهش جمهور الحزب وقيادته، وأدهش الآخرين من الأصدقاء والأعداء. فبعد أيام قليلة على اندلاع المواجهة، كان عون يقود الحملة السياسية ـــــ الشعبية في لبنان، تلك التي تقول إن المقاومة قوة لبنانية، وإن قادتها وعناصرها من الشعب اللبناني، ويتعرّضون لاعتداء من عدو لبنان، وإن الوقوف إلى جانبهم واجب وطني، وصولاً إلى الرسالة القصيرة التي عُمّمت على هواتف ناشطين في التيار وقالت: مثلما تجمّع العالم كله ضد العماد عون في 13 تشرين الشهير، فإن العالم كله يتجمّع اليوم ضد السيد حسن نصر الله ورفاقه، فادعموهم.!
وخلال أيام إضافية، كانت قواعد التيار الوطني في جميع المناطق، تُشغل بأكبر عملية احتضان شعبي مع حرارة لم تُلحظ في مناطق أخرى، وعند قوى أخرى، وفجأةً كُسر حاجز نفسي ظل الوهم يبنيه على مدى ثلاثة عقود بين المناطق، وبين الناس، واكتشف الناس أنهم من جلدة واحدة، يأكلون ويشربون ويعملون ويتعلّمون ويرفضون القهر والذل ويقاومون، حتى إذا انتهت الحرب بانتصار المقاومة، كان العونيون يحتفلون بانتصار كانوا شركاء فيه، وهكذا شعر أهل المقاومة. وصار الناس يطبعون صور العماد عون والأعلام البرتقالية، ويرفعون الشعارات التي تعكس فهماً من نوع خاص لهذه العلاقة، وحيث لم يحصل أن عشق جمهور حزب الله قائداً أو زعيماً لبنانياً آخر غير قادته. لكنّ عون صار من صلبهم كما يقولون، وبعد يومين على وقف إطلاق النار، كان عون أول من تفقّد الضاحية الجنوبية، وصل إليها من دون ضجيج، وزار السيد نصر الله في أحد أبنيتها، كان الرجلان يحتفلان بالانتصار، ويومها قال السيد نصر الله عبارته الشهيرة: إن للعماد عون والوزير سليمان فرنجية ديناً في ذمتنا إلى يوم الدين. ومن لا يفهم معنى ذلك لم يفهم كل الآليات السياسية الداخلية التي ساقها حزب الله في مواجهة الاستحقاقات الداخلية.
اليوم، ليس لدى جمهور حزب الله أيّ شك في أن ما يطلبه العماد عون في المسائل العامة، هو حق يجب الحصول عليه، وأن حزب الله لا يتركه أو يخذله، ولو كلفه الأمر تحمّل أضعاف ما تحمّله في عدوان تموز نفسه.

Script executed in 0.18117189407349