أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الإمام موسى الصدر… فقه نهضة وإنسانية وطن

الإثنين 31 آب , 2009 07:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,589 زائر

الإمام موسى الصدر… فقه نهضة وإنسانية وطن

وإن كانت هذه الصورة ترتسم في المشهد العالمي بمجمله، إلا أنها أفضل ما تتجسد في الواقعين العربي والإسلامي، حيث تناثرت بشكل كبير أنوار الدين، فتعمقت التفرقة بين مسلم ومسيحي أو بين شيعي وسني، واستحكم الكره عن جهل وغلو، وباتت، حتى العمامات، في كثير من الأحيان، تحارب الدين باسم الدين، وتزيد من الحضيض حضيضاً، بعد أن غاب أصحاب الإنسانية ونبذ الفرقة، ومنهم الإمام اللبناني السيد موسى الصدر الذي تصادف اليوم، الذكرى الـ31 لتغييبه مع رفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين.

سار الإمام موسى الصدر على طريق الفقه المُلهَم من أسباب الدين وتعاليمه الصائبة وعلياء مفاهيمه، فمنح العمامة رُقياً ارتفعت معه صورة رجال الدين، التي كثيراً ما تهتز في أعين الواعين، فروّض اندفاع أكثر المُمعنين في المذهبية والطائفية، بعد أن أعلن أن «دم المسيح يجري في عروقنا وصوت محمد يدوي في مسامعنا»، وخَطب في الكنائس، واعتصم احتجاجاً على استمرار الحرب الأهلية، وردّ بعمامته النار عن مسيحيين، حين أعلن أن «مَن يطلق رصاصة على دير الأحمر كأنه يطلقها على صدري ومحرابي وعمامتي»، وحارب الحرمان والتقسيم، واعتبر أن «الحريات هي الدعامة الأساسية لكيان لبنان»، وأطلق مقاومة إسرائيل أولاً بـ«أسنانكم وأظافركم وسلاحكم مهما كان وضيعا»، وثانياً من خلال وحدة لبنان، وسلامه الذي هو «أفضل وجوه الحرب مع إسرائيل».

أتقن الإمام موسى الصدر فقه المنطق وعمل على بث الجرأة لاستخدام العقل، محاكياً بعض ما أتى به إيمانويل كانط الذي رفع المجتمع الغربي المتطور. وإن كان هذا المجتمع أخذ من الفيلسوف الألماني جزئية العقل وترك في بعض الحالات -باسم «التنوير»- الاعتقاد الديني، مهملاً توصيات كانط، فقد ارتقى الإمام اللبناني بمفهوم جديد للعلاقة ما بين الدين والسياسة، وهي علاقة جعلها تلين أمام المواطن وكرّسها مطية للإنسان. وبعد غيابه، تبعثرت هذه العلاقة في لبنان، بين فصل جامد مشتِّت لأبعاد الوطن، وسياسات تتبع الطوائف فتمعن احتقاراً في إنسانية المواطن ولا تصنع وطناً، أو أديان تتبع السياسة فتتلوَّن اجتهاداتها وتتبدل طاعة للسياسة وجنوحها.

لم يسقط السيد موسى الصدر، رجل الدين المُعمم من جهة والمواطن الإنسان من جهة أخرى، في أتون الصراع على الأولوية بين الدين والوطن، وهو صراع داخل لائحة مصطنعة غير علمية، و«عربية» الهوى. فللدين والوطن بعدان مختلفان لا تجمعهما لائحة ولا يخضعان لسباق أولوية، خاصة في بلد مثل لبنان، الذي اعتبر الإمام الصدر أن «التعايش الإسلامي - المسيحي» فيه، «ثروة حضارية يجب التمسك بها»، ومن دون هذه الثروة يسقط وينتهي.

غُيّب الإمام موسى الصدر، فانقطع في لبنان وعند بعض العرب والمسلمين، مسار «التصحيح»، فضُرب التقارب المذهبي في مقتل، لينهض شذاذ الدين يتسكعون بين فوارق المذاهب، فيجافون الدين ويُجلّون الفوارق، ويرقصون على حطام الإنسانية وبين مخالب الكره، وفي حضن التكفير والتنظير.


Script executed in 0.17235589027405