أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

إنه رمضان.. وهو أيضاً شهر فواتير المدارس والجامعات

الأربعاء 02 أيلول , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,060 زائر

إنه رمضان.. وهو أيضاً شهر فواتير المدارس والجامعات
يتزامن شهر الصوم هذا العام مع انطلاقة العام الدراسي التي تبدأ تباشيره بالظهور مع ايلول. وموسم المدارس يعني التسجيل والاقساط والكتب والمريول والقرطاسية والباص ومصاريف أخرى. وفي ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة كهذه التي يعيشها الناس تصبح متطلبات هذا الشهر مع انطلاقة المدارس وأسعار المواد التي تتراكم ارتفاعاً، إلى جانب إيجار المنزل وفاتورة الكهرباء وقسط السيارة وثمن صفيحة الوقود عبئاً ثقيلاً على القلوب والجيوب.
أدناه أناس عاديون. آباء وأمهات صار أبناؤهم في المدرسة أو الجامعة. وآخرون أبناؤهم على الطريق. يتحدثون عن الكيفية التي يتدبرون فيها أمورهم ومعيشتهم ومصاريفهم في هذا الشهر، وعن تحضيرهم للعام الدراسي المقبل.
غير أن المشترك بينهم يظل شعور الأهل بالتقصير تجاه أبنائهم، في ضائقة معيشية بات الحصول على الأساسيات فيها يحتاج إلى الحفر بالأظفار والدموع واللحم الحي.
إلى المدرسة الرسمية
تقول السيدة لورا وهي ربة منزل خمسينية ووالدة لأربعة أبناء، رلى (18 عاما) ولارا (16عاما) وندى (8 أعوام) وأحمد (22 عاماً) إن «هذا العام يعتبر من الأصعب الذي مر علي نظراً لتزامن شهر الصوم وعيده (الفطر) مع انطلاقة العام الدراسي».
تلتحق رلى هذا العام بإحدى الجامعات الخاصة من أجل دراسة الإخراج التلفزيوني بعدما تمكنت من الحصول على قرض جامعي بفائدة متدنية من أحد المصارف التي قررت الاستفادة من الحوافز التي يقدمها «مصرف لبنان» للمصارف التي تقدم هذا النوع من القروض. تعمل رلى حالياً في إحدى الشركات الخاصة في وظيفة «على الكومبيوتر» من الرابعة عصراً حتى منتصف الليل، مقابل أجر يبلغ خمسمئة ألف ليرة لبنانية. وبما أن لا رلى ولا عائلتها تملك سيارة، وحتى لا تضطر لمغادرة العمل وحدها ليلاً، تتناوب والدتها وشقيقها أحمد على الذهاب إلى مكان عملها ليلاً من أجل مرافقتها في سيارات الأجرة.
أحمد بدوره يعمل بائعاً في أحد محال الثياب الجاهزة في منطقة سن الفيل. دوامه يمتد من الظهر وحتى الحادية عشرة ليلاً وأجره يبلغ سبعمئة دولار أميركي. أما رب العائلة التي تعيش في منطقة النويري فمتقاعد يبلغ الخامسة والسبعين.
يوم الأربعاء الماضي اتصل سائق الباص الذي يقل ندى إلى مدرستها في منطقة البطركية وأبلغ لورا أنه رفع التعرفة الشهرية لهذا العام من خمسين إلى خمسة وسبعين ألف ليرة. هذا الأمر سيستدعي إعادة درس موضوع الباص من أجل البحث عن خيار آخر يناسب العائلة ولا يزيد من مصروفها. يبلغ قسط مدرسة ندى مليوناً وثمانمئة ألف ليرة. هذا القسط يجري تقسيطه للمدرسة كدفعة كل شهر. تقول الوالدة إنها ستضحي مع الابنة الصغرى إلى أن تنهي الصف المتوسط الثالث، أي أنها ستتحمل مصاريف التعليم الخاص ريثما تصل الابنة الصغرى إلى صف البروفيه. وحين تصل إلى البروفيه تنقلها إلى مدرسة رسمية. هكذا فعلت مع أختيها. تريد للفتيات أن يتأسسن في التعليم الخاص ومن ثم تنقلهن إلى الرسمي لأنها تؤمن بمستوى التعليم الخاص أكثر. أما قسط ندى فيؤمن «من هون وهون. شوي من رلى وشوي من أحمد». بعد تقاعد الوالد وضعف همته صار الاتكال محتماً على الأشقاء. مغتربو العائلة يساعدون أيضاً في موسم المدارس.
«همبرغر» من الحواضر
لاحظت لورا أن مصروف العائلة ارتفع بوضوح خلال شهر رمضان. وعلى الرغم من أنها في الأيام العادية كانت تحضر وجبة غداء من صنفين، فهي في رمضان تحضر إفطاراً من صنف واحد، من أجل التوفير والاقتصاد. وجبة اليوم هي الـ«همبرغر». وباستثناء اللحم والخبز والملفوف، جميع المواد الأخرى هي من حواضر المنزل.
شراء ملابس العيد صار من الترف بالنسبة للعائلة. لا ملابس جديدة للبنات هذا العام. حال هذا العام كحال العام الذي سبقه، والذي قبله. «مسحنا فكرة الثياب الجديدة على العيد من قاموسنا»، تقول. وتضيف: «قلت للبنات ثيابكن ما زالت جديدة. وهن اقتنعن. يعرفن واقع الحال، لم يعدن صغيرات. دراستهن هي أولويتي إذا ضاعت لا تعوض بينما الملابس نستطيع أن نشتريها في جميع الأيام».
تحمل لورا الجنسية الفرنسية. في حرب تموز في العام 2006 حملت أولادها وطارت بهم إلى إحدى ضواحي باريس. بقوا هناك ثلاثة أشهر كاملة. لم يحب الأولاد الحياة هناك، على عكس والدتهم التي ترى في فرنسا فرصة لحياة أفضل: «فضلوا أن يعودوا إلى حياة الفقر هنا على الحياة الغريبة عنهم وأنا رضخت. لكني ما زلت أحاول إقناعهم بالهجرة.. ربما يقتنعون لاحقاً».
البديل.. صبرا
يعمل فادي (32 عاماً) حلاقاً رجالياً في أحد الصالونات الكائنة في منطقة الظريف. أثناء عمله يسمع الكثير من مشاكل الناس، ومن شكاويهم. لفادي المتزوج منذ أربع سنوات طفلة واحدة، لينا. تبلغ لينا عامين ونصف عام. معنى هذا أن لينا يجب أن تدخل إلى المدرسة في العام المقبل. والدة لينا تعمل موظفة في إحدى الجمعيات الإنسانية. تقضي لينا في هذه الأيام معظم وقتها في منزل جديها بسبب انشغال والديها في عملهما.
عندما يستمع فادي إلى مشاكل زبائنه وأوضاعهم الاجتماعية يشعر أن وضعه ما زال معقولاً. ينقسم مصروفه على أربعة اتجاهات: متطلبات المنزل، قسط السيارة، إيجار المحل، وإيجار المنزل. وفي العام المقبل يضاف إليهم قسط لينا المدرسي «الذي بدأنا نعمل حسابه»، إذ فتح حساباً مصرفياً باسمه واسم ابنته في أحد البنوك، يدخر فيه قسما من راتبه وراتب زوجته من أجل المصاريف التعليمية ومتطلباتها.
يقول فادي إن ارتفاع الأسعار في شهر رمضان لا يصيب جميع الناس، بل فقط الطبقات المتوسطة والغنية. ويعطي مثلاً عن ذلك أسعار الخضار واللحوم في الدكاكين والتعاونيات والأسواق الشعبية. هو نفسه كان يشتري هذه المواد جميعها من الدكاكين والتعاونيات لكنه مؤخراً بدأ يتعرف على الأسواق الشعبية، ومن بينها اكتشافه الأخير.. سوق صبرا. «في التعاونية يبلغ سعر كيلو البندورة اليوم 1500 ليرة بينما أشتري الثلاثة بألف من صبرا. سعر الكوسا في التعاونية 2500 ليرة بينما الكيلوان بألف في صبرا. وفي صبرا أيضاً الخسة بخمسمئة ليرة. وهلم جرا..».
يسبب انقطاع الكهرباء اليومي مشكلة إذ تغيب ثلاث ساعات يومياً وهذا الأمر يعطل العمل. يضطر إلى استخدام ماكينات الحلاقة التي تعمل بالبطارية. وهذه الماكينات جودتها أقل من تلك التي تعمل بالكهرباء. ولا مولد كهرباء قريبا لإيجار خط في فترة انقطاع الكهرباء «لأن أحداً لن يشتري مولدا من أجل ثلاث ساعات فقط». وما زاد في الطين بلة الورشة التي تقع مقابل الصالون «تحمل إلينا الكثير من التراب لا سيما عندما نضطر إلى فتح باب الصالون عند انقطاع الكهرباء حتى لا ينقلب فرنا فنشوي الزبائن بدلاً من أن نحلق لهم».
قروض.. وتقسيط
يمتد دوام سليمان (35 عاماً) عامل الميكانيك في أحد كاراجات المدينة من السابعة صباحاً حتى الرابعة من بعد الظهر. لكن سليمان، وهو المعيل الوحيد لعائلته، يضطر إلى أن يمدد دوامه حتى السابعة مساء بهدف الحصول على أجر أعلى عن طريق العمل ساعات إضافية. معنى هذا أن سليمان الذي يعيش في منطقة الناعمة مع زوجته وأبنائه الثلاثة ربى (6 أعوام)، نديم (4 أعوام)، وفاتن (عامان) لا يتناول وجبة الإفطار مع زوجته قبل الثامنة مساء لأنه يحتاج إلى ساعة من الوقت، على الأقل، من أجل الاغتسال والوصول إلى المنزل.
في فترة سابقة كانت زوجة سليمان تعمل موظفة على الصندوق في أحد المطاعم، لكن بعدما زادت أهمية وجودها في المنزل بجانب أطفالها، اضطرت إلى ترك عملها الذي كان يخفف من تراكم المصاريف على العائلة.
تدرس ربى ونديم في مدرسة خاصة في منطقة الناعمة. يبلغ قسط المدرسة لكل من الطفلين نحو ألف دولار من دون القرطاسية والمراييل التي تبلغ ثلاثمئة ألف ليرة عن الطفل الواحد، والباص الذي يبلغ الأربعين ألفا عن كل منهما. ومع راتب مثل راتب سليمان (يبلغ الثابت منه تسعمئة ألف ويصل إلى مليون ونصف حداً أقصى مع ساعات العمل الإضافية) يصبح اللجوء إلى القروض المصرفية أمراً مفروغاً منه.
تقدم سليمان مؤخراً بطلب قرض من أحد المصارف بضمان راتبه لكن المصرف اشترط أن يكون الكفيل لبنانياً، فسليمان فلسطيني، وبطاقة اللاجئ التي يحملها لا تعطيه امتياز الحصول على قرض دون كفيل لبــناني. وقد وجد صعوبة حتى وافــق لبناني على كفالته. أما القــرض فتبلغ قيمته مليونين ونصــف المليون ليرة سيدفع أربعمئة ألف منها على ما بقي من أقساط المدرسة المتراكمة منذ العام الماضي، ونحو المليون والثلاثمــئة ألف على ديون متفرقة «وبالبقــية الباقية نشتري حاجات لربى ونديم وفاتن». وقد استدل مؤخراً على أحد المحال التي تبيع الثياب بالتقسيط «حصول الأولاد على ثياب جديدة على العيد أمر أحرص عليه. من المفروض أن تفرح الأولاد، ولا سيما الذين في سنهم فأنا لا أعرف ماذا يخبئ لهم الغد».
وعند هذه العبارة الأخيرة المفتوحة على المجهول يفضل سليمان أن يختتم كلامه وأن يعود إلى عمله، فصاحب الكاراج بدأ يرمقه بنظرات لئيمة.

Script executed in 0.18479704856873