أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

قضيّة صلاح عز الدين: إنذار مبكر لبيئة المقاومة

السبت 05 أيلول , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,814 زائر

قضيّة صلاح عز الدين: إنذار مبكر لبيئة المقاومة

لن يكون بمقدور أحد تبرير ما حصل في قضية صلاح عز الدين، لكن حكايته يجب أن تمثل جرس الإنذار الأكبر للوسط الاجتماعي الذي يمثله الرجل في عاداته وحساباته، وهو الوسيط اللصيق بحزب الله، وليس القريب منه فقط، باعتبار أن غالبية المودعين عند الرجل، هم من عائلات الحزب وأنصاره ومؤيديه، حتى إن كثيرين تعاملوا معه بثقة كبيرة مع نتيجة أشياء عدة، أبرزها ما أشيع عن أنه «شريك الحزب».
كذلك، لن يكون بمقدور أحد وقف لعبة الشائعات المنتشرة بقوة، حول حقيقة المبالغ التي طارت، وحول الفرق بين أصل رأس المال وما هو مستحق، وحول هوية المودعين ولوائح الأسماء التي باتت تشمل كل الناس، بما في ذلك، وللمرة الأولى، قيادات بارزة في حزب الله، من المعروفين ومن غير المعروفين، وهي حملة يتداخل فيها العلم اليقين بالتقدير بالتسلية والتشفّي، وهي عادة جديدة على المنظومة الاجتماعية لحزب الله، وإن لم تكن جديدة على هذه البيئة.
إلا أن الأصعب في كل هذا النقاش هو الرهان الضمني عند غالبية المتضررين على أن الحزب سوف يبادر إلى التعويض، عن الأزمة بحد ذاتها من أجل إعلاء شأن رجال الأعمال الشيعة، والتعويض للمتضررين مباشرة من خلال دفع ما يستحق لهم في ذمة الرجل.
لكن لماذا يجب اعتبار ما حصل على أنه جرس إنذار؟
أولاً: لأن من المثير للاستغراب أن ترفض بيئة متديّنة ومتمسكة بأصول وشرائع لعبة القطاع المصرفي التي تخالف القواعد الشرعية من خلال منطق الفوائد الحرام، ثم تلجأ البيئة نفسها لتبرّر حصولها على أرباح وصلت إلى حدود أربعين في المئة عن أشغال مجهولة يقوم بها الرجل، ليتبيّن أنها من جملة الأشغال التي تأثرت بالأزمة العالمة الأخيرة، وهذه الأزمة قامت أصلاً في لعبة البورصة ومتفرعاتها، أي إنه في نهاية المطاف، فإن من رفض منطق الفائدة وفق التعريف المصرفي، قبل بها وفق منطق آخر، ولكن بالآليات نفسها.

المسؤولية المعنوية لحزب الله تكمن في خلفيّة سلوك أنصاره وفي انحسار التواضع في أوساطه

ثانياً: لأنه غريب جداً على هذه البيئة التي عاشت تاريخاً طويلاً من الحياة البسيطة، أنها أرادت فجأة، وفي يوم واحد، الانتقال إلى مستوى مختلف من الحياة، يتطلب إنفاقاً يتجاوز وارداتها، وهو الأمر الذي يسمّيه الناس «الطمع»، وإلا فما معنى المغامرة بهذه الكمية من الأموال لولا الشعور الضمني بأنه إذا تيسّر للفرد الحصول على أرباح كبيرة، فلماذا يتأخر عن الاستثمار؟
ثالثاً: لأن أبناء هذه المنظومة الاجتماعية واجهوا اختباراً قاسياً بعد حرب تموز، وهو اختبار رافق «فوضى التعويضات» عن آثار الحرب المدمرة، حيث اختفت فجأة وفي يوم واحد، كل الحسابات المنطقية والواقعية، وكل أنواع التواضع في الحياة ومتطلباتها، وغادر كثيرون موقع المضحّي بالحياة الدنيا الفانية، وصاروا يتطلبون نمطاً من الحياة، ونمطاً من الاستهلاك لا يتوافق أبداً مع واقعهم، ولا مع مستوى تطورهم الثقافي والاجتماعي، ويتناقض مع كل الطقوس التي تسيطر على حياتهم الاجتماعية، وعلى فنونهم واهتماماتهم، وصاروا يريدون التمظهر بطريقة لا يمكن القول إنها غير مشروعة، بل هي حق لكل من يرغب، ولكنها في حقيقة الأمر تتناقض ومبدأ التضحية والزهد من أجل قضية تتطلب التضحية بالدم والبشر قبل الحجر.
رابعاً: لأن الفوضى العامة التي تعانيها البلاد نتيجة غياب الدولة ونتيجة غياب الرقابة والمحاسبة، هي نفسها الفوضى التي سمحت لرجل أعمال بأن يفتح مصرفاً على حسابه الشخصي وأن يجمع مئات الملايين من الدولارات، وأن يعمل على تشغيلها والحصول على أرباح كبيرة، ثم يتحول فجأة إلى رقم انهارت معه كل الأرقام الكبيرة. وإلا فما الذي يفرّق اليوم بين خسائر المضاربين بالأسهم في أسواق المال العربية والعالمية، والذين وضعوا أموالهم مع هذا الرجل على شكل رهان مع ضمانات ليس لها أي أساس علمي؟
خامساً: لأن الذين قرروا المغامرة بما يملكون، لم يجدوا من يقول لهم إن هذا العمل غير منطقي، وإنه غير علمي، وإنه حرام التفريط بمدّخرات وتعويضات وعقارات حفظت من جيل إلى جيل في لعبة بوكر، وليس لها أي اسم آخر، ولأنهم لم يجدوا أيضاً من يوقف هذا الرجل عند حدّه، ومن يمنعه من الاستمرار في لعبة سبق أن جرّبت كثيراً مع الفقراء، في مصر والسودان والمغرب والجزائر وسوريا وفي لبنان نفسه وفي الضاحية نفسها ومع أهل الجنوب نفسه.
سادساً: لأن إنفاق كثيرين جهداً على تجميع الأموال، ومن ثم تشغيلها وفق منطق الاقتصاد الريعي الذي يطابق ما قام به أمراء النفط والمال في عالمنا العربي، والعمل على حث مواطنين على تحسين ظروف عملهم من خلال سوق المداولات بالأسهم والمعادن وخلافه، والابتعاد عن الإنتاج بطريقته الفعلية، المتعبة، لكنها الناجعة وذات العمر الطويل، إن كل ذلك، يعكس حالة من الخمول، لا تشبه البتّة حالة الحراك والحيوية التي تميزت بها منظومة المقاومة الاجتماعية.
ذات مرة، قبل سنوات طويلة، كان هناك رجل من مسؤولي العدو اسمه أوري لوبراني، هل تذكرونه، كان منسّق أنشطة العدو في لبنان، قال في معرض تعليقه على كيفية مواجهة العدو الصلب والعنيد الذي اسمه حزب الله: سنصل إليه ونضربه، فقط عندما تصيبه عدوى منظمة التحرير في لبنان، أي عندما يتمظهر ويتبرجز... الله يستر!

Script executed in 0.20541596412659