أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عن أصل تيمور وفصله...

السبت 05 أيلول , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,666 زائر

عن أصل تيمور وفصله...
سئل أحد النواب من الذين قيّض لهم أن يلتقوا تيمور وليد جنبلاط للمرة الأولى في الأسابيع الماضية، عن انطباعه الأوّلي حياله، أجاب: «لم يتسنَّ لنا تبادل الحديث. لكن السمات المورفولوجية والفيزيونومية في لغة جسده، تشي بالكثير. نحيل هو من دون توتر والده. يميل نحو الهدوء. في كل ملامحه حداثة مراهقة، كأنها رفض لشيء مكبوت، أو انتفاض على موروث. كل ما في مظهره يدل على بقايا «هيبية معاصرة». بنطلون الجينز لا يفارقه. حذاؤه رياضي، علماً أن المناسبة التي جمعتنا كانت رسمية. جورباه ملونان ومقلّمان في شكل عريض، لا يمكن عدم ملاحظته. في شعره بقايا طول زائد. وفي عينيه زوغان يراوح بين القلق والخجل. يرتدي سترة غير رسمية، لكنّ كمّي قميصه يظهران طويلين من تحتها، مثل ثياب أهل الفن...». تطول جردة عين النائب الثاقبة المسجّلة، قبل أن يخلص إلى النتيجة: «طري العود... تلك السمة النافرة من كل محيَّاه، إضافةً إلى طابع المبتدئ».
يحيل وصف النائب لولي العهد الاشتراكي على كل دوافع التناقض ونوازع الصراع الداخلي، في نفس ذلك الشاب. ففي الشخصي، يكفيه أنه ابن عائلته الصغيرة تلك، مع كل ما فيها من تناقضات، تحيد عن ذكرها أعراف ومحرمات، وفي العائلة الأوسع صوب الأسلاف، تكفيه أطياف القصر الذي يسكنه، وتسكنه الأطياف. ما من جدّ له مات على سريره، أو توفي وفاة طبيعية منذ عقود سحيقة، حتى المساحات الخضراء المحيطة بغرف النوم، ليست غير مرقد لهؤلاء «الآخرين»، تقوم شواهدهم مثل خلفيّة خشبة شكسبيرية، أو يأتون منها ليلاً، كما في رواية أمينابار والفيلم.
والده هرب طويلاً من ذاك السجن، إلى اللهو والفرح والدراجة النارية. هو، هرب من السجنين، من خطر الأطياف، ومن طيف المخاطر، إلى لندن وباريس وعواصم أخرى، مدركاً ـــــ كما والده ـــــ أن قدره العودة إلى السجن وانتحار خيار الهروب.
أما عائلته الأوسع، فلا تقدّم إليه راحة أكبر ولا ملاذاً أكثر أماناً. باطنية مركونة إلى حجة «الحركة»، ودعوة مغلقة منذ عشرة قرون.
مع أن جدّه الأول جان بولاد، دخلها بعد إغلاقها مطلع السادس عشر، بعدما كان حاكماً كردياً سنياً على حلب.
تحمله عائلته على الطبع «الفولاذي»، وهو أصل الاسم، وتحمله تقيته، في المقابل، على «التستر بالمألوف». هكذا يستوعب في مخيّلته الجماعية كل تناقضات السلوك البشري: أن يكون ولي عهد، وعلى رأس حزب اشتراكي، أن يكون في أممية دولية للبروليتاريا، وأن يصل مؤتمراتها على متن نفاثة خاصة يقودها سائق لدى البيك، برتبة نائب، أو حتى وزير، إذا سمحت المحاصصات، أن يكون حفيداً لحامل وسام لينين، وأن يمضي أعوام وعيه السياسي الأولى، على حلم الوالد بوظيفة في نيويورك. أن يكون أول أوتوغراف لصورة له، من توقيع عبد الحليم خدام، وأن يكون أول دور سياسي دولي له، مصالحة العائلة والقصر مع بشار الأسد.
أن يكون قد ولد على صوت والده مودعاً بالقول: «سلامي إلى تيمور»، قبل أن يغادر احتجاجاً على رئاسة بشير الجميل، وأن يكون في أكثرية نيابية واحدة مع نجل بشير. أن يكون «معلمه» الحزبي والسياسي أكرم شهيب، وأن يكون دخوله القيادي الأول إلى أرض 7 أيار، تلك الأرض التي صورت «معلمه» مع العدو أيام الاحتلال...
ولا تنتهي التناقضات في موروث ولي العهد، كأنه «مانوية» متجسدة في إنسان، تُرى، لتلك الأسباب أطلق عليه والده اسم تيمور؟ ليستمد منه ما يحتاج إليه في حياته القدرية، وفي ما يورثه له القصر وسيده وشواهده وتاريخه؟ فالكلمة تعني في اللغة المنغولية «الحديد». لتصير الترجمة اللغوية لاسم الزعيم «المختاري» الجديد: الحديد الفولاذي. ومع ذلك، طري العود، قال عنه النائب الذي التقاه.
في إحدى زياراته الأولى إلى العاصمة الفرنسية بعد «تتويجه»، يروي أحد أصدقاء وليد جنبلاط، أنه التقى في أمسية باريسية، سيدة من الحرس الاشتراكي الميتراندي القديم. سألته عن عمله فأجابها ساخراً: «لقد ورثت عن والدي حزباً يسارياً». تراه باللهجة نفسها توجه تيمور إلى بعض أتباعه أمس، داعياً إلى الخروج من الذهنيات الطائفية والمذهبية والعائلية»؟

Script executed in 0.18831396102905