أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بريد أيام زمان.. لم تبق الا الذكريات الجميلة

الأحد 06 أيلول , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,851 زائر

بريد أيام زمان.. لم تبق الا الذكريات الجميلة

باتت بعض مراكز "البريد" مخصصة ومعقبة للمعاملات والخدمات التي تسهل على المواطنين إنجازها مقابل رســوم مالية رمــزيــة بــدلا مــن مشقة الانتقال الى الدوائر الرسمية والانتظار كما هي الحال في الــدول الاوروبية، بينما تحول ما تبقى منها والتابعة لــوزارة الاتصالات الى مجرد ذكريات جميلة يرويها الموظفون السابقون للحاليين بشوق وحسرة بانتظار وصول رسالة ما بعدما كانت على مدى عقود طويلة وسيلة التواصل بين المقيمين والمغتربين، تحمل الفرح الى قلب صاحبها لمجرد رؤيــة ساعي البريد يحملها اليه من بعيد.

   في بريد عين الحلوة الكائن قبالة مسجد "الموصللي" في تعمير صيدا، يجلس ما تبقى من موظفين بانتظار وصــول رســالــة مــا، قبل ان يعاجلك احدهم "ان الاشخاص الذين يدخلون الــمــركــز لايــــداع رســائــلــهــم يــعــدون على اصابع اليد وهم معظمهم اما متقدمون في السن او من التابعية السريلانكية او بنغلادش التي يعمل افراد منها في لبنان، ولا يجدون وسيلة تواصل مع ذويهم في الخارج الا عبر الرسالة المكتوبة. ويستعيد الحاج هلال عنتر (65 عاما) والتي قضى منها 42 عاما كساعي بريد ذكرياته مع هذه المهنة التي بدأت تتلاشى، فيقول" باشرت العمل في 5 تشرين الثاني العام 1966 وأحلت الى التقاعد في 25 تموز 2008 اي انني خدمت نحو 42 عاما، كانت مليئة بالروايات والذكريات، لم يكن ساعي البريد مجرد موظف ينقل الرسائل وبطاقات المعايدة بل بات "دليل المدينة" وصديقا للناس الذين لهم مسافرون في الــخــارج".

وأضاف: "صحيح كانت الرسالة تتطلب اسبوعا وما يزيد لتصل ولكن كان لها اثر كبير على مستلميها وهي تحمل معاني الشوق والانتظار، كثير منهم كانوا ينتظروننا عند مداخل وابواب المنازل واحيانا يكرموننا بالاستضافة وشرب القهوة والشاي والحلوى وحتى الهدايا".

ويــعــزو عنتر سبب تأخر وصــول الرسائل آنــذاك الــى حركة الطيران البطيئة بسبب قلة المسافرين قبل خمسة عقود، كانت الرسائل تصل الى مطار بيروت ثم تفرز وفق المناطق ثم ترسل الى المركز في صيدا وبدورنا نقوم بفرزها وفق الاحياﺀ والمناطق والقرى قبل ان نباشر توزيعها وكل ذلك يتطلب وقتا وجهدا، رغم وجود 35 موظفا 8 منهم ســعــاة بــريــد ـ موزعون.

ويستذكر رفاقه في العمل خضر غزاوي، نعيم غصن، سمير اسكندر، زكريا البابا، انيس ابــو زيــد، عفيف نجم وسامي متى، ليقول "لقد عشنا اجمل ايامنا، كنا نعتبر انفسنا صلة الوصل بين المغتربين والناس هنا، وكــم هو شعور رائــع ان ننقل خبرا سارا او نبأ بعودة مسافر، كان الناس ينتظرون بشوق وبالترحاب والتحية والابتسامة". ولا يخفي عنتر ان وسيلة النقل لايصال الرسائل كانت بدائية"، كنا نعتمد على القدمين في غالب الاحيان او على الدراجة الهوائية او النارية حينا ولاحقا السيارة الخاصة كي لا تتكدس الرسائل وتصل الى مستلميها سريعا "، قبل ان يردف" لقد حفظت احياﺀ المدينة وازقتها ومنازلها عن ظهر قلب، قبل ان انتقل الى وظيفة فرز الرسائل وبديل اي ساع مجاز".

واضاف: "ان اكثر الاوقات صعوبة في العمل كانت بعد انتهاﺀ العام الدراسي، بعض المدارس كانت توزع علامات الطلاب عبر البريد، فنحملها الى ذويهم في منازلهم وهذا الامر يتطلب جهدا ووقتا كبيرين وسرعة للوصول اليهم". ويبتسم عنتر وهو يستذكر حادثة وقعت معه، اذ وصلت ذات مرة رسالة من المانيا، مكتوب عليها اسم المنطقة واسم المستلم دون اي تفاصيل، ليروي "بقيت اسأل عن صاحبتها اياما معدودة الى ان تمكنت مــن الــوصــول اليها، عندما طرقت باب المنزل وعرفتني بادرتني القول" هلق جئت.. لقد وصل المسافر نفسه "، قبل ان يردف" كانت الرسائل البريدية في الماضي يتطلب وصولها الى صاحبها شهورا، ونــادرا لا تصل أبدا".


ووجد حالياً في لبنان 250 ساعي بريد يتناوبون على توزيعه بصورة سريعة لا تتجاوز الـ 24 ساعة داخل بيروت والـ 48 ساعة خارجها، وهم يتنقلون اما سيراً على الاقدام او في سيارات خاصة او على دراجات نارية وقد خضعوا الى دورة تدريبية استغرقت حوالي السنة ليقوموا بمهامهم على اكمل وجه. وفي صيدا هناك مركزان للبريد، الاول الرئيسي والكائن في شارع رياض الصلح وبات مخصصا لشركة "ليبنانون بوست"، بينما اصبح بريد عين الحلوة في المخيم المركز الوحيد التابع للدولة.
 

Script executed in 0.19370484352112