أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«أسماء المودعين جعلتني أثق به ثقة عمياء»... «ولو تعرفون قصة باخرة النفط!»

الأربعاء 09 أيلول , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,604 زائر

«أسماء المودعين جعلتني أثق به ثقة عمياء»... «ولو تعرفون قصة باخرة النفط!»
إلا أنه، بين إفلاس الرجل وقصص المودعين، يكمن سؤال أساسي بات المتضررون والمراقبون يطرحونه: «كيف لهؤلاء الأشخاص أن يودعوا أموالاً طائلة لدى شخص لا يستعين بمستشار اقتصادي واحد؟».
الحديث مع متضرر ـ مستثمر هو من نوعين: هناك من يبادر، من تلقاء نفسه، إلى الدردشة مع الإعلام عن قصته مع عز الدين، مفنداً المبالغ التي أودعها، ومعرجاً على ثقة كان يكنّها للرجل الذي أفلس فجأة. وفي المقابل، ثمة مجموعة أخرى تفضل التكتم على الأرقام الكبيرة التي تدل إلى خسارة خسرها أفرادها، ويكتفي هؤلاء بسرد ظروف التعارف بعز الدين مع التشديد على عدم ذكر المهنة والاسم.
و«الصيام» عن الكلام في هذه الحالة لا يكون بالضرورة محبة في عز الدين، بقدر ما يندرج في خانة التريث الضمني وتجنب بث أقاويل ومعلومات ربما لم يأتِ وقتها بعد. السؤال والجواب، عند هؤلاء، يأتي في صيغة اﻠ»أنا»، التي سرعان ما تعلو وتيرة الهجوم فيها.
لولا إيمانه لفقد عقله
يفضل أحد المتضررين من قضية الافلاس، وهو من النوع الذي يفضل عدم ذكر اسمه لأن «الإدلاء باسمه سيجلب له المشاكل، خصوصاً في هذا الوقت، مع بعض الأشخاص الذين طلبوا من المستثمرين عدم الحديث إلى الصحافة». ويقول الرجل الأربعيني، الذي خسر «تحويشة العمر»، وهي بقيمة ثمانية ملايين دولار، أنه لولا إيمانه الشديد بالله، لكان أصبح مختلاً عقلياً منذ اللحظة التي علم فيها بالنبأ المشؤوم، غير أن «ما يصبّرني حتى الآن، غير إيماني بالله، عائلتي وأولادي».
يستذكر المتضرر، الذي ما زال يتابع العمل في معمله التجاري، قصة تعرفه على صلاح عز الدين. تضيق حدقتاه وهو يحكي: «في العام 1986، أديت فريضة الحج مع الحاج صلاح في حملة السلام التي كان شريكاً فيها قبل أن يفتتح حملة باب السلام. واخترت تلك الحملة آنذاك لأنها لأنها كانت الأفضل». يضيف: «المهم، تعرفت عليه هناك. كان نشيطاً وذا أخلاق حميدة. حتى أنه كان يتمتع بدماثة عالية، تقربك منه تلقائياً. حينها، كان الحاج صلاح فرخاً في التجارة. مرت الأيام، وصرنا نلتقي في المناسبات، تارةً في المسجد، وطوراً في الأفراح والأتراح».
ثم عرف الرجل أن عز الدين يشغل الأموال في النفط، بحيث يعمد إلى شراء نفط خام من إيران ويبيعه إلى عدة دول وتجار، ثم يشتري المحروقات من الخارج ويدخلها إلى السوق الإيرانية. تبلورت الفكرة أكثر في العام 2002، عندما تأكد محدثنا بأن الكثير من الناس الموثوقين يودعون الأموال عند صاحب «دار الهادي»، علماً أنه لا يحبّ ذكر أسماء هؤلاء الناس.
«في تلك السنة، اتفقت مع أشقائي على جمع مبلغ من المال وإيداعه عند عز الدين. ثم أخبرنا الأخير بأننا سنحصل على أرباح تصل نسبتها الى 24 في المئة في السنة»، كما يقول المودع نفسه، وبعد ثلاثة أشهر، أودع وأشقاءه مليون دولار إضافة إلى المبلغ الأول. حينها، كانت الدورة المالية على الشكل التالي: عز الدين يبيع النفط، ثم يقبض خلال أشهر. وبعدها، يمهل المودع عشرة أيام للتفكير: «هل تريد أخذ الأرباح، أم تود إبقاء المال؟». كان المودع الذي يحدثنا يفضل إبقاء الأموال مع عز الدين وفي بعض الأحيان يسحب من الأرباح المبلغ الذي يحتاجه «وأكبر مبلغ سحبناه لم يتجاوز المئتي ألف دولار». مع مرور الأيام، ازدادت ثقة الرجل بعز الدين، «وبالتحديد عندما صرت أرى من هم المودعون، وكيف يتعاملون مع الحاج صلاح. فأصبحت أثق به ثقة عمياء». وعندما وصلت الثقة الى تلك المرحلة، تزامناً مع تراجع مبيعات المعمل التجاري الذي يملكه المودع، قرر بيع كل الفروع وإبقاء فرع واحد، والهدف: إيداع الأموال التي تخطت الثمانية ملايين دولار مع عز الدين، بغية تشغيلها في مصالحه «الذهبية».
من النفط إلى الحديد
لم تقتصر مجالات عز الدين على النفط، «فمنذ مدة، عرض علينا إذا كنا نود تشغيل أموالنا في الحديد»، فوافق المودع محدّثنا على اقتراح عز الدين الذي ينص على جمع كسر حديد في الجزائر ثم توضيبه لشحنه إلى الصين، وموافقته كانت لأن العملية بدت مقنعة، بالإضافة إلى أن أرباح هذا الموضوع أكثر من النفط بنسبة ثلاثة في المئة.
هذا المودع، الذي سحب خلال سنواته السبع مع عز الدين نسبة 35 بالمئة من رأس المال، مقتنع بأن إفلاس عز الدين ليس تقنياً: «ليس في العالم حالة إفلاس مشابهة لما حصل معه. كان صديقي. ومصلحتي أن أتريث قبل الإدلاء برأيي. لكني متأكد من أنها عملية احتيالية».
لكن، إذا كانت احتيالية، أين ذهب بالأموال؟ وماذا سيفعل بحكم سجنه؟
«هل شاهدت فيلم مرجان أحمد مرجان لعادل إمام؟» يقول الرجل، «هل سمعت بالشاي بالياسمين؟ حبيبي.. القصة لا تحتاج إلى تفكير! أنا رأيي أنه قام برشوة الناس، وهرّب المال بالتعاون مع بعض شركائه إلى الخارج، وحتى في الداخل بأسماء أخرى. سينتظر. سنة.. ثلاثاً.. ثم سيخرج. وانتهت!». ويختم: «صلاح عز الدين محترف. نقطة! وسيبين التحقيق هذا الأمر... اللهم إلا إذا شرب شاياً بالياسمين».
خلاصة الأمر عند هذا المتضرر أنه سيمهل نفسه مدة أسبوع، ثم سيعمد إلى رفع دعوى جزائية على عز الدين، وقد اتفق مع محاميه. يستذكر في الآخر أمراً مهماً: «اكتشفت أنه كان يتصل بي وبغيري، في بعض الأحيان، من أرقام خارجية، وهو يكون في منزله الثاني... بروفشنال والله». يقول إن «أصعب ما في الحياة هو أن تنام على مبلغ جنيته في عمرك، ثم تستيقظ لتجده قد تبخّر. الآن، تغير كل نمط حياتنا. بتنا نعد أرغفة الخبز».
نمط الحديث مع المودع الأول، سيتكرر في الحوار مع الثاني أدناه، أي النبرة الهادئة التي سرعان ما تتطور إلى نبش الماضي والثأر من النفس وتوجيه الشتائم لنفسه ولمن كانوا يغطون عز الدين.
«تعلموا من كيسي»
المودع الثاني أيضاً لا يريد ذكر اسمه، لكن ليس خوفاً من أحد أو مراعاة لظروف البعض، بل لأنه يعتبر أن تفاصيل قصته خاصة به، ولا يريد لأحد أن يعرف بها، على الأقل عائلته: «لكني وافقتك على نشرها فقط ليتعلم غيري من كيسي. سأخبرك ماذا تعلمت..».
منذ حوالى الخمس سنوات، وإثر عودة الرجل من بلد الاغتراب، تعرف على الحاج صلاح عز الدين عبر «مجموعة من الأصدقاء القدامى، الذين تغيرت أحوالهم وأوضاعهم الأمنية». ونسبة لأوضاعهم الحساسة، اكتشف أهمية عز الدين ومكانته وأخبروه أنه يدير أموالهم.
مرت سنة، ولم يكن قد اقتنع تماماً بطريقة عمل عز الدين، «رغم أني عرفت أني لو قررت إيداع أي مبلغ، فسأحتاج إلى واسطة لأن عدد المستثمرين كان يكبر كثيراً! استشرت الأصدقاء، وهم أصدقاء عز الدين، وقررت الإقدام على أكبر خطأ في حياتي».
كان المودع الحذر قد ملّ من متابعة أمور الشركة التجارية التي يملكها، واكتشف أنها تضيع وقته ولا تدر له المال بوفرة. فعمد إلى طرد الموظفين وإغلاق الشركة بغية إيداع كل ما يملك من مال عند عز الدين، «خصوصاً أني صرت صديقاً له، وكنت أتسامر معه على نفَس نارجيلة.. كل يوم!». يقول إن المبلغ الذي أودعه عند عز الدين وصل إلى السبعمئة ألف دولار، على أساس أن رجل الأعمال سيشغلها في النفط أيضاً... «يا حبيبي لو بتعرف قصة الباخرة!» يضيف مبتسماً بحسرة، فقد عرفنا من مصادر قريبة منه، بأنه خلال خمس سنوات، كانت هناك حمولة باخرة نفط واحدة! الأمر المناقض تماماً لحديثه إذ كان يقول لنا إن هناك حمولة كل ثلاثة أشهر!».
يجزم الرجل بأنه سمع أخباراً كثيرة، «بعضها صحيح والبعض الآخر غير دقيق. لكن الصحيح هو ما حصل مع صديقي...». يتوقف متنهداً، ثم يتابع: «ما حصل معه، ليس تقنياً ولا بذخاً. يا زلمي، أنت احمل مليون دولار واحد، واطلع على السطح وارمِ المبلغ وبعثر المبلغ في الهواء. قديش بدو وقت ليخلص؟ وما بتخلص! كيف بخمسمئة مليون؟! أين المنطق؟».
درس بنصف مليون دولار
بيد أن هذا الرجل الأربعيني أيضاً وصل إلى «قناعة ثمنها نصف مليون دولار، مع أنها لا تستأهل هذا السعر: لا شيء في العالم، أي تجارة، قد تعطيك أرباحاً وتدوم وأنت جالس في المنزل، مدعياً أمام عائلتك أنك تتعب في العمل، في حين أنه لا عمل من الأصل. عندما تكون اتكالياً، سيكون مصيرك هكذا». ودرس آخر مهم: «لا تثق بأحد جراء ثقة أناس به. لماذا لا تفكر أنت بالشخص وتقرر لنفسك؟ ما حصل معي، ومع الآخرين، يتحمل مسؤوليته أيضاً أولئك الذين غطّوه الذين كان من المفترض أن يتابعوا وضعه الاقتصادي عن كثب. هم يدّعون فقط أنهم أمنيون، ولا علاقة لهم بالأمن! مجرد كلام واه!».
الحل الوحيد عند محدثنا الثاني الآن، كما يقول، هو الانتظار. فهو لن يرفع دعوى جزائية قبل التفكير ملياً وانتظار النتائج والتيقن من دقة المعلومات التي أشيعت عن أن أحد المراجع الكبيرة سيعوض على المتضررين: «لكن الذي أعرفه، هو أني سأعيد بناء نفسي من نقطة الصفر. تخيل أني لم أعد أستطيع تسجيل أولادي في المدرسة؟ لا أدري ما العمل... لكن الله لا يترك أحداً».
جعفر العطار

Script executed in 0.20328497886658