أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

القرطاسية: العالم القائم بذاته.. يفوق سبب وجوده أهمية

الأربعاء 09 أيلول , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 14,841 زائر

القرطاسية: العالم القائم بذاته.. يفوق سبب وجوده أهمية
الصورة على غلاف من الكرتون المقوى لدفتر. دفتا الكتاب تقبضان على جهاز بلاستيكي. على الجهاز، ثمانية رؤوس بيضاء صغيرة لصديقنا التاريخي «ميكي ماوس». لا وجوه لها غير أننا نعرفها من الدائرة التي تتصل بأعلاها دائرتان صغيرتان. واحدة من أشهر الماركات العالمية المسجلة، إن لم تكن أشهرها على الاطلاق.
هذه الرؤوس مرقمة من الواحد إلى الثمانية. بعد الرابع منها، زر بيضاوي الشكل. الزر يمانعك إذا كبسته. عليك العمل على الرؤوس الصغيرة. على الغلاف الأمامي كتابات بالإنكليزية: «إذهب إلى الرقص». «فانيسا هادغينز تعود بموسيقى أكثر، أفلام أكثر، وموضة أكثر». «زاك إيرفون» (بالاسود). «التق فتى ديزني الأغرّ» إذا صحت هذه الترجمة لتعبير meet disney’s boy wonder. في الأسفل عبارة العبارات: high school musical3. هذه، كيف نترجمها؟ بطريقة واحدة: «هاي سكول ميوزيكال 3».
على الغلاف الخلفي، يطل علينا زاك ثانية، بالنظرة الحالمة نفسها، تحته اسم الثانوية الغريبة من نوعها. وفي الأسفل بلد المنشأ. الدفتر صنع في... البلد الذي توارد اسمه إلى أذهانكم وأنتم تقرأون الآن.
الجهاز الأسود قفلٌ. كيف نفتحه ولا رقم سرياً لدينا؟ آه. إنه موجود على ورقة لاصقة. يمكن نزعها بعد حفظ الرقم. 1567. اضغط على هذه الأرقام من رؤوس عزيزنا ميكي، ثم اضغط على الزر في النصف.. وها أنت تدخل إلى العالم السرّي لمراهقة لم تكتب حرفاً على الدفتر الذي لم يشتره أحد، لأنه ما زال معروضاً في قسم القرطاسية الذي توسع مؤقتاً على حساب قسم اللألعاب في المجمع الاستهلاكي الكبير في الضواحي الشرقية لبيروت، ويمكن وضع زبائنه في خانة الطبقة الوسطى. القرطاسية هي سلعة أيلول، و«هاي سكول ميوزيكال ـ الجزء الثالث» (وليس الثاني أو الأول) هو نجم القرطاسية الأبرز، إن في هذا المتجر بأسعاره المتوسطة وبضاعته التي لا نقرأ عليها توقيع ديزني، أو في متاجر «أي غرض بـ500»، أو في المجمعات الكبرى التي تعرض قرطاسية «ديزني» الأصلية.
دفتر اليوميات بأوراقه الملونة تتكرر أسفلها صور نجمي ديزني «الهوليووديين»، هو أكثر أنواع القرطاسية حميمية. في المقابل، فإن هذه المجموعة الضاربة عالمياً، من التلامذة الراقصين، تتصدر أغلفة الحقائب، كبيرة وصغيرة ومتوسطة. يمكن الحصول على الحقائب منفردة، بأسعار تترواح بين العشرة آلاف ليرة للمقلدة، وخمسين ألفاً فصعوداً للأصلية. كما يمكن الحصول على مجموعة موحدة من الأدوات كالحقيبة وعبوة المياه وحقيبة الطعام والمقلمة والأقلام بسبعين إلى تسعين ألف ليرة، بحسب المتجر. وبمثل مجموعات كهذه، يكون التلميذ إعلاناً حياً وفخوراً للفيلم.
في المنصات جميعاً، ديزني تنافس ديزني. هانا مونتانا (مايلي سايرس) المراهقة المغنية، تزاحم زاك وأصحابه على النجومية. في محل «كل شيء بخمسمئة»، يمكنك شراء 12 قلم حبر (لكل قلم لون) عليها جميعاً صورة مونتانا، بألف ليرة.
ديزني تقدم بديلها الأصلي في مجمع استهلاكي: قلم حبر واحد ثمنه نحو ثمانية آلاف ليرة. أحد طرفيه مخصص للكتابة، أما الطرف الآخر ففيه مكبر للتفرج على صور متعددة للآنسة مونتانا في داخل القلم.
على غلاف دفتر آخر، تطل علينا مونتانا بشعرها الأشقر وتبرجها، وابتسامتها العريضة، فوق رأسها مرآة تشبه في شكلها ومكانها الورقة اللاصقة الصغيرة التي كانت تخصص في غابر الأيام لكتابة الاسم والصف واسم المادة. مرآة أحلام صغيرة ترتبط مباشرة بالصورة التي لا تبهت للنجمة. هانا مونتانا أيضاً، هي نجمة مجموعة صغيرة من القرطاسية الأنثوية يتخذ فيها القلم شكل قلم أحمر الشفاه.
ديزني ومقلدوه يستهدفون تلامذة الصفوف الابتدائية الأعلى وبداية المتوسط، بحسب التسميات اللبنانية القديمة للصفوف. لمن هم أصغر سناً، توظف ديزني نجوماً آخرين: ويني ذا بو ـ الدب الصغير عسلي اللون آكل العسل، وأصحابه «نمّور» و«فجلة» و«حوّار»، وهي الأسماء العربية للشخصيات (في النسخة المدبلجة من سلسلة الرسوم المتحركة)، لها على الأرجح رديف في معظم اللغات المنطوقة. هناك أيضاً السيارة الحمراء ذات العينين الواسعتين بطلة فيلم cars. وبولت، الكلب الذي انضم حديثاً إلى أسرة النجوم هذه.
نجوم ديزني المسنون، أمثال ميكي ماوس ودونالد داك (بطوط) ورفاقهما، نادرون، اللهم إلا ميني، بالسكربينة الشهيرة تتحول في الحقائب إلى ملقط للسحّاب.
«بيبي ليلي»، تخترق بخجل حصار «ديزني». كما يحقق سبايدرمان انتشاراً لا بأس به، ويمكن لقاء سوبرمان أحياناً، بنسخته الجديدة، وليس نسخة كريستوفر ريف التي ترجع إلى عصر الديناصورات. الديناصور الوحيد المكافح لأجل بقائه في هذه الغابة الاستهلاكية، هو بارني، البنفسجي الضاحك الذي لا يكتفي من الحب والرقص والغناء.
شركة واحدة تنأى بنفسها عن الاستنساخ. تقدم منتجاتها بصفة الاختلاف. جارة ديزني في المجمع، تبدو منتجاتها النقيض التام لما قبله. فجأة يحل الهدوء البصري.. ننتقل إلى عالم من موضة عصرية تبغي الأناقة الخالصة. شعار الشركة الاسبانية Busquets هو: «فلتكن مميزة». قرطاسيتها تستهدف، في معظمها، الأنثى في بداية مراهقتها. تعتمد رسومات من خارج السياق التلفزيوني الأميركي، وتأتي في نماذج متعددة، وفي مجموعات تتخطى المدرسة إلى البيت، حيث الخف، ودفتر اليوميات بالقفل. الأولوية هنا، لفني الرسم والتصميم. حقيبة الكتف، وبقية الأغراض، جزء من روح أوروبية رومانسية في الأزياء لا تحفل بمهرجان النجومية الأميركية يتشابه فيه الأولاد.
للمراهقين ايضاً، تقدم anson اليونانية منتوجها: angels للبنات. ورود، ولوني الزهري والبنفسجي، وexit للصبيان، باللون الاسود، فوقه خربشات من رسوم وعبارات متداخلة، كأنما القرطاسية جدار حر للتعبير، بكل الطرق. مشاعر المراهقين الغاضبة تعاد إليهم. كلمات مثل: «شغب»، «مجنون»، «غير آمن»، «لدي الكثير لأقوله لك».. «هل تسمعني؟»
التجوال بين الحقائب والدفاتر والأقلام متعة يمكن الواحد ألا يتوقف عنها. كلما طال الوقت، كلما ازداد التنوع، وازداد اكتشاف الأساليب الذكية لاستهداف التلامذة وأهلهم. الأكيد أن لا شيء في هذا التنوع يحيل إلى علة القرطاسية الاساس، أي تعريفها المبدئي البسيط بأنها أدوات للتعلم، لممارسة التعلّم. القرطاسية عالم قائم بذاته موازٍ لسبب وجوده، غير أنه لا يقل عنه أهمية، بل ربما يفوقه أهمية. في هذا العالم، المصنوع برمته، مقلداً وأصلياً، لا تعود نكتةً مقولة إن القرطاسية، أي الشكل، أكثر أهمية من المضمون، أي التّعلم.

Script executed in 0.19292497634888