غير أن الرئيس المتبّسم دوما، كان يميل بعنقه عنهم، إلى «سيجاره» وصمته، بما يفيد قصور الحاضرين عن إدراك خفايا الصورة، وبما يشي بأنه مقتنع بأن فريق الأقلية يريده على رأس الحكومة، لكن من اجل استنزافه وإحراقه.
كان الحريري بهذا المعنى يتفق مع أنصاره ومريديه بأن فريق الأقلية لا يريد تشكيل الحكومة. يريده رئيسا مُكلّفا، لا رئيسا مؤلفا، ينفق من رصيده، ورصيد أكثريته، بما يصادر نتائج الانتخابات، وبما يحد من القدرات الدفاعية إزاء قضايا خطرة وهامة، منها المحكمة الدولية، ومنها شروط وضوابط العلاقة مع دمشق، بما في ذلك زيارتها. إذ كان المطلوب على ما يسكن قلب الحريري، وعقول معاونيه، أن يزور دمشق منهكا، وبدل أن يطالبها بترسيم الحدود، وسلاح الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة خارج المخيمات، وغيرها من الأمور مما لحظها تفاهم «السين السين»، يصبح أقصى مطالبه تمرير الحكومة في لبنان.
منذ فترة غير قليلة إذاً، ومائدة سحور قريطم اليومية تجمع إلى خاصة الأصحاب، سوء ظن بالغا بالشركاء في الوطن. كان مشاورو الحريري يقولون باستمرار، لا يمكن للمنطقة أن تحمل منطقين متناقضين، منطق أحمدي نجاد وحكومات المواجهة، ومنطق سعد الحريري وحكومات التنمية. «إن الإصلاحيين داخل إيران لم تحملهم سلطة أحمدي نجاد، فكيف الحال مع لبنان»؟. رددوا هذه العبارة كما لو أنها شعار يرفع، أو نافلة السحور اليومية.
يوميا إذاً كان الرجل يسمع من يحثه على الثورة على «معطليه»، وعلى التشدد إزاء محاولة سرقة سلطات الرئاسة الثالثة منه من خلال تحويله، على ما قال يوم أمس في بيان الاعتذار، صندوق بريد للأندية السياسية. وكان حلفاؤه ومن بينهم سلفه، وصديق والده، فؤاد السنيورة يقدم خطابات تعبوية تنهل الكثير من مفرداتها، من الأدبيات الطائفية والمذهبية، في لحظة بدت الحاجة فيها إلى إعادة استنهاض الطائفة من أجل تلك الانتفاضة، التي انتهى إليها الحريري باعتذاره، أو ربما بدأها.
كثيرة هي الأسباب الموجبة للاعتذار تقول قريطم. فالأكثرية تنازلت عن الثلثين، ثم عن النصف زائدا واحدا، ثم منحت الثلث المعطل وإن مموّها، من دون أن يكون لها وديعة لدى الرئيس كما حصل مع المعارضة. في المقابل تقول قريطم إن الجنرال بدأ مسلسل مطالبه بثلاثة وزراء موارنة، إضافة إلى حقيبة الاتصالات، وانتهى بأربعة وزراء موارنة وخمس حقائب من بينها الاتصالات والداخلية، أي انه كان يزيد من مطالبه بدل أن يقدم تنازلات. ثم يسأل محدثوك من قصر الرئيس المكلف، بطريقة تكاد تكون متطابقة حتى في التعبير اللغوي: هل يوجد معارضة في العالم تحصل على حقيبة الداخلية؟
لدى أوساط الحريري يُسمع الكثير من كلام العهد القديم، عندما تسأل عن أسباب الاعتذار. «حزب الله» قال إن هاجسه الصيغة، وعندما قدمنا الصيغة التي ترضيه، قال دبروا أمركم مع الجنرال. نبيه بري جزم ذات يوم أن الاتفاق على الصيغة، يشكل الحكومة، وعندما أقرت الصيغة، قال لا حول ولا قوة لي. ثم إننا في تشكيلتنا أغضبنا الحلفاء لا سيما المسيحيين، عندما ظهر الجنرال وكأنه الزعيم المسيحي الأوحد، يقول القريبون من الرئيس المكلف. هؤلاء يشيرون بأن التشكيلة تلك، حملت صقورا من الخصوم، بينما قدمت حمائم من فريق الأكثرية، إلى حد أن أكثرهم اقرب إلى التكنوقراط، مع مشاركة نسائية هدفت إلى التخفيف من منسوب السياسة الحادة داخل الفريق الحكومي، وتقديم صورة غير تقليدية لحكومات لبنان.
وفي مفاوضات الساعات الأخيرة، اقترح وليد جنبلاط من نفسه استبدال حقيبة الاتصالات بالأشغال، فرد عليه فريق المعارضة بأنه يدرس الأمر. هذا الرد وضعه الحريري أيضا في إطار الشاهد على أن ما تقوم به المعارضة ليس سوى تضييع الوقت واستنزافه أكثر فأكثر.
في المحصلة شعر الحريري بأن الآخرين قد كمنوا له، وأن الحكومة ممنوعة من الصرف، وأنها موضوع للمقايضة على أمور كثيرة، ومنها المحكمة الدولية.
وفي لحظة سمع فيها ذلك الهجوم المبرمج على المحكمة، وعليه، وعلى الحكومة من الإعلام السوري، ومن ألسنته بالوكالة في لبنان، ومن بعض حلفاء دمشق، قرر الرجل أن يقلب الطاولة وينتفض على واقع استنزفه فعلا.
على أن اللافت للانتباه أن الحريري على ما يبدو كان يحاول أن يقلب الطاولة في وجه الحلفاء الإقليميين أيضا. إذ انه شعر ربما بأن الرياض يمكن أن تطلب منه ما قد يأخذ منه أكثر وأكثر. صحيح انه لا يقدم على خطوة كبيرة، لها تبعات إقليمية غير خافية، من دون وجود غض طرف سعودي بالحد الأدنى، إلا أنه ربما أراد أن يستبق أي محاولة سورية جديدة تجاه الرياض، تحرجه. إذ إن السوريين استطاعوا أواخر الشهر الماضي أن يستمهلوا الرياض عندما قررت إعلان نعي تفاهم «السين سين». ويقال إن القيادة السعودية كانت في طريقها إلى إعلان شديد اللهجة تجاه دمشق، إلا أن سوريا طلبت المزيد من الوقت لحل القضايا العالقة، ودخلت وقتها العلاقات بين البلدين في حالة «كوما».
بهذا المعنى لا تخلو خطوة الحريري من بعض المغامرة. إذ إن الخيارات المقبلة محدودة. وإن حمايته كرئيس مكلف لن تكون إلا من خلال إعادة الحياة إلى تفاهم «السين سين». لكنه أراد ربما أن يرفع سقف التفاوض، لا سيما عندما يقول في مرحلة ما بعد إعادة تكليفه مرة جديدة تشكيل الحكومة بأن ما حصل، يعفيه من الصيغة التي كان قد تم التوافق عليها، وأن العودة إلى الصيغة القديمة يجب أن تكون محمولة بثمن غير بخس.
على أبواب استحقاقات إقليمية ودولية هامة، ليس أقلها اجتماع مجموعة الثماني أواخر الشهر الجاري، والذي يفترض أن ينظر في قضايا هامة كملف إيران النووي، أعلن الحريري انه غير جاهز لتقديم المزيد. هي رسالة لكل من يعنيهم الأمر أن المساومات الإقليمية والدولية لا يجب أن تكون على حسابه. هي رسالة ربما إلى الحليف السعودي أيضا، الذي حاول مخاطبته بلغة يأنس لها، عندما أشار إلى أن موقع الطائفة السنية مستهدف بما حصل. بهذا المعنى فإن نصرة الحريري تصبح مطلبا استراتيجيا.
ربما يرضي سوريا أن يرفع الضغط الأميركي الذي جاءها هذه المرة من البوابة العراقية، فتعطي في لبنان، وبهذا تحل أزمة الحريري، لكن المعضلة أن دمشق تقول لمفاوضيها عندما يطالبونها بغير ملف، كالتفجيرات في العراق، أو الملف الفلسطيني، أو حتى الحكومة في لبنان، بأن ليس لها يد في الأمر، ربما يكون لطهران، وعندها يقول المفاوضون لماذا نعطي من لا يملك.
بكل الأحوال يقول العارفون إن دمشق قالت مباشرة في آخر اتصال مع الرياض إنه مطلوب وقف المحكمة الدولية، أيا يكن من ستستهدف، حزب الله، أو قريبين منه، أو سوريا. وعليه فإن سعد الحريري رئيس مكلف، كان، وسيعود، لحكومة، شاء القدر أن تكون مباشرة أو مواربة محط مقايضة كبرى.
كان الحريري بهذا المعنى يتفق مع أنصاره ومريديه بأن فريق الأقلية لا يريد تشكيل الحكومة. يريده رئيسا مُكلّفا، لا رئيسا مؤلفا، ينفق من رصيده، ورصيد أكثريته، بما يصادر نتائج الانتخابات، وبما يحد من القدرات الدفاعية إزاء قضايا خطرة وهامة، منها المحكمة الدولية، ومنها شروط وضوابط العلاقة مع دمشق، بما في ذلك زيارتها. إذ كان المطلوب على ما يسكن قلب الحريري، وعقول معاونيه، أن يزور دمشق منهكا، وبدل أن يطالبها بترسيم الحدود، وسلاح الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة خارج المخيمات، وغيرها من الأمور مما لحظها تفاهم «السين السين»، يصبح أقصى مطالبه تمرير الحكومة في لبنان.
منذ فترة غير قليلة إذاً، ومائدة سحور قريطم اليومية تجمع إلى خاصة الأصحاب، سوء ظن بالغا بالشركاء في الوطن. كان مشاورو الحريري يقولون باستمرار، لا يمكن للمنطقة أن تحمل منطقين متناقضين، منطق أحمدي نجاد وحكومات المواجهة، ومنطق سعد الحريري وحكومات التنمية. «إن الإصلاحيين داخل إيران لم تحملهم سلطة أحمدي نجاد، فكيف الحال مع لبنان»؟. رددوا هذه العبارة كما لو أنها شعار يرفع، أو نافلة السحور اليومية.
يوميا إذاً كان الرجل يسمع من يحثه على الثورة على «معطليه»، وعلى التشدد إزاء محاولة سرقة سلطات الرئاسة الثالثة منه من خلال تحويله، على ما قال يوم أمس في بيان الاعتذار، صندوق بريد للأندية السياسية. وكان حلفاؤه ومن بينهم سلفه، وصديق والده، فؤاد السنيورة يقدم خطابات تعبوية تنهل الكثير من مفرداتها، من الأدبيات الطائفية والمذهبية، في لحظة بدت الحاجة فيها إلى إعادة استنهاض الطائفة من أجل تلك الانتفاضة، التي انتهى إليها الحريري باعتذاره، أو ربما بدأها.
كثيرة هي الأسباب الموجبة للاعتذار تقول قريطم. فالأكثرية تنازلت عن الثلثين، ثم عن النصف زائدا واحدا، ثم منحت الثلث المعطل وإن مموّها، من دون أن يكون لها وديعة لدى الرئيس كما حصل مع المعارضة. في المقابل تقول قريطم إن الجنرال بدأ مسلسل مطالبه بثلاثة وزراء موارنة، إضافة إلى حقيبة الاتصالات، وانتهى بأربعة وزراء موارنة وخمس حقائب من بينها الاتصالات والداخلية، أي انه كان يزيد من مطالبه بدل أن يقدم تنازلات. ثم يسأل محدثوك من قصر الرئيس المكلف، بطريقة تكاد تكون متطابقة حتى في التعبير اللغوي: هل يوجد معارضة في العالم تحصل على حقيبة الداخلية؟
لدى أوساط الحريري يُسمع الكثير من كلام العهد القديم، عندما تسأل عن أسباب الاعتذار. «حزب الله» قال إن هاجسه الصيغة، وعندما قدمنا الصيغة التي ترضيه، قال دبروا أمركم مع الجنرال. نبيه بري جزم ذات يوم أن الاتفاق على الصيغة، يشكل الحكومة، وعندما أقرت الصيغة، قال لا حول ولا قوة لي. ثم إننا في تشكيلتنا أغضبنا الحلفاء لا سيما المسيحيين، عندما ظهر الجنرال وكأنه الزعيم المسيحي الأوحد، يقول القريبون من الرئيس المكلف. هؤلاء يشيرون بأن التشكيلة تلك، حملت صقورا من الخصوم، بينما قدمت حمائم من فريق الأكثرية، إلى حد أن أكثرهم اقرب إلى التكنوقراط، مع مشاركة نسائية هدفت إلى التخفيف من منسوب السياسة الحادة داخل الفريق الحكومي، وتقديم صورة غير تقليدية لحكومات لبنان.
وفي مفاوضات الساعات الأخيرة، اقترح وليد جنبلاط من نفسه استبدال حقيبة الاتصالات بالأشغال، فرد عليه فريق المعارضة بأنه يدرس الأمر. هذا الرد وضعه الحريري أيضا في إطار الشاهد على أن ما تقوم به المعارضة ليس سوى تضييع الوقت واستنزافه أكثر فأكثر.
في المحصلة شعر الحريري بأن الآخرين قد كمنوا له، وأن الحكومة ممنوعة من الصرف، وأنها موضوع للمقايضة على أمور كثيرة، ومنها المحكمة الدولية.
وفي لحظة سمع فيها ذلك الهجوم المبرمج على المحكمة، وعليه، وعلى الحكومة من الإعلام السوري، ومن ألسنته بالوكالة في لبنان، ومن بعض حلفاء دمشق، قرر الرجل أن يقلب الطاولة وينتفض على واقع استنزفه فعلا.
على أن اللافت للانتباه أن الحريري على ما يبدو كان يحاول أن يقلب الطاولة في وجه الحلفاء الإقليميين أيضا. إذ انه شعر ربما بأن الرياض يمكن أن تطلب منه ما قد يأخذ منه أكثر وأكثر. صحيح انه لا يقدم على خطوة كبيرة، لها تبعات إقليمية غير خافية، من دون وجود غض طرف سعودي بالحد الأدنى، إلا أنه ربما أراد أن يستبق أي محاولة سورية جديدة تجاه الرياض، تحرجه. إذ إن السوريين استطاعوا أواخر الشهر الماضي أن يستمهلوا الرياض عندما قررت إعلان نعي تفاهم «السين سين». ويقال إن القيادة السعودية كانت في طريقها إلى إعلان شديد اللهجة تجاه دمشق، إلا أن سوريا طلبت المزيد من الوقت لحل القضايا العالقة، ودخلت وقتها العلاقات بين البلدين في حالة «كوما».
بهذا المعنى لا تخلو خطوة الحريري من بعض المغامرة. إذ إن الخيارات المقبلة محدودة. وإن حمايته كرئيس مكلف لن تكون إلا من خلال إعادة الحياة إلى تفاهم «السين سين». لكنه أراد ربما أن يرفع سقف التفاوض، لا سيما عندما يقول في مرحلة ما بعد إعادة تكليفه مرة جديدة تشكيل الحكومة بأن ما حصل، يعفيه من الصيغة التي كان قد تم التوافق عليها، وأن العودة إلى الصيغة القديمة يجب أن تكون محمولة بثمن غير بخس.
على أبواب استحقاقات إقليمية ودولية هامة، ليس أقلها اجتماع مجموعة الثماني أواخر الشهر الجاري، والذي يفترض أن ينظر في قضايا هامة كملف إيران النووي، أعلن الحريري انه غير جاهز لتقديم المزيد. هي رسالة لكل من يعنيهم الأمر أن المساومات الإقليمية والدولية لا يجب أن تكون على حسابه. هي رسالة ربما إلى الحليف السعودي أيضا، الذي حاول مخاطبته بلغة يأنس لها، عندما أشار إلى أن موقع الطائفة السنية مستهدف بما حصل. بهذا المعنى فإن نصرة الحريري تصبح مطلبا استراتيجيا.
ربما يرضي سوريا أن يرفع الضغط الأميركي الذي جاءها هذه المرة من البوابة العراقية، فتعطي في لبنان، وبهذا تحل أزمة الحريري، لكن المعضلة أن دمشق تقول لمفاوضيها عندما يطالبونها بغير ملف، كالتفجيرات في العراق، أو الملف الفلسطيني، أو حتى الحكومة في لبنان، بأن ليس لها يد في الأمر، ربما يكون لطهران، وعندها يقول المفاوضون لماذا نعطي من لا يملك.
بكل الأحوال يقول العارفون إن دمشق قالت مباشرة في آخر اتصال مع الرياض إنه مطلوب وقف المحكمة الدولية، أيا يكن من ستستهدف، حزب الله، أو قريبين منه، أو سوريا. وعليه فإن سعد الحريري رئيس مكلف، كان، وسيعود، لحكومة، شاء القدر أن تكون مباشرة أو مواربة محط مقايضة كبرى.