أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

غادر «الأميركيّة» بقلب اصطناعي ينبض للمرة الأولى في لبنان

الجمعة 18 أيلول , 2009 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,838 زائر

غادر «الأميركيّة» بقلب اصطناعي ينبض للمرة الأولى في لبنان
قد يكون القلب الاصطناعي الذي زُرع في صدر محمد عواضه مصنوعاً من المعدن، لكن ذلك لم يمنعه من الانفعال عندما تحدّث عن تلك «اللحظة الأجمل» عندما يلاقي صبيانه الثلاثة وابنته في البيت... وعن «زوجتي» التي كانت أوّل من رآه عندما عاد إلى الحياة بعد العمليّة. يبدو أن القلب المعدني ينبض أيضاً.
على كرسي مدولب، أدخل عواضه (37 عاماً) إلى قاعة تعجّ بإعلاميين وبأطباء، على خصره جهاز إلكتروني، وإلى جانب الكرسي قنينة أوكسيجين. وبعدما أكّد أن بإمكانه الوقوف، انتقل إلى مقعد أعدّ خصيصاً له إلى يمين طاولة الأطباء. فهؤلاء كانوا يشاركون عواضه لقاءً صحافياً حول العمليّة الجراحيّة التي أجريت للمرّة الأولى في لبنان والتي تمّ خلالها زرع جهاز اصطناعي لمساعدة قلبه المريض، في مستشفى «الجامعة الأميركية في بيروت».
أدار عميد كلية الطب بالوكالة الدكتور زياد غزّال اللقاء الذي تحدّث فيه أساسا طبيب القلب المعالج الدكتور هادي سكوري، وهو اختصاصي في الاعتلالات القلبيّة وعمليات زرع القلب، إلى جانب رئيس قسم جراحة القلب الدكتور بيار صفير. كذلك، كان حاضراً كل من رئيس قسم الجراحة الدكتور جمال حب الله، رئيس دائرة الطب الداخلي الدكتور فؤاد زيادة، الدكتور رجا حداد، أحد كبار جراحي القلب ومدير المستشفى منذر قزيلي.
سئل عواضه عن شعوره اليوم، أجاب: «أنا هلّق طيّب! لما جيت لهون كنت ميّت». ثم استطرد قائلاً: «أنا 80 في المئة رجعت طيّب و20 في المئة من عداد الأموات». أما عن شعوره بعدما أفاق من العمليّة فقال: «ضحكت. فأنا قمت والحمد الله. لم أكن أتوقّع ذلك».
طوال عشرين يوماً، انتظر عواضه، وهو ممدّد على ظهره، مغادرة المستشفى: «لكنني سوف أعود إلى البيت، إلى عائلتي وأطفالي».
العمليّة مكلفة جداً. هكذا سمع الجميع. فيخبر عواضه أن التكاليف بلغت 105 آلاف يورو أي حوالى 155 ألف دولار أميركي أو 232 مليون ليرة لبنانية. هو لم يكن يملك ذلك المبلغ، لكن «بنك بيبلوس»، حيث يعمل، تكفّل بجميع تكاليف الجراحة. فشكر جميع من في المصرف، وسمّاهم.
إلى ذلك، أصرّ عواضه على شكر فريق الممرضين الذين «عذّّبتهم كثيراً، وقد صرخت طويلاً وأنا أتألّم».
وأنهى منظّمو اللقاء كلام عواضه عن هذا الحدّ. عليه أن يرتاح.
تفاصيل عملية عواضه
تم شرح العمليّة، التي أجريت في 28 آب الماضي، وما رافقها. فأوضح سكوري أن «ما جعلنا نقوم بالعمليّة هو الوضع الصحي للمريض الذي يشكو أيضاً من البدانة. فعندما يتخطى المريض وزناً معيّناً، نصبح عاجزين عن زرع قلب عضوي، الأمر الذي يدفعنا إلى زراعة قلب اصطناعي أو جهاز مساند للقلب».
وشرح سكوري وضع عواضه «الحرج جداً. وبعد علاج دام ستّة أسابيع، علمنا أنه لا مفرّ من زراعة الجهاز. فأعضاؤه الحيوية (الدماغ، الكلى، الرئتان والكبد) كانت قد بدأت بالتراجع في أداء وظائفها: «تحدثنا مع الأهل وشرحنا له ولهم إيجابيّات العمليّة، كما جميع مخاطرها والمضاعفات التي يمكن أن تقع». وقرّر عواضه المضي بها: «ولأن عمليّة من هذا النوع تتطلّب أكثر من طبيب واحد للقيام بجميع مهامها، اضطرنا إلى تشكيل فريق طبي متكامل».
أضاف صفير: «كانت هذه العمليّة الخطوة الأخيرة في علاج عواضه». وأشار إلى أنه في البداية، كانت «وظيفة هذه الأجهزة تهيئة المريض لزرع القلب العضوي. لكن، وبعدما تعذّر زرع قلب عضوي في كثير من الحالات، تحوّل القلب الاصطناعي إلى علاج بحد ذاته». ولحظ أنه يمكن أن تنجح عمليّة زرع قلب عضوي لدى عواضه إذا ما خسر وزناً.
لكن صفير الذي لفت إلى زرع حوالى ثلاثة آلاف جهاز مماثل خلال السنوات الأخيرة في العالم، خصوصاً في الدول الأوروبيّة وبلدان أميركا الشماليّة، أوضح أن «أقصى حدّ للحياة تمّ تسجيله عند الذين خضعوا لعمليات زرع مماثلة لم تتعدّ خمس سنوات وخمسة أشهر».
وردّاً على سؤال عن إمكانيّة زرع جهاز بعد آخر لإطالة الحياة، قال صفير إنه «يمكن استبدال الجهاز إذا ما وقع له أي خلل. لكن ذلك لا يمكن أن يطيل عمر المريض. فالجهاز ليس هو الذي يخدم خمس سنوات، بل يساعد القلب على الصمود لهذه الفترة. وحتى الآن، ليس أكثر».
التقنية ليست للجميع
عمليّة زرع جهاز اصطناعي تختلف عن زرع قلب طبيعي من واهب. وقد أوضح سكوري هنا أنه «في حين أن الأخير يتألف من أنسجة قد لا يتقبّلها جسم ما، الجهاز المعدني مصنوع ليتأقلم مع الجسم. لكن يبقى من الضروري على المريض تناول أدوية سيلان الدم».
ومتى يتمكّن المريض من استعادة حياته الطبيعيّة بعد العمليّة؟ أجاب سكوري أنه بعد مغادرة المستشفى، مريض بحالة عواضه يحتاج إلى أربعة أسابيع من الراحة، على أن يخضع لمتابعة دائمة كلّ يومين لمراقبة تطوّر حالته. إلى ذلك، «تكون عضلاته ضعيفة إذ أنه بعد النوم على مدى عشرين يوماً (في المستشفى)، لم تغذّ الدورة الدمويّة العضلات. الأمر الذي يحتّم علاجاً فيزيائياً له مثلاً». تدخّل صفير هنا لافتاً إلى أن «عواضه ليس بحاجة إلى عناية متخصّصة ومعقّدة. فالمستشفى درّب عائلته للاهتمام به وبالجهاز الخارجي أيضاً».
وعن إجراء هذه العمليّة اليوم في لبنان وليس في وقت سابق، مع العلم أن هذه التقنيّة تعود لبضع سنوات، ربط سكوري الأمر بتوافر الشروط المطلوبة لدى المريض بالإضافة إلى الشروط الماديّة.
وهنا، علّق غزّال جازما قائلاً: «يجب أن يدرك الناس أن هذه التقنيّة ليست الحلّ لكلّ من يعاني قصورا في القلب. على المريض أن يستوفي الشروط الصحيّة المناسبة وفي الوقت المناسب».
إلى ذلك، أوضح غزّال أن التقنيّة في تقدّم دائم: «لكنها وعلى الرغم من ذلك تبقى كلفتها عائقاً أمام توافرها لكلّ من يحتاجها». والتقدّم أتى على صعيد الحجم أساسا، «ففي البداية، كان المريض يسير وهو يجرّ جهازا بحجم البرّاد. أما اليوم فأصبح هذا الجهاز الذي يغذي آخر في القلب يزن فقط 400 غرام ويعلّق على خصر المريض».
بعد الإعلان عن نجاح عمليّة عواضه، حضر ثلاثة مرضى إلى المستشفى بهدف إجراء واحدة. بعد المعاينة، تبيّن أن اثنين منهم يمكن علاجهم بالدواء، أما الثالث فتجري دراسة وضعه في الوقت الحالي للتأكّد من ترشّحه للعمليّة.
وفي نهاية اللقاء، أصرّ غزّال على توضيح نقطة مهمّة فشرح أن «سبب القصور في القلب غالباً ما يأتي على أثر ذبحة قلبيّة نتيجة نشاف في الشرايين. وكي نتمكّن من تفادي هذه المشكلة وتحاشي الوصول إلى هنا، علينا أن نفكّر بأسلوب وقائي ونعرف أن النشاف يسبّبه التدخين بالدرجة الأولى بالإضافة إلى الضغط والسكري والبدانة وارتفاع نسبة الكولستيرول». مقدّمة لحملة توعويّة صحيّة.

Script executed in 0.18696808815002