أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

أيلول يُمهِل "التشرينَيْن..". والسماﺀُ تردّ بوحشيّة

الأربعاء 23 أيلول , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,810 زائر

أيلول يُمهِل "التشرينَيْن..". والسماﺀُ تردّ بوحشيّة

يبدو أنّ السماﺀ التي قرّرت أن "تعمل منيح" مـــع صــائــمــي رمــضــان وتــصــوم معهم، عــادت لــتــهــبّ فــجــأة وتــرمــي "جــمــيــلــهــا" فــي البحر مبشّرةً اللبنانييّن بشتاﺀٍ واعدٍ بالأمطار والسيول...

والكوارث.

لم تصمد شمس أيلول أمام ذَنَبِه الذي تخطى حدود "البلّ" ليسخى بأمطار لم يحلم بها الكانونان.

فالحال لم تكن طبيعيّة في شهر يفتخر الصيف ذو الأشهر الثلاثة بضمّه الى سوالفه التي لم يفت اللبنانيين شيﺀٌ من حرّها.

   صحيحٌ أن الدنيا أمطرت، وهو ليس بالأمر المستهجن مع بداية الخريف، بيد أنّ "وحشيّة" الهطول وكثافتها جعلتا من أيام السبت والأحد والإثنين حديثاً دسمًا على أفواه الخبراﺀ وكبار السنّ وكلّ مارّ على طــرقٍ بــدأت فضائحها تلوح بــاكــرً ا فــي توقيت لــم تحسب له الجهات المعنيّة أيّ حسابٍ. وإذا كانت الأرقام تتفاوت بين الأربعين والستين ملمترً ا تبعً ا للمصادر المختلفة ولمناطق القياس، فإنّ إجماعً ا "طقسيًا" كفيلٌ بشرح الواقع والتنبؤ للمستقبل: الإجماع يقول إنّ هــذه الأمطار المفاجئة والغزيرة التي لم تعايشها طرق لبنان منذ أكثر من 7 سنواتٍ قد تكون خير نذير باقتراب موعد البرد.

ليس صعبً ا على مختبِر طرق لبنان أن يلاحظ أنّ ما حــدث في اليومين الفائتين فاق ليس فقط كلّ التوقعات بل أيضً ا كلّ قدرات قنوات تصريف المياه. فالمشهد الذي عايشته السيارات المارّة على طريق المطار ليل السبت الأحد كان مخيفاً لا بل غير متكرّر. تحت الجسر المؤدّي الى استلام طريق المطار وهــو الجسر الــذي يمكن سلوكه من الأسفل ومــن الأعلى، كانت مخطئة كــلّ ســيــارة قــررت المغامرة بثوانٍ من التلطي من غزارة الأمطار بسلوكها الطريق السفلية.

هناك في تلك البقعة القصيرة نسبيً ا، صحيحٌ أنّ سقف الجسر الداخلي يحمي السيارات ومن فيها من جنون، السماﺀ بيد أنّ حفرة المياه التي كانت تنتظر السيارات لم تكن لترحم أيّ مارّ. أمّا الحصيلة فــحــدّث ولا حــرج. دقــائــق بسيطة كفيلة برسم مشهد شتائيّ مبكر: سيّاراتٌ بالجملة تقف في الصف أقــصــى اليمين ليس خــوفــاً من الطقس الهائج بل بسبب الأعطال التي اعترتها جراﺀ دخول المياه الى المحرّك، أمّا من حالفه الحظّ وكان أقصى اليمين، فنجا بأعجوبة قبل أن تباغته رقعة المياه العائمة التي يلامس عمقها نصف متر من دون أن تجد أيّ مصرّف لها.

إذا كانت الأمــطــار رحمت بعض الطرق مساﺀ السبت، بحيث يمكن التنقل بين أتوستراد مغمور بالمياه الــى آخــر جــاف تمامً ا، فإنها عادت لتساوي بين المناطق ولتعصف بكلّ ما يظهر أمامها من خيم بلاستيكية وأشــجــار ومــنــازل الــفــبــركــة ومـــزارع الدواجن. حتى البشر لم يسلموا من غضب الطبيعة، فعدا أولئك الذين لاحقتهم الأمطار من الــشــوارع الى عقر دورهــم، أدّت السيول العارمة الــى حـــوادث سير متنقلة لــم تنجُ منها المحافظات الستّ. أمّا من قرّر المغامرة بالتوجه الى الجنوب ليلاً وأكثر تحديدً ا قرابة التاسعة فكان عليه أن يضيﺀ إشاراته الخلفية على طــول الطريق وأن يحرص على ألاّ تتخطى سرعته الأربعين كيلومترً ا كحدّ أقصى.

مظاهر "مهزلة" الشوارع البيروتية، قابلتها عواصف رعديّة قاسية في البقاع حيث غمرت المياه كالمعتاد السهول والطرق، وهكذا كانت الحال في الجنوب حيث فاقت كميّة الأمطار كــلّ التوقعات ودفعت بالكثيرين من الجنوبيّين الى الخروج في أوقات "الصحو" بحثاً عن البزاق الذي يعمد بعضهم الى طبخه والآخر الى بيعه على الطرق والمفترقات. بعيدًا من الأضــرار التي لحقت بعددٍ كبير من المواطنين لا سيّما أصحاب المزارع، عاش الجنوبيون كما الجميع مشهدً ا شتائيً ا أيلولياً مبكرًا حيث لم يعتد الأسلاف على رائحة التراب الشتائي قبل التشرينين. أمّا في تفسيرهم المعمّر، فالشتاﺀُ واعـــدٌ و "زعــرنــة" أيلول يتلقفها كبار السنّ بالكثير مــن الــتــفــاؤل لجهة الخير وعطش الأرض، مقابل الكثير من الهواجس ببشائر شتاﺀٍ قــارس يحتم عليهم جمع حطبهم او شـــراﺀ مــازوتــهــم، حينها "تُفتح الأبواب المغلّقة" وتبدأ المصائب: اللجوﺀ الى التدفئة باكرًا أي الى الدفع، توديع موسم التفاح والأشجار التي تنتظر أيلول لتثمر، والأهم من ذلك انقطاع الكهرباﺀ الذي يعزز كآبة الجوّ الخارجي.

إذا كـــــان أيــــلــــول "بــيَــضــهــا" بشتائه بالنسبة الى كثيرين، فإنّ آخرين يعوّلون على "التشرينين" وشمسهما علّهما يكونان فعلاً صيفاً آخر وعلى قدر اللقب الذي حمّلوهما إيّاه. فهل يستكمل أيلول "زعرنته" بجولةٍ ثانيّة أم يصوم في ما تبقى منه ليترك "الشغل" على تشرين الذي يحسم كلّ التوقعات؟


استقبل رئيس حكومة تصريف الأعمال فؤاد السنيورة أمس الأمين العام للهيئة العليا للاغاثة اللواﺀ يحيى رعد واطلع منه على الأضرار الناتجة من السيول جراﺀ الأمطار والعواصف.

أكد رئيس مصلحة الابحاث العلمية الزراعية الدكتور ميشال افرام في حديث للمركزية ان "الأمطار التي تساقطت خلال ايلول فاقت معدلها وشكلت سابقة لم يشهد لبنان مثيلا لها، بحيث تراوحت كمية المتساقطات التي هطلت خلال ايلول بين 30 و50 ملمترً ا حسب المناطق، وسجلت 12 ملمترً ا في البقاع الاوسط.
 

Script executed in 0.16635704040527