تخيّلوا صقر يقول إن «عون صارح الحريري خلال اجتماعهما الأخير بأن مشروعيهما متشابهان إلى درجة التطابق»، وأن «الجنرال» يبدي تفهّماً كبيراً لطروحات «الشيخ سعد». وتخيّلوا كنعان يؤكد بإيجابية أن «لدى الحريري رغبة كبيرة في تأليف حكومة، وثمة انفراج في مسار سياسي مغلق منذ 19 سنة». والاثنان، لا يجدان في كلامهما أمراً غريباً يستحق شرحاً إضافياً لجمهوريهما الخاصين اللذين اعتادا سماع نقد عوني للحريريين، لا يوازيه حدة إلا النقد الحريري السلبي للعونيين.
ولرواية الودّ تتمة. فمصادر الوطني الحر والمستقبل تذهب في رهانها على الودّ المتبادل فجأة بين الحريري وعون إلى حد التأكيد أن التشكيلة الحكومية المقبولة من القوى السياسية الأساسية يمكن أن تبصر النور قبل نهاية الأسبوع المقبل. ويراهن الطرفان على قدرة الرجلين في اجتماعهما اليوم أو غداً (يتكتّم الطرفان على موعد اللقاء لأسباب أمنية) على القفز فوق بعض ثوابتهما، وتبادل التنازلات لتسهيل ولادة الحكومة قبل نهاية هذا الأسبوع. وسط معلومات من الطرفين تؤكد أن ثمة احتمالاً كبيراً لاتفاق يؤسس لولادة الحكومة.
ما الذي حصل؟ المواكبون للعلاقة بين الرجلين يؤكدون أن الحريري عشية اجتماعه الاستشاري الأول مع تكتل التغيير والإصلاح أوعز إلى «الجوقة» بوقف كل أشكال التحريض ضد عون. وسرعان ما فاجأ الحريري الجنرال بشرح خطته للحكم، موازناً في كلامه بين صورته كرجل دولة، وتطلّعه إلى الانطلاق عملياً في حياته السياسية، ملامساً مشاعر رئيس التغيير والإصلاح. ووجد تجاوباً من الجنرال الذي كان يسجل التعهدات الحريرية بمكافحة الفساد والتأسيس لقيام دولة قوية اقتصادياً تعتمد الشفافية والمحاسبة، مع العلم بأن الحريري لم يتردد في التطرق إلى ملفات وزارة المال والصناديق المتعددة واللامركزية الإدارية.
وفي اجتماعهما الأخير، تطرّق الحريري بطريقة غير مباشرة إلى توزير جبران باسيل، فقال إنه سعى لتأليف حكومة حمائم تطلق سريعاً النهضة الموعودة دون صخب الديوك وتأثيرهم السلبي. فأجابه عون مع ابتسامة هادئة بأن الحملة ضد باسيل كانت المبرر الأساسي لتمسّك التيار بتوزيره. عند هذا الحد، فضّ الاجتماع ليذهب الرجلان إلى خلوة يقول أحد المطّلعين على أجوائها إن الحريري فاز خلالها بإقناع عون بإعطائه فرصة جدية ليثبت نهجه وعدم محاسبته على النيّات. ولا يغيب عن المترقّبين للاجتماع الثالث خلال أسبوعين بين الحريري والجنرال دور المظلة الإقليمية الممثلة بالتفاهم السعودي ـــــ السوري في تسهيل ولادة الحل. وفي هذا السياق، يلمح أحد نواب التغيير والإصلاح إلى وجود ورقة عمل يصوغ عبرها فريق صغير جداً من التيارين الأمور المتفق عليها بين الفريقين، وقد يكون الاجتماع المقبل فرصة للتوقيع عليها.
هذا التفاؤل يشوبه بعض الحذر، إذ يبدي أحد نواب كتلة المستقبل ثقة كبيرة بإيجابية عون في موازاة إبدائه خشية من أن يدفع تفاهم الرجلين ثمن عدم نضج الحل إقليمياً، فيؤدي ذلك إلى انكسار جرّة الثقة نهائياً بين الطرفين. في المقابل، يخشى أحد نواب التغيير والإصلاح تأثير صراخ المتضررين على قناعات الحريري التي تبيّن أنها لا تتفق مع هواهم.
وهنا يبدو الحذر في محلِّه. ففي مثل هذه الأيام قبل 4 سنوات، زار العماد عون قريطم ليعلن من دارة الحريري أن ثمة تفاهماً بينهما على نحو 95% من الأمور، قبل أن يتصل الحريري ويقول إنه يرحّب بتوزير التيار لكنه يتحفّظ على توزير إلياس سكاف والطاشناق لعلاقتهما السيّئة مع الوالد.