أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ثلاثة خيارات «بلدية»: تأجيل أو تعديل أو إبقاء القديم على قدمه

السبت 17 تشرين الأول , 2009 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,146 زائر

ثلاثة خيارات «بلدية»: تأجيل أو تعديل أو إبقاء القديم على قدمه
 بهذا المعنى، وفي مفهوم بارود، إجراء الانتخابات البلدية في موعدها المحدّد بعد إقرار الإصلاحات اللازمة، لا يقل شأناً عن رسم «خريطة» الحقائب والوزراء في حكومة سعد الحريري الأولى، وهذا يستدعي تشكيل الحكومة بأسرع وقت حتى يتمكن مجلس النواب من إقرار التعديلات المقترحة بحضور أعضائها. مع ذلك أثار موقف بارود الأخير غباراً كثيفاً حول الرابط بين تأخير تشكيل الحكومة وتأخير الانتخابات البلدية، على اعتبار أن القانون موجود ويمكن إجراء الانتخابات بغض النظر عن المدة التي سيستغرقها تأليف الحكومة... ومع أو بدون تعديلات على القانون. عملياً لا أحد يتبنى خيار تأجيل الانتخابات، غير أن مدة الثمانية أشهر الفاصلة عن الاستحقاق تبدو كافية لطرح كافة السيناريوهات بما فيها تجاوز صناديق الاقتراع البلدية.
في الآونة الأخيرة كثّف وزير الداخلية من طلاّته «المدنية» بقرار شخصي لتسليط الضوء على ما يصنّفه من أولويات بناء الدولة على أسس صحيحة... والخطوة الأولى تبدأ من ديموقراطية الممارسة في أصغر ضيعة لبنانية. قبل أكثر من شهر شارك في ورشة عمل نظّمتها «الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات» ومنظمات من المجتمع المدني بشأن إطلاق حملة دفاع عن إصلاح قانون الانتخابات البلدية، واستقبل وفداً من «تكتل التغيير والإصلاح» ناقشه في موضوع اللامركزية الإدارية، وأطلق قبل أيام في ندوة حول «قانون الانتخابات» مواصفات القانون العادل المؤلف من سلّتين: الأولى نظام الانتخاب وتقسيم الدوائر والثانية مجموعة الإصلاحات البلدية.
في كافة هذه المحطات العلنية، وفي اجتماعات الكواليس، يخلع «محامي» المجتمع المدني قفازه الحكومي ويحرص على التأكيد أن رأيه شخصي لا يلزم حكومة تصريف الأعمال، ولا الحكومة العتيدة التي قد يعود زيراً للمرة الثانية لـ«داخليتها». الضغط «البارودي» يقابل بما يشبه اللامبالاة من جانب أكثرية الأطراف السياسية التي تستعد عملياً لمعارك الانتخابات البلدية «الطاحنة» في أيار من العام 2010 من دون أن يعنيها تغيير ملامح قانون 1977 الذي حوّلت الممارسات المشوهة له، المجلس البلدي الى رهينة بيد السياسيين. يخرج العونيون من سرب «اللامبالين» محاولين فرض «معادلة بلدية» جديدة تكون اللامركزية الادارية عمودها الأساس. يتحدثون هنا عن «تكامل» بين اللامركزية الإدارية وإصلاح قانون البلديات، بمعنى الأخذ بالاثنين وليس الاكتفاء بالترميم، على أن يكون التطبيق العملي الأول في انتخابات أيار. ملف سبق وناقشوه مع الرئيس المكلّف سعد الحريري، من ضمن «سلتهم» الإصلاحية، وبرز إصرار من جانب العماد ميشال عون على عدم إمكانية تجاوز «الثورة البيضاء» في المجالس البلدية.
تبدو وجهة نظر بارود أكثر واقعية. يرى وزير الداخلية أن الوقت الفاصل عن موعد إجراء الانتخابات النيابية أصبح ضيقاً ولا يسمح بتعديلات جذرية كالأخذ باللامركزية الإدارية، خصوصاً أنها لا تكون مجدية أو فاعلة إلا إذا تأمّنت لهيئاتها المحلية إمكانات مالية وتقنية ذاتية تمكّنها من ممارسة وظائفها وسلطتها باستقلالية تامة. يتبنى بارود إصلاحات تدريجية تبدأ باعتماد النسبية، وتكون مدخلاً لاعتمادها لاحقاً في الانتخابات النيابية المقبلة، وانتخاب رئيس البلدية مباشرة من الشعب والحدّ من الرقابة الادارية المسبقة... ويقف في وجه المروّجين لاحتمال تأجيل الانتخابات البلدية مفضّلاً إجراء الانتخابات في موعدها وبالمتوافر من القانون القديم. ويبدو أن مشروع خفض سن الاقتراع قد يدخل مجدّداً دائرة الخطر، مما سيحول دون مشاركة جيل ما بين الـ18 والـ21 في الانتخابات البلدية، فالمشروع يحتاج الى تعديل دستوري قبل نهاية العام الحالي لكي تتمكن وزارة الداخلية من إعداد لوائح الشطب وتصحيحها قبل الخامس من شباط 2010.
عملياً لن يكون الدخول في متاهات الإصلاحات البلدية متاحاً قبل بداية السنة المقبلة، فبعد عملية تأليف الحكومة المفتوحة على «التمديد»، ستنتقل النقاشات الى تفاصيل البيان الوزاري ونقاطه وفواصله، بعدها يشرّع مجلس النواب أبوابه أمام جلسات علنية قد تستغرق أياماً قبل نيل الحكومة الثقة، ولن يكون الملف البلدي جاهزاً «للتشريح» النيابي تحت قبة البرلمان إلا بعد اتفاق الأطراف السياسية على صياغة موحّدة له، في وقت لا شيء يؤشر حتى الساعة على أن «الطبخة» البلدية ستكون الطبق الرئيسي في أولى الجلسات النيابية. المسار التشريعي لقانون البلديات «المعدّل» تحكمه إذاً عقبات «أهل السلطة»، فيما يتمسّك «الإصلاحيون» بتأمين ولادة ميسّرة لنسخة منقّحة من قانون 1977، تعيد القطار البلدي الى سكته الصحيحة. تجزم أوساط نيابية في «تيار المستقبل» أن التأخير في تشكيل الحكومة انعكس سلباً على دورة الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلد وليس فقط على الاستحقاق البلدي لناحية تعذر إمكانية إدخال التعديلات الإصلاحية المطلوبة ضمن المهل القانونية. لكن الأوساط عينها تؤكد أن تأجيل إجراء الانتخابات غير وارد، ويمكن السير بها حتى بالقانون القديم، وإذا استدعى الأمر في ظل حكومة تصريف الأعمال...!
اعطى المرسوم الاشتراعي رقم 118 تاريخ 30-6-1977 البلديات دوراً محورياً في الإدارة المحلية والإنماء المناطقي في إطار ديموقراطية متقدمة وضمن صيغة إدارية وقانونية سليمة، ووسمه بنفحات ليبرالية عزّزت ممارسة اللامركزية الإدارية في مفهومها التطبيقي. عشية الانتخابات البلدية في العام 1998 عدّل القانون الذي نصّ في المادة 68 منه على انتخاب الرئيس ونائبه مباشرة من الشعب، وحصر انتخابهما بأعضاء المجلس البلدي. لم تتأخر السياسة في «النخر» في «عظام» البلديات. كونتونات «تابعة» تتجرع النفوذ ليس من النصوص، بل من الرعاية السياسية لها. ازدادت الهوة بين النص الإصلاحي والتطبيق العملي، وساهم «تفريخ» الصناديق من «الإنماء والإعمار» الى «المهجّرين» الى «مجلس الجنوب» في تراجع دور المجالس البلدية المفترض أن القانون 1977 أعطاها سلطات تقريرية وتنفيذية واسعة (المادة 54) وجعل سلطة الرقابة محدودة بحالات نص عليها القانون، ومنح البلدية حصانة خاصة لكونها سلطة منتخبة (المادة 137)... باختصار تحوّل رؤساء البلديات الى «مفاتيح» إنمائية في يد السياسيين، فيما رتب الأعضاء «دكاكين» على قياسهم، انسجاماً مع معادلة «الأمر الواقع»: البلدية بخدمة السياسة وليس العكس.
يسعى اليوم نواب «تكتل التغيير والإصلاح» الى إدخال تعديلات «الحد الأدنى»، تعيد للعمل البلدي شيئاً من الروحية التي أقرّ على أساسها قانون 1977. ومن ضمن هذه الإصلاحات إلغاء الرقابة المسبقة المقيّدة للمجالس البلدية. فالقانون، في المادة 135 منه، جعل سلطة الرقابة محدودة ضمن حالات محدّدة، وأتاح للمحافظ الحلول محل المجلس البلدي أو رئيسه إذا تمنّع عن القيام بما توجبه القوانين والأنظمة، من دون تدخله استنسابياً في ما هو عائد للهيئات البلدية المنتخبة، وهذا ما شوّه مبادئ اللامركزية التي ترجمت في أحد وجوهها بالمادة 54 من قانون البلديات التي جعلت قرارات المجلس البلدي نافذة باستثناء حالات محددة ذكرها النص القانوني. الممارسات البلدية المطعّمة بالأوامر السياسية قلبت مفهوم الرقابة رأساً على عقب، وأعطت جهاز «المراقب العام في البلدية» المرتبط مباشرة بوزارة الداخلية نفوذاً واسعاً جعله الممر الإلزامي لكل معاملة مهما كان نوعها أو حجمها، متخطياً حتى دور المحافظ والقائمقام. ويدفع الوزير بارود حالياً باتجاه إلغاء كل أنواع الرقابات المسبقة واستبدالها «بالرقابة اللاحقة»، لاقتناعه بأن قانون 1977 لم ينص على سلطة وصاية بل سلطة رقابة. في الأولى يعمّم مفهوم الفرض أما في الثانية فالرقابة تكون محدودة ومحصورة بنقاط محددة. وقد تمتع الوزير بارود بكثير من الجرأة ليقول أن العديد من المعاملات كانت تصل الى مكتب وزير الداخلية من دون أن يقتنع بجدوى وصولها اليه، فيما يجب أن تصل فعلــياً الى مكــتب القائمــقام أو المحافظ.
وتتضمن سلة التعديلات المقترحة أيضاً انتخاب رئيس البلدية مباشرة من الشعب، وإعادة النظر في اتحاد البلديات، إذ لا يعقل أن يتساوى صوت بلدية جونية في الاتحاد مثلا مع صوت بلدية لا يتجاوز عدد سكانها الـ400 نسمة. ويطالب العونيون بتطبيق مبدأ النسبية في البلديات الكبيرة كبيروت وطرابلس، ومن شأن هذا الأمر برأيهم أن يعكس تمثيلاً أصح للطوائف. لكن مراجع معنية في مسألة الانتخابات البلدية تشير الى أن النسبية ليست الحل الأمثل والمضمون لوصول أعضاء بلدية مسيحيين في بيروت، بل تقسيم الدوائر هو الانسب.
ويبدو أن العديد من المشاريع الإصلاحية في العمل البلدي تأخذ طريقها تدريجياً الى العلن، ويولي العماد ميشال عون اهتماماً استثنائياً لبعض الزوار الذين يحملون أفكاراً تطويرية في المجال البلدي. وقد أحال بعضها الى النقاش على الطاولة مع اختصاصيين في «التيار الوطني الحر» ومنها مشروع يركّز على مفهوم «الغاية» من وجود البلدية قبل الغوص في شكل قانون الانتخاب، وينطلق أساساً من ضرورة تقليص عدد البلديات الى نحو 70 بلدية، على اعتبار أن هناك عددا كبيراً من البلديات في القرى والضيع يفتقد للجهاز التنفيذي وللأمـــوال والموظفــين، مما يمنعها من ممارسة لائحة طويلة من المسؤوليات نصت عليها المادة 49. إضافة الى شمول البلديات كامل النطاق الجغرافي، وحسم مسألة السكان غير المقيمين، والحد من واقع وصول وجوه بلدية لا تملك المؤهلات المطلوبة لتولي مسؤوليات إنمائية بسبب موانع الترشيح عند فئات معينة... في بعض القرى ثمة من يقول «من الأسهل أن تترشح لرئاسة الجمهورية من أن تصبح مختاراً في قرية...!».

Script executed in 0.17843294143677