أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

كَذِبَ المتفائلون ولو صدقوا!

الجمعة 23 تشرين الأول , 2009 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,222 زائر

كَذِبَ المتفائلون ولو صدقوا!

س: «معالي الوزير (أو سعادة النائب)... ما جديد مفاوضات تأليف الحكومة؟».
ج: «الأجواء إيجابية. لكن ما أستطيع أن قوله اليوم أننا بتنا أقرب إلى تأليف الحكومة من أي وقت مضى».
بات هذا الحوار، منذ إعادة تكليف سعد الحريري تأليف الحكومة، مادة شبه يومية بين صحافيين وعدد كبير من السياسيين. يقول السياسي كلمته بثقة وجدية. يطلق تصريحه كمن كشف سراً لا يُحفَظ إلا في الآبار العميقة. وأبعد من ذلك، يحاول أن يوهم الصحافي بأنه المصدر شبه الوحيد لهذه «المعلومة». يتجاهل بعداً يسمّى «الزمن»، إذ إن المنطق يجيز القول إن حكومة ما ستؤلف، يوماً ما، في لبنان، بغضّ النظر عن المسافة الزمنية التي تفصلنا عنها. وبما أن تأليف الحكومة هو قدر (شبه) محتوم، فإننا، منطقياً، نقترب لحظة بعد أخرى من ذلك اليوم الموعود. ومن المستحيل أن نكون اليوم أبعد عن تأليف الحكومة مما كنا عليه أمس. لكن بعض السياسيين يأبون الاعتراف بذلك، ويجهدون لتفسير الماء بالماء، مقتنعين بأنهم يقدمون لسائلهم «معلومة» خطيرة.
التفاؤل خلال الأسابيع الماضية ازداد باطّراد بعد القمة السورية ـــــ السعودية، رغم أن أحد أبرز المطّلعين على ما يدور في دمشق أكّد أكثر من مرة أن الملف اللبناني لم يكن إلا بنداً ثانوياً على جدول أعمال القمة.
ولفترة طويلة من الزمن، كان رئيس مجلس النواب نبيه بري المتهم الأول بارتكاب التفاؤل. إلا أن بري استدرك بحنكته المعهودة. ومنذ التكليف الثاني، مدّد صيامه في الشأن الحكومي، وامتنع عن بثّ التفاؤل وتحديد المواعيد. ولخلافة بري في موقع المتفائل الأول، تبارى نواب من الأكثرية والأقلية لنيل هذا المنصب. لكن أكثر المتفائلين كانوا خلال الأيام العشرة الماضية من تيار المستقبل (وتكتّل لبنان أولاً) والتيار الوطني الحر.
ولنأخذ يوم 14 تشرين الأول الجاري على سبيل المثال. عضو تكتل لبنان أولاً النائب عقاب صقر أعلن أن «اختراقاً جزئياً واستثنائياً ونوعياً حصل وفتح الطريق أمام تأليف الحكومة في وقت سريع»، لافتاً إلى أن بعض اللمسات بقيت، وستظهر «خلال الأسبوع الحالي». لكن الأسبوع الأول مرّ، وها هو الثاني يشارف على الانتهاء من دون أي بارقة أمل.
التفاؤل لم يقتصر على صقر، المقرب جداً من سعد الحريري. فـ«المصادر» و«العارفون» لم يتركوا منفذ خيبة إلا سدّوه. وانتقلت عدوى التفاؤل إلى الضفة الأخرى. ففي اليوم ذاته الذي تفاءل فيه صقر، أكد عضو تكتل «التغيير والإصلاح» النائب نبيل نقولا «عدم وجود إفراط في الحديث عن الإيجابيات»، مشيراً إلى «أن هناك حقائق». وبرأي نقولا، إن «مجرد لقاء رئيس التكتل العماد ميشال عون مع رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري هو نوع من الإنجاز».
لكن بعض السياسيين كانوا لا يزالون محتفظين بخط الرجعة. وزير الاتصالات جبران باسيل أكد في اليوم ذاته أن «وزارة الاتصالات مطلب أساسي» لتكتل التغيير والإصلاح الذي يريد «استكمال المشاريع التي وضعها وباشر بها في الوزارة». وتحدّث باسيل عن «أمور غير قابلة للمقايضة»، لأن «حقنا الطبيعي لا يمكن إعطاؤنا إياه من كيسنا».
عودة إلى الضفة الأولى. تشاؤم. عضو كتلة المستقبل النائب أحمد فتفت، «استغرب إشاعة جو من التفاؤل في لبنان عقب محادثات س ـــــ س». ولم يكن وزير الشباب والرياضة السابق يعلم أنه سيطلق تصريحاً يمكن استخدامه بعد أسبوع لإدانة فريقه. فالنائب الشمالي رأى «أن الأقلية روّجت لهذا التفاؤل حتى لا تتحمّل مسؤولية إفشال حكومة الوحدة الوطنية كما حدث في المرة السابقة».
ضاعت الطاسة إذاً. عقاب صقر متفائل. أحمد فتفت متشائم. نبيل نقولا يؤكد أن الحديث عن الإيجابيات ليس مبالغاً فيه. أما جبران باسيل فيؤكد التمسك بـ«الحقوق» التي تعلن الأكثرية منذ أكثر من شهرين استحالة إعطائها للأقلية.
وسط الطاسة الضائعة، كان النائب هادي حبيش يتحدّث بشيء من الواقعية: «لسنا ضد الأجواء التفاؤلية إذا كانت حقيقية. لكن أن نقول بعد الاجتماعات إن الأجواء تفاؤلية بينما نحن لم نتخطّ عراقيل التأليف، نكون نضع المسؤولية على الطرف الآخر». وربما كان حبيش يقول الحقيقة للبنانيين، إذ أكد أن قضية وزارة الاتصالات «لم تُبحث بعد بالشكل النهائي».
عودة إلى الضفة الأخرى. نائب كتلة الوفاء للمقاومة نواف الموسوي يؤكد أن «العقبات الكبيرة جرى تخطيها». إلا أنه حفظ بدوره خط الرجعة، إذ دعا رئيس الحكومة المكلف «إلى خطوات جريئة وسريعة، لأنه كلما طالت مهلة تأليف الحكومة تضاءلت المناخات الإيجابية التي عكستها قمة دمشق، وأفسح في المجال أمام قوى متضررة رأيناها في تصريح فيلتمان والقصف في طرابلس والخبر الكاذب الذي سرّبه المصدر الامني» في حادثة طيرفلسيه.
ومع مرور الوقت، وبعد اللقاء الأخير بين عون والحريري، ثم استقبال الحريري للنائب سليمان فرنجية، ارتفع مستوى التفاؤل في صفوف تيار المستقبل وحلفائه المقربين. وبحلول يوم أول من أمس، بات نواب التيار يتبارون في تحديد عدد الأيام التي تحتاج إليها الحكومة لإبصار النور: أيام، قبل نهاية الشهر، عشرة أيام. ومن وحي مهنته الأصلية، قال النائب الطبيب عمار حوري إن «الطلق الحكومي بدأ والولادة قريبة».
ورغم أن القوات اللبنانية كانت الوحيدة التي التزمت طوال الوقت الابتعاد عن التفاؤل، فإن نائب رئيس هيئتها التنفيذية النائب جورج عدوان أكّد قبل يومين أن الحكومة ستبصر النور في غضون 10 أيام، متحدّثاً عن «نوع من القبول» لدى التيار الوطني الحر بالتخلي عن حقيبة الاتصالات، وأن البحث يجري في بدائل هذه الحقيبة.
في المقابل، انعكس تفاؤل 14 آذار حيطة وحذراً في أوساط قوى الأقلية. ويستخدم أحد المسؤولين المعارضين كلام أحمد فتفت بالمقلوب: الأكثرية تعمّدت ادّعاء التفاؤل، استمراراً منها في المعركة المفتوحة ضد العماد ميشال عون، لإظهاره بموقع المعطّل.
وبعد كلام النائب ميشال عون أول من أمس، الذي وضع حداً «لطموحات» المتفائلين، «انفنس» هؤلاء. النائب عمار حوري الذي كاد يحدّد اسم «القابلة» القانونية التي سيخرج المولود الحكومي على يديها، قال لـ«الأخبار» أمس إن تيار المستقبل يجري

يقول النائب أنطوان زهرا إن المتفائلين من الفريقين كانوا يكذبون على الناس

قراءة هادئة للواقع، وإنه لن يصدر أي تصريح. أما كلامه المنشور في صحيفة الاتحاد الإماراتية أمس، فقال حوري إنه يعود إلى 4 أو 5 أيام مضت. لكن ما نشرته «الاتحاد» تضمّن تحديداً «لساعات مقبلة» تتوضح خلالها «الصورة النهائية للحكومة» في اجتماع بين عون والحريري. فهل يعقل أن يكون حوري قد تحدّث عن «ساعات قليلة» قبل 5 أيام؟ فضلاً عن ذلك، فإن منسقية الإعلام في تيار المستقبل عمّمت كلام حوري على وسائل الإعلام صباح أمس. وإلى جانب كلام حوري، عممت المنسقية ذاتها حديثاً لزميله في الكتلة النائب نبيل دو فريج، يصف فيه الوزير جبران باسيل بـ«الفاشل الأكبر». عودة إذاً إلى الأجواء السابقة على التهدئة. تضيع الطاسة مجدداً. وترتفع نسبة الضياع عند العلم بأن «تيار المستقبل» عمّم على نوابه ضرورة التزام التهدئة. كيف خرج تصريح دو فريج إذاً؟ ربما هي «فلتة الشوط».
أما النائب نبيل نقولا، فأكد مساء أمس لـ«الأخبار» أن تفاؤله السابق كان «مبنيّاً على وقائع تتصل بما كان يجري خلال التفاوض» بين عون والحريري، إذ إن النقاش بين الرجلين، بحسب نقولا، «تناول عمق أزمة الحكم في لبنان، رغم أن الحريري لم يطرح أي صيغة حكومية على الجنرال، مكتفياً بنقاش في بعض الحقائب. لكن البحث لم يصل إلى توزيع الحقائب. وبناءً على ذلك، كنا متفائلين». ويكرّر نقولا كلامه على العرقلة التي وضعت عنوانها السفيرة الأميركية ميشال سيسون، واستكملها نواب الأكثرية وسمير جعجع. وأين بورصة التفاؤل اليوم؟ ينسحب نقولا خطوة إلى الوراء. تفاؤله بات مشروطاً. يقول: «أنا متفائل... إذا عاد الحريري إلى الأداء ذاته الذي تعامل به خلال الجلسات السابقة مع الجنرال».

صقر يغرّد وحيداً

وحده النائب عقاب صقر بقي ملتزماً موقفه. يؤكد لـ«الأخبار» أنه وضع سقفاً زمنياً للحكومة، هو نهاية الشهر الحالي، معيداً ثقته بهذا الموعد. ويقول مازحاً: لست متفائلاً، أنا مستبشر بالخير. ويعيد النائب البقاعي رهانه إلى عدة أسباب، أبرزها جدية التفاوض وحسن نيات الطرفين، والمظلة الإقليمية والدولية والخطر الداخلي (الاقتصادي والأمني) المحدق بالجميع، إضافة إلى الخطر الإسرائيلي الذي يهدّد لبنان. وماذا عن كلام عون أول من أمس؟ يعيد صقر سائله إلى كلام عون نفسه الذي قال إنه يريد الرد على من هاجمه ووضع التوقعات في نصابها. وبرأي صقر، إن ما يهزّ الطاولة ولا يقلبها يؤدي إلى تدعيمها. مجدداً، غرقٌ في التفاؤل، المبرّر لصقر إذا ما عُرِف أن الحريري «تمنّى» على نواب تكتل «لبنان أولاً» عدم فتح سجال مع عون.
ترك المتفائلون الساحة إذاً للقوات اللبنانية. وفي اتصال مع «الأخبار»، يقول عضو كتلة «القوات» النائب أنطوان زهرا إن حزبه كان ينتظر الاتفاق على الحقائب والأسماء، وحينذاك، يمكننا الحديث عن تفاؤل. ومن أين أتى جورج عدوان بجرعة التفاؤل؟ يجيب زهرا بأن الأجواء خلال الأيام الثلاثة الماضية كانت إيجابية، لكن الجميع أغفلوا الدور الإيراني. والدور الأميركي؟ يجيب زهرا: دلّني على تدخل الأميركيين!
عودة إلى عدوان. ولتبرير ما قاله زميله، يضيف زهرا: «الأستاذ جورج عدوان توقع تأليف الحكومة في غضون 10 أيام. فلننتظره»!
قبل ذلك، كان زهرا قد ردّ على سؤال عن سبب إشاعة عدد كبير من السياسيين لأجواء التفاؤل بالقول: «كانوا يكذبون على الناس»، قبل أن يستدرك النائب البتروني بسحب كلمة «الكذب».
هذه كانت، ربّما، الحقيقة الوحيدة.



الأمن عدوّ الفراغ

 

يرى مسؤول رسمي رفيع أن لبنان بات بعد محنة السنوات الخمس الماضية بحاجة إلى إعادة تحديد مرجعية، إذ فتح الانسحاب السوري من لبنان باب العودة إلى المؤسسات، «إلا أننا دمرنا ما كان قد بقي على قيد الحياة في الفترة اللاحقة لاتفاق الطائف. فلا الدستور هو المرجعية، ولا القانون، ولا المؤسسات». ويعيد المسؤول الواسع الاطلاع التذكير بأنّ البلاد أثبتت أنها استمرت على قيد الحياة من دون رئيس للجمهورية مدة تزيد على 6 أشهر، وفي ظل حكومة غير معترف بشرعيتها أكثر من عام ونصف عام، وها هي اليوم تستمر من دون حكومة كاملة الصلاحيات لنحو أربعة أشهر. وحتى اليوم، يبدو أن الجميع متفقون على أن حكومة تصريف الأعمال «لا تشكو من سلبيات تذكر»، إذا ما قورنت بحكومة فؤاد السنيورة الأولى، بين تشرين الثاني 2006 وأيار 2008، أي بعد خروج الوزراء الشيعة والوزير يعقوب الصراف منها.
وإمعاناً في نسف المرجعيات، لا يبدو أن مَن بيده الأمر في لبنان مستعد للتنازل للطرف الآخر للوصول إلى تأليف الحكومة، بحسب المسؤول ذاته الذي يرى أن الوضع خارج لبنان ليس أفضل حالاً. والوقائع حتى اليوم أظهرت أن السوريين غير مستعجلين لتأليف حكومة في بيروت، وهم غير مستعدين لتقديم تنازلات، لأن حلفاءهم هم الأقوى على الأرض، سياسياً وأمنياً وعسكرياً. وبالتالي، فإنهم ينتظرون تنازلاً من الفريق الآخر. وهذا الفريق لا يزال تحت السقف الأميركي الذي لن يقبل بتقديم تنازل في لبنان قبل الحصول على ثمن لم تقدمه سوريا بعد في العراق.
إلا أن المرجع ذاته يرى أن تفضيل حكومة تصريف الأعمال على حكومة السنيورة الأولى لا يعني أبداً أن الأحوال ستبقى على ما هي عليه. فبعض القضايا التي تؤثر في معيشة المواطنين لن تحتمل تأجيلاً إلى ما لا نهاية. وإضافة إلى ذلك، يبقى الهاجس الأمني هو الأكبر في هذه البلاد. ويبدأ الرجل بتعداد المناطق التي شهدت توترات أمنية خلال الأيام الماضية: مجدل عنجر، طرابلس، عين الرمانة، الطريق الجديدة... ليخلص إلى القول إن الانقسام السياسي الراهن، مهما حاولت الطبقة السياسية التخفيف من وطأته عبر بث التفاؤل، سينعكس سلباً على الوضع الأمني الذي لا يحتمل الفراغ لوقت طويل. وتنبع الخشية بالدرجة الأولى من أن الانقسام الذي قارب على إتمام سنته الخامسة، استنزف المؤسسات وزاد من اهترائها. ولمن لا يصدق، فلينظر إلى واقع المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي.

Script executed in 0.19523501396179