يكرر أحد العتيقين من كسروان نظريّته السابقة: لا حكومة قبل الانتخابات العراقيّة. بكلمات أخرى، سيُعيّد اللبنانيّون رأس السنة بحالة شعور متناقضة: فرح بعد وجود حكومة، لأن هذا يعني ضمناً عدم وجود ضرائب إضافيّة، وحالة حزن من استمرار الرئيس فؤاد السنيورة بتولي شؤونهم لرأس السنة الخامس على التوالي.
يعتقد الرجل أن الاشتباك الإقليمي أشرس من أن يقدر اللبنانيّون على فكّ ارتباطهم عنه، هذا إذا أرادوا ذلك أصلاً. وهذا الاشتباك لا يرى في لبنان إلّا ورقة مساومة، وخصوصاً أن الصراع على ثروات العراق الطبيعيّة، وموقعه الجغرافي المتميّز، أهم بكثير مما يُمكن أن يُقدّمه لبنان الذي لا يملك شيئاً سوى أنه جزء من العقد الذي يلفّ إسرائيل، وهو ما يُصطلح على تسميته «دول الطوق»، كما يقول أحد النواب.
يكثر الحديث في الصالونات السياسيّة عن اشتباك قادم إلى لبنان. قادم وليس مقبلاً. هو ليس خطأً لغوياً. قادم، لأنه يأتينا على قدمين، تحملان عقلاً واحداً، هو العقل الذي يحكم هذا البلد.
في واحدٍ من هذه الصالونات السياسيّة يدور حوارٌ بين متناقضين في السياسة. لا تجمعهما إلّا صداقةٌ قديمة. خلاصة حوارهما لا حكومة في القريب.
في صالون آخر، هناك من يبتسم لتطوّر الجنرال ميشال عون وفريقه السياسي. عمل الرجل على إشاعة جوّ من الإيجابيّة كي يُزيل عن نفسه تهمة التعطيل. تكتمل ابتسامة الرجل وتكاد تُلامس أذنيه، عندما يصل الأمر إلى النائب سليمان فرنجيّة. ثعلب جديد في السياسة المحليّة، يقول العتيق في السياسة اللبنانيّة: «هو ربما تأثير المناخ عليه»، في إشارة إلى الجبال المغطّاة بالأشجار التي تُحيط بالمنزل الخشبي لسليمان فرنجيّة.
في المحصّلة استطاع أن يضرب ضربة معلّم. أعلن تخلّيه عن أي حقيبة، وقبل ذلك صرّح ميشال عون أنه لا يُحبّذ اعتذار سعد الحريري ثانيةً، بل يُصرّ على أن يُؤلّف حكومة. ضربة المعلّم هي رمي كرة التعطيل إلى مرمى الحريري وحليفيه، رئيس حزب الكتائب أمين الجميّل ورئيس الهيئة التنفيذيّة في القوّات اللبنانيّة سمير جعجع، وما بقي من بقايا لقاء قرنة شهوان الذي تحوّلت عظامه إلى رميم.
ماذا سيفعل هؤلاء؟ ماذا سيبقى لهم بعد أن يبتلع ميشال عون الوزراء الثلاثة الموارنة و«يسرق» الرئيس ميشال سليمان مارونيّاً آخر؟ ماذا يبقى للنائب بطرس حرب والجميّل وجعجع؟ مسكين سعد الحريري، كيف سيتعاطى معه هؤلاء جميعاً.
ما الذي دفعه إلى الهاوية هذه؟ ما الذي أقنعه بأنه يجب أن يكون رئيساً للحكومة؟ ألم يكن من الأفضل دفع كرة النار هذه باتجاه آخرين؟ وهناك كثرٌ ممن سيكونون شاكرين له ذلك، ويبقى هو يترأس اجتماع 71 نائباً أكثرياً، أو 36 نائباً مستقبليّاً، يُمكنه أن يُضيف إليهم ثمانية نواب ليصبح اسمهم «كتلة لبنان أولاً».
إنها زحلة. فعلت الكثير هذه المدينة مع دائرتها. استهلكت الكثير من الأموال لجلب المغتربين من هذا الفريق وذاك. أقصت زعيماً اسمه الياس سكاف، وأخرجت ميشال عون من البقاع وأعطت سعد الحريري أكثريّته... لكنّها حوّلته إلى رجل يشتهي رئاسة الحكومة.
ها هو اليوم يُفاوض شمالاً ويميناً لتأليف حكومة مسمّاة حكومة وحدة وطنيّة. لكن من قال له إن الآخرين يُفاوضون من أجل حكومة. البقيّة يُفاوضون من زوايا أخرى. هناك من يرى أن
النظام مأزوم، وهذه حال «الشيعيّة السياسيّة». وهناك من يرى أن النظام بحاجة إلى بعض التعديلات، وهذه حال «المارونيّة السياسيّة» العائدة، التي تسعى عبر هذه التعديلات إلى أن تُعيد شيئاً من بريقها الذي دُفن مع اتفاق الطائف. وهناك من يُريد أن يُحافظ على خصوصيّة طائفيّة ما؟ وهذه حال الدروز بعدما أصبحوا بين «شاقوفين»: أحدهما سنّي وآخر شيعي.
سعد الحريري يُريد حكومة تسوية يرأسها هو. لكن من يكون الحكم عندما تهتزّ التسوية؟ هل ملك السعوديّة مستعدّ لها دائماً، وهل الرئيس السوري سيلتفت صوب الأزمة دوماً؟ كان أفضل لو كان سعد الحريري هو ضمانة التسوية. لو أودع رئاسة الحكومة مجدداً بين يدي أحد الذين يرتمون تحت جناحيه، وتحوّل هو إلى ضامن للتسوية، التي يُجمع الكثيرون على أن من الصعوبة لها أن تعيش طويلاً. ربما كان أفضل لو ذهب أو أرسل ابن عمّته نادر الحريري إلى دمشق. على الأقل فليدع السفير السوري علي عبد الكريم علي إلى مأدبة غداءٍ أو عشاء، وخصوصاً أن هناك من كتب أنه طاهٍ جيّد، كما أن هناك من التقى بعلي علي (هذه ليست تكراراً) في العشاء عند الوزير السابق وئام وهّاب، وقال عنه: رجل ذكي، خفيف الظلّ ولا يملك عنجهيّة ضباط الاستخبارات، ويُحاول جاهداً أن يكون دبلوماسياً.
كلام كثير يدور في الصالونات. هناك من يجرؤ على الإشارة إليه إعلامياً، وما كُتب بعض ما يُقال في الصالونات. وهناك من يصرخ: أبعدوا الكاميرا... لقد كذبت كثيراً. أبعدوا الكاميرا عني... إني أحضّر لـ 7 أيار جديد.
(الأخبار)