أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

كيس براغيت

الثلاثاء 27 تشرين الأول , 2009 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,341 زائر

كيس براغيت
لم تتشكل الحكومة حتى الآن، ومع ذلك لا يزال الشارع أخرس، ولا من يرفع صوته من شرفة أو نافذة. كانت التظاهرة في شوارع بيروت، من قبل، تسقط حكومة، وتؤلف أخرى، بل تسقط قراراً أو مرسوماً، وتنتصر لآخر. كان حينها الشارع، الشارع المنظم المحتسب لحركته، الواعي لمستقبله يتحرك بدافع مصلحته، وقد حقق الكثير، لا شارع الفوضى ورصاصها وحواجزها وعصاباتها ، والتعصب الذي ينصّبها على رقابنا.
كانت للشارع، أي للمواطن، كلمته وسلطته، عندما لم يكن ذات يوم لعبة بأيدي زعماء الطوائف، بل عندما كانت المعارضة لا تعني طائفة أو مذهباً، بل مواطنية وحسب.
لا يعني ذلك أن أحداً لا يعرف، اليوم، الضرر الذي يلحق الناس من التلكؤ في تشكيل الحكومة، بل الجميع باتوا مضروبين على رؤوسهم بالطائفية. الجميع صاروا ممسوكين من رقابهم وآذانهم، فمصالحم يقرؤونها تحت جفنيّ زعيم الطائفة، وأصواتهم لا تهتف إلا بالروح والدم لزعيم الطائفة.
لا تظاهرة واحدة تبدد بعض الخجل، فالقوى التي تقود التظاهرات اليوم، يسبب نزولها إلى الشارع حرباً أهلية، والناس الذين يجعلون الطائفية بيتهم، وإن استشعروا بخطر الفراغ الحكومي محكومون بكم أفواههم، فلا صوت فوق صوت الطائفة، ولا صوت يعلو صوت ممثلها.
لم يكن في صف السلطة، في مرحلة سابقة مثقفون يستطيعون ضرب أقدامهم بالأرض، كانوا قلة قليلة، في حين كانت الأحزاب المعارضة تحتل شوارع المثقفين ومقاهيهم ومكتباتهم وصحفهم، كانت الأحزاب تعني قيمة ثقافية، وجدلاً مشتعلاً حول المستقبل والتغيير والتقدم والبحث عن نظام أكثر إسعاداً للمواطن.
الآن وقد شقت الطوائف كل فئات المجتمع، لتتبين كلٌّ حصتها بينها، وتحجزها لمعاركها المقبلة، فهي رسمت خرائط وخطوط طول وعرض، حتى غابت الألوان الخاصة بالمثقفين ورجال الأعمال والعمال المقهورين ونقاباتهم، وتغيب شيئاً فشيئاً نكهة الحياة في لبنان، نكهة المجتمع والسياسة والحرية، مثلما غابت ألوان العلم عن الشارع، إلا إذا كان عنواناً للكذب والرياء وادعاء الانتماء إليه.
قتلتنا أعلام الطوائف، وقتلنا حاملوها والزعماء الذي يقفون على منابرها، وشعاراتهم، والمثقفون الذين صدّقوا الكذبة الكبيرة التي تقول: هذه أحزاب دولة وتلك أحزاب فوضى. الكل منغمسون بالفوضى حتى ما فوق أحلامهم.
قتلتنا الردة، كما يقول الشاعر العراقي مظفر النوّاب، قتلنا من ارتد على وطنه ووطنيته، مثقفاً كان أو مواطناً بسيطاً. قتلتنا الأحزاب التي انحرفت، والأفكار التي انزلقت إلى وحل الطائفية فصارت رائحتها نتنة...
هي مشكلة أن يتأخر تشكيل الحكومة كل هذا الوقت، وإن كان تشكيلها سوف لن يقدّم لنا لوحة جميلة، ما دامت الألوان المستخدمة لا تعبّر للحظة واحدة عن تغيير أو إنقاذ أو مستقبل زاهر، بل ما دام كل وزير يعلّق في عذاريه كيس براغيث، من صنع طائفته، من شأنه أن يشغله ويشغل الحكومة، إذا ما اختلطت براغيتها، بنزاعات لا تنتهي، ينسيهم الوطن والمواطنين طوال الوقت.

Script executed in 0.18873500823975