حسن عليق - الاخبار
مع بداية عهد رئيس الجمهورية ميشال سليمان، عاد مجلس قيادة المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي إلى الانعقاد بحضور كامل أعضائه، بعد مقاطعة العمداء: أنطوان شكور، عدنان اللقيس ومحمد قاسم لاجتماعاته لمدة دامت أكثر من سنتين. لكن العودة لم تؤدّ إلى ترميم أوضاع المؤسسة. سريعاً، طلب وزير الداخلية زياد بارود من المجلس حل مشكلتي القطعات المستحدثة (أُولاها «شعبة» المعلومات) وإجراء مناقلات عامة للضباط. وأعطى بارود مهلة تنتهي في اليوم الأخير من عام 2008. عَقد مجلس القيادة اجتماعاً طرح فيه المدير العام اللواء أشرف ريفي مشروعاً للبدء بقوننة «شعبة» المعلومات. كان ريفي يظن أن الاقتراح سيمرّ، إذ إنه بحاجة إلى ثمانية أصوات. وهؤلاء اعتادوا الموافقة طوال سنتين ونصف سنة. لكن المفاجأة كانت اعتراض المفتش العام العميد سيمون حداد ورئيس هيئة الأركان العميد جوزف الحجل، إضافة إلى المعارضة التقليدية من شكور واللقيس وقاسم.
لكن الاعتراض أخذ وجهاً هزلياً هذه المرة. فقائد وحدة القوى السيارة، العميد روبير جبور، رأى أن زملاءه المسيحيين (ما عدا رئيس وحدة الخدمات الاجتماعية العميد سمير قهوجي) يزايدون على «مسيحيّته»، بحسب أحد أعضاء المجلس، فقرر «المزايدة على المزايدة» معلناًَ معارضته، لأول مرة، لما يطرحه ريفي. لكنه سرعان ما عاد إلى موقفه الذي التزمه منذ عام 2005، وهو الذي مثّل مع وسام الحسن الوسادتين الرئيسيتين اللتين يتكئ عليهما ريفي في مشروعه الذي يقول إنه «يهدف إلى تطوير المؤسسة».
أما موقف حداد فيردّه ضباط في المديرية إلى تأثر الأخير «برأي وزير الداخلية الرافض لتوسيع فرع المعلومات». لكن آخرين، من فريق ريفي بالتحديد، قالوا إن حداد كان يأمل أن يضم التيار الوطني الحرّ شقيقه إلى لوائحه الانتخابية في دائرة جزين. وبحسب الضباط أنفسهم، فإن حداد كان يراهن على فوز المعارضة في الانتخابات النيابية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى حجل.
في المحصلة، إن الاجتماع الذي عقد نهاية العام الفائت انتهى إلى فشل ذريع. فقوننة «شعبة» المعلومات لم تنجح، وكذلك مسألة تشكيلات الضباط، فلجأ ريفي إلى تمديد قرارات نقل الضباط من دون موافقة مجلس القيادة، وهو ما لا يزال مستمراً إلى اليوم. وأعلن ريفي في المجلس أنه لن يسمح بالمسّ بـ«شعبة» المعلومات ما دام في منصبه.
ازدادت الأمور سوءاً. كان 3 من أعضاء المجلس يقاطعون اجتماعاته قبل اتفاق الدوحة، فإذا به يتوقف عن العمل توقفاً شبه نهائي منذ بداية العام الجاري، إذ انقسم المجلس إلى 6 أعضاء في صف ريفي، و5 ضده، ما يعني عدم القدرة على اتخاذ أي قرار. ومنذ ذلك الحين، لم تُعقد سوى جلسات معدودة يتعلق معظمها بترقية نحو 60 رتيباً إلى ضباط، علماً بأنهم فازوا بمباراة الترقية في آذار من عام 2007!
قانون أم انفصال؟
هدأت الأمور كجمر تحت الرماد، إلى أن وقعت حادثة الهروب من سجن رومية بداية صيف 2009. يومها، تبادل فريق ريفي وشكور اتهامات بالتقصير. الفريق الأول يتهم قائد الدرك بإغفال معلومات زوّده إياها فرع المعلومات واستخبارات الجيش عن احتمال حصول عملية هروب. أما شكور، فنفى حصوله على هذه المعلومات، رافعاً المسؤولية عن نفسه، قائلاً إن الضباط العاملين في السجن عيّنهم أشرف ريفي، وهو يمدّد تعيينهم من دون موافقة مجلس القيادة التي يفرضها القانون. ولا يترك قائد الدرك مناسبة إلا يكيل خلالها الشتائم (نعم الشتائم، وبأقذع العبارات) لريفي ووسام الحسن، مبدياً «عتبه» على وزير الداخلية زياد بارود «الذي يسمح بتجاوز القانون في المديرية». ولم يسلم رئيس الجمهورية والبطريرك نصر الله صفير من انتقاداته، لأنهما، برأيه، يغطيان الإقصاء الذي يتعرض له. وظلت قضية السجن تتفاعل في المديرية ووسائل الإعلام، إلى أن أصدر قائد الدرك تعميماً منع فيه القطعات التابعة له من تسلّم أي بريد من «شعبة» المعلومات (يوم 12 تشرين الأول 2009).
رفع شكور الصوت عالياً: فليطبّقوا القانون الذي يخرقونه بإنشاء قطعات من دون تعديل المراسيم المنظمة لعمل قوى الأمن الداخلي. وليطبّقوا القانون في التشكيلات، وليعيدوا المراكز التي عيّنوا فيها ضباطاً مسلمين في مكان الضباط المسيحيين.
أما الطرف الآخر، فلا يرى في قرار شكور إلا إعلاناً لانفصال أكبر وحدات قوى الأمن عن المديرية، «استناداً إلى عقدة مذهبية. فهو لم يحتمل أن يعيَّن ضابط مسلم في منطقة ذات غالبية سكانية مسيحية». ويلفت الضابط ذاته إلى أن ريفي «أراد كسر أحد التابوات في المديرية عندما عيّن ضباطاً مسيحيين في مناطق ذات أغلبية مسلمة (سرية صور مثلاً)، وضباطاً مسلمين في مناطق ذات غالبية مسيحية (المتن الشمالي)». في الأصل، يقول ضابط رفيع، إن «قرار شكور يضرّ أولاً وأخيراً بقطعات الدرك التي لم يحسن شكور إدارتها. وشاء شكور أو أبى، فإن «شعبة» المعلومات هي المصدر الأول للمعلومات الأمنية في المديرية. وبقراره، حرم شكور قطعاته هذا المصدر. كذلك فإن قائد الدرك يعرف أن للضباط المحيطين بريفي تواصلاً شبه يومي مع العدد الأكبر من ضباط الدرك. وهؤلاء ينفذون ما يطلبه منهم المحيطون بالمدير العام. ولن يتمكن قائد الدرك من الاقتصاص منهم، لأن معاقبة أي ضابط بحاجة إلى موافقة المدير العام».
يضيف الضابط ذاته أن شكور يمارس اليوم في وحدته ما يعترض عليه في المؤسسة. «هو يشكو قرارات نقل الضباط التي يصدرها ريفي من دون العودة إلى مجلس القيادة، فيما بدأ شخصياً بإصدار قرارات نقل ضباط داخل وحدته، قبل تمديد هذه القرارات، علماً بأن القانون يمنع عليه إصدار قرارات مماثلة، إلا لمدة محدودة، وفي ظروف خاصة».
ويقول ضابط آخر من الفريق المعارض لشكور إن «مَن يدير وحدة الدرك هو عدد من الرتباء المحيطين بقائدها الذي يكتفي بشتم رؤسائه». يضيف: «فليفسّر لنا قائد الدرك الحكمة الأمنية التي تجعله يضع في سرية درك الضاحية 312 فرداً، في مقابل 420 في الجديدة (المتن) و600 في بعلبك و363 في زحلة و283 في أميون (الكورة)؟ وما هو المنطق الذي يقول إن عديد سرية طوارئ الضاحية يقتصر على 65 فرداً، في مقابل 152 فرداً في طوارئ جونية؟ وهل يعقل أن عديد مفرزة السير في الضاحية لا يزيد على 69 شرطياً، فيما في المنطقة أكثر من 100 تقاطع؟ وهل يجوز أن يكون في سرية الضاحية سيارتان عسكريتان فقط عاملتان في مفرزة الطوارئ؟». ويجيب الضابط نفسه بأنّ المديرية «أرسلت مئات السيارات الجديدة إلى قيادة الدرك، لكن شكور عطّل استخدام العدد الأكبر منها عبر منع قيادتها، متذرعاً بعدم وجود شرطيين حائزين رخص سوق عسكرية، رغم أن ريفي كان قد أصدر تعميماً يسمح بموجبه للأفراد الحائزين رخص سوق مدنية بقيادة الآليات العسكرية».
لكن شكور، على مدى السنوات الماضية، اشتكى من أن وحدته تفتقد العديد الكافي. فالقانون ينصّ على وجود أكثر من 13 ألف ضابط ورتيب فيها، فيما عديدها الحالي لا يتجاوز 8 آلاف. إلا أن ذلك لا يقنع ضابطاً رفيعاً في الأمن الداخلي. يقول الأخير إن شكور مصيب في هذه النقطة، من دون أن يبرر ذلك واقع وحدة الدرك. إذ إن وحدات قوى الأمن كلها تشكو نقصاً في العديد الذي يحتاج إلى قرار من مجلس الوزراء لزيادته. وهذه القطعات تعمل بما هو موجود فيها. «ولنأخذ جهاز أمن السفارات مثلاً. فقائده العميد عدنان اللقيس هو أول من رفع الصوت في وجه ريفي، معترضاً على عدم قانونية عمل «شعبة» المعلومات. وهو قاطع اجتماعات مجلس القيادة قبل شكور بأشهر، وهو سياسياً يشهر خلافه مع المدير العام، من دون أن يؤثر ذلك على عمل جهاز أمن السفارات أو على العلاقة الشخصية بينهما. فهل منع اللقيس قطعاته من تلقّي بريد يتعلق بمعلومة أمنية؟».
يذهب ضابط آخر أبعد من ذلك، قائلاً إن التعامل مع شكور بات مستحيلاً، و«مشكلته لا تنحصر في العلاقة مع أشرف ريفي، بل في قدرته على العمل الجماعي. فما علاقة قانونية «شعبة» المعلومات باجتماع شكور مع رئيسه؟». ويروي الضابط حادثة يقول إنها حصلت قبل أسبوعين. حينذاك، كان ريفي خارج البلاد. وكالعادة، تولى العميد أنور يحيى مهماته مديراً عاماً بالوكالة. وفي أحد الأيام، اتصل يحيى بشكور طالباً منه الحضور إلى مكتبه لمناقشة بعض القضايا المتعلقة بعمل المؤسسة، فردّ شكور: مش قادر، مشغول!
ويخلص المصدر إلى القول إن قائد الدرك يعرف أنه لن يبقى في موقعه ذاته بعد تأليف الحكومة المقبلة، وخاصة أنه قطع خطوط تواصله مع معظم الأطراف السياسية، و«لم يعد يحظى برضى وزير الداخلية». ومن أجل ذلك «فإن شكّور يريد تصوير نفسه بطلاً ومدافعاً عن حقوق المسيحيين في المديرية». ويلفت المصدر إلى أن ما قام به شكور خلال العام الفائت، «وخاصة لناحية عدم انضباطه وتمرده على قرارات رئيسه، يعرّضه لعقوبات مسلكية يتيحها القانون للمدير العام، لأن غض النظر عمّا قام به سيكون سابقة تسمح لأي ضابط بالتمرد مستقبلاً».
بارود لن ينتظر طويلاً
حصر مشاكل المديرية بالخلاف بين شكور ورؤسائه هو نوع من التجني. فبحسب أحد أعضاء مجلس القيادة، أظهرت التجربة أن هذا المجلس عاجز عن إصلاح وضع المؤسسة، فضلاً عن تسيير شؤونها، «والحل الوحيد يبدأ باستبدالنا». وبالتأكيد، لا أحد يطمح إلى إصلاح المؤسسة. وأقصى المرتجى هو أن تكون «الأمور ماشية». وإعادة تسيير شؤون المؤسسة «باتت بحاجة إلى قرار سياسي».
القرار السياسي يبدأ من وزارة الداخلية. والوزير الحالي زياد بارود تدخّل أكثر من مرة، من دون أن يؤدي تدخّله إلى تغيير شيء في واقع الحال. الثغرة القانونية في القطعات المستحدثة لا تزال كما هي. والانقسام الذي يهدد وحدة المؤسسة يزداد حدة يوماً بعد يوم. ويقول المقربون من بارود إن التوازنات السياسية منعته قبل الانتخابات النيابية من إجراء تعديلات جذرية في مجلس القيادة. واليوم، هو في حكومة تصريف أعمال لا تتيح له إصدار مراسيم. وبحسب أحد المقربين من بارود، فإن الأخير، بعد عودته إلى وزارة الداخلية في الحكومة المقبلة، لن ينتظر أكثر من أيام قليلة بعد نيل الحكومة الثقة، ليتحرك. «وهو لن يقبل بأن يستمر الوضع على ما هو عليه»، ملمّحاً إلى نيته استبدال عدد لا بأس به من أعضاء مجلس القيادة، فضلاً عن طرح ورشة لتعديل القوانين والمراسيم المنظمة لعمل المديرية.
لكن بارود يعرف الواقع. ورغم أن المرسوم لا يحتاج إلا إلى 4 تواقيع (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ووزير الداخلية ووزير المال)، فإن استبدال أعضاء مجلس القيادة بآخرين يحتاج إلى توافق سياسي. عودة إلى النقطة ذاتها.