أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الضاحية... إلى النظام.. ماذا لو مر السيد

الإثنين 09 تشرين الثاني , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,320 زائر

الضاحية... إلى النظام.. ماذا  لو مر السيد

كانت الساعة قد تخطّت منتصف الليل. الإشارة الحمراء المزروعة حديثاً عند تقاطع مروري في الضاحية الجنوبية لبيروت تكاد تصبح مصدراً وحيداً للنور، لولا مصابيح السيارة. فكهرباء الدولة مقطوعة في الشارع الذي يحمل اسم الشهيد هادي نصر الله. الشاب الذي يقود السيارة لم يجد على يمينه أو يساره ما يبشّر بوصول سيارات قريباً، فهَمّ بتجاوز الإشارة الحمراء. تنهره الشابة التي إلى جانبه قائلة: توقف. ماذا لو مر السيّد ورآك غير ملتزم بالإشارة الضوئية؟
الشابة تتحدّث عن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. ففي بعض أوساط الضاحية، يُنسَب إلى السيد قوله إنه كثيراً ما يتجوّل في الضاحية، وإنه لاحظ أن السائقين يلتزمون بالإشارات الضوئية، ولو في وقت متأخر من الليل. الكلام المنسوب إلى نصر الله أتى خلال واحد من الاجتماعات التي عقدتها قيادة حزب الله خلال الأشهر الماضية، والتي مهّدت لإطلاق «الحملة الأهلية للمساهمة في تطبيق النظام العام». الحملة التي ستنطلق رسمياً بحفل عند السادسة من مساء اليوم تهدف إلى توعية سكان الضاحية على أهمية النظام والاهتمام بتطبيق القوانين، بالتوازي مع السعي لدى الدولة من أجل القيام بواجباتها على الصعد التنموية والاجتماعية والأمنية.
الحديث عن «الدولة» في الضاحية «بيحرق القلب». خذ مثلاً الإشارة الضوئية. لم تعرفها الضاحية قبل الأشهر الماضية. وقبل تركيبها عند بعض التقاطعات، لم يكن هناك شرطي سير. وبعد تركيب الإشارات، ما زال بعضها يعاني مشكلة انقطاع التيار الكهربائي (رغم محاولة لحظ حل لهذه المعضلة عبر وحدات تغذية احتياطية). ويمكن النظر إلى «حكاية» الإشارة كعيّنة من أوجه غياب الدولة عن أكبر المناطق المهمّشة في لبنان، وإحدى أكثرها اكتظاظاً (نحو 800 ألف شخص في مساحة لا تزيد على 28 كلم2). شهدت هذه المنطقة تضخماً عمرانياً وسكانياً أكثر من مرة، بالتزامن مع المحطات الرئيسية في تاريخ البلد. الحرب الأهلية أدت إلى تهجير من المناطق الشرقية إلى الضاحية. الحرمان في البقاع زاد النزوح إلى الضاحية. الاجتياح الإسرائيلي عام 1978 لم يترك لأهل الجنوب وجهة إلا الضاحية، التي صارت محط رحالهم مع استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي المحررة. وبعد انتهاء الحرب الأهلية، بدأت مرحلة إخلاء المهجرين، فكان للضاحية نصيب كبير من السكان الذين يقطنون في العاصمة وبعض «مناطق المهجرين».
لدى تعداد أوجه غياب الدولة عن المنطقة، تبدأ لائحة قد لا تنتهي في هذه السطور. المدارس الرسمية، الكهرباء، الطرقات، زحمة السير، مواقف السيارات، معالجة النفايات، شح المياه (تصل إلى الضاحية كمية لم تتغير منذ أكثر من 20 عاماً بحسب مصادر بلدية في المنطقة)، النطاقات البلدية المتداخلة، غياب المراكز الصحية الرسمية ونقص عديد رجال الأمن وعتادهم.
وبين الناس والدولة في الضاحية حكاية لا تنضح بكثير ودّ. شأنهم في ذلك كمعظم سكان الضواحي في لبنان والعالم. وما لم يساعد على ترميم تلك العلاقة هو اعتداء السلطات على أهالي هذه المنطقة أكثر من مرة، فباتوا لا يقتربون من تضميد جرح حتى يُفتَح آخر أكثر إيلاماً ونزفاً (مجزرة طريق المطار عام 1993، حيّ السلم 2004، الرمل العالي 2006، مار مخايل 2008).

الحديث عن الدولة
في الضاحية «بيحرق القلب». الإشارة الضوئية، مثلاً، لم تعرفها قبل الأشهر الماضية

 

سؤال مشروع يتبادر إلى الذهن: لماذا استفاق حزب الله على هذه المطالب الآن؟

عمار: الحزب سيلاحق القضايا الإنمائية للمناطق المحرومة بوتيرة أكثر تنظيماً وتصميماً

تضخّمت الضاحية مرات ومرات. ورغم عدد من المشاريع التي نفّذت، إلا أنها لم تواكب ما مرّ على هذه المنطقة من تغيرات وأحداث. ومعظم الخطط التنموية المهمة بقيت حبراً على ورق، كمشروع إليسار (إنماء الواجهة البحرية للضاحية) والمخطط التوجيهي.
حزب الله هو الحاضر الأكبر في الضاحية، إلى جانب حركة أمل. وبعد سنوات طويلة من العمل الخدماتي بين الناس، خاض الحزب للمرة الأولى تجربة إعادة إعمار ضخمة عبر مؤسسة «وعد»، عقب عدوان تموز 2006. وللمرة الأولى تقريباً، يولي مشروعُ إعمار في الضاحية اهتماماً خاصاً بالأملاك والمساحات العامة ومحاولة زيادة الخضرة وتأهيل البنية التحتية تأهيلاً حديثاً.
ورغم أن الحملة التي ينظّمها حزب الله اليوم تبدو امتداداً لهذا التوجه الذي يضع الحق العام في درجة عالية على سلّم الأولويات، فإن سؤالاً مشروعاً يتبادر إلى الذهن: لماذا استفاق حزب الله على هذه المطالب الآن؟ يتوقف النائب علي عمار، وهو أحد الناشطين الرئيسيّين في هذه الحملة، عند كلمة استفاقة ويرى أنها في غير محلّها. فالحفاظ على «النظام العام هو جزء أساسي من ثقافة الحزب وعقيدته. ونحن لم نتوقف يوماً عن مطالبة الدولة بالقيام بواجباتها. لكن ثمة ما أسهم في سقوط ثقافة الانتظام العام لدى المواطن اللبناني عموماً، بدءاً من الحرب الأهلية والفساد الإداري والسياسي وتخلّي الدولة عن التخطيط والتنمية الريفية، إضافة إلى بقاء البلاد عرضة للعدوان الإسرائيلي الدائم». وبحسب عمار، فإن الحزب كان يصبّ في الفترة الماضية كل جهده في مقاومة العدوان الإسرائيلي، فضلاً عن الأولوية الأمنية الضاغطة في السنوات الماضية. ويلفت عمار إلى أن حزب الله وحركة أمل بذلا «الوافر من الجهد خلال السنوات العشر الماضية، عبر المجالس البلدية، من أجل تحسين الخدمات في المنطقة. وقد نجح العمل البلدي أحياناً. لكن الدولة لم تستفد من حضور البلديات، بل إن بعض الدوائر الرسمية كانت تتخطى المجالس البلدية أو تعرقل عملها». ويضيف نائب الضاحية: «بعد سلسلة دراسات للواقع في المنطقة، ارتأينا، كحزب الله وحركة أمل، ومن خلال التواصل مع البلديات والجمعيات، إطلاق الحملة، من أجل أن تكون الضاحية في موقع الريادة لإعادة الاعتبار إلى ثقافة القانون في المناطق المهمّشة». ويرى حزب الله أن حملته هي جزء من عمله المقاوم، إذ إن «الحفاظ على الأنظمة التي تعنى بشؤون المواطنين ومصالحهم تسهم في حماية الوطن»، بحسب عمار الذي يؤكد أن الحزب سيلاحق، من خلال نوابه وممثليه في الحكومة، القضايا الإنمائية للمناطق المحرومة بوتيرة أكثر تنظيماً وتصميماً. وهذا التصميم سيكون، بحسب حزب الله، إحدى ضمانتي نجاح الحملة. فالحزب وحركة أمل اتخذا قراراً لا رجعة عنه في تنفيذ هذه الخطوة. وبعد اجتماعات بين رئيس مجلس النواب نبيه بري وقيادة حزب الله، انتدب مجلس الشورى في الحزب أحد أعضائه، وهو رئيس المجلس التنفيذي السيد هاشم صفي الدين، للإشراف على هذه الحملة. كذلك، يؤكد أكثر من مسؤول في حزب الله أن تنفيذ الحملة سيصبح جزءاً من العمل اليومي لمؤسسات الحزب في المنطقة، «وسيكون مسؤولوه وأفراده أول من تُطبّق عليهم القوانين». أما الضمانة الثانية، فهي التعاون بين البلديات ومؤسسات المجتمع الأهلي، وإدراك المواطنين أن الالتزام بالأنظمة والقوانين يسهم في تحسين أحوال المنطقة عموماً، بحسب عمار.


 

التوعية قبل الأمن

منهال الأمين
تنشط «لجنة الإنماء الصحي والاجتماعي»، التي أنشأها حزب الله منذ أشهر في الضاحية الجنوبية، وانبثقت عنها لجان في كل أحياء المنطقة، في ما يصفه مسؤول اللجنة محمد حيدر بأنه محاولة للتعويض عن غياب طويل الأمد لكل ما له علاقة بالدولة عن هذه المنطقة. وبما أن الحزب هو صاحب النفوذ الأكبر في المنطقة، «فمن غير المبرر له الوقوف مكتوف الأيدي أمام الإهمال اللاحق بالمنطقة منذ عشرات السنين». وكرّت سبحة لجان الأحياء، حتى عمّمت في معظم أحياء الضاحية، ولا سيما تلك «المعلّقة» بين بلديتين أو أكثر، كحي السلم والليلكي وبئر حسن والجناح، وإن كان البعض لم يلمس بعد نتيجة عملها على أرض الواقع.
و«تكلّل» الجهد هذه المرة بحضور الدولة «شخصياً»، ممثلة بوزير الداخلية والبلديات زياد بارود الذي سيشارك اليوم في إطلاق حملة «النظام من الإيمان». ومن المنتظر أن يلقي بارود كلمة في الحفل الذي سيقام للمناسبة عند السادسة من مساء اليوم في قاعة الجنان (طريق المطار)، بعد كلمة لكلّ من رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد والمنسّق العام للحملة حسين فضل الله.
ووفق المنسّق الإعلامي للحملة غسان درويش، فإن الحملة عبارة عن «نشاط يستهدف الفرد بالدرجة الأولى، لأنه أساس انتظام الحياة. ومتى أفلحت الحملة في توعيته حسّ المسؤولية لديه وإيقاظه، نكن قد قطعنا ثلاثة أرباع الطريق نحو تطبيق النظام». ولذا، فإن جهد الحملة منصبّ «على توعية المواطنين ولفت أنظارهم إلى واجباتهم، عبر الاهتمام بتطبيق الأنظمة العامة وترشيد الاستهلاك في المياه والكهرباء ومنع التعدّي على شبكاتها، وتحسين المظهر الجمالي الخارجي للأحياء، إضافة إلى مواكبة ملف حساس يتعلق بالأخلاقيات والسلوكيات العامة». ولذا فإن لجنة الإنماء الاجتماعي «معنيّة أيضاً بمكافحة بؤر الفساد وظاهرة انتشار المخدرات بين الشباب، ولا سيما أن الحصول على حبوب الهلوسة أصبح في متناول الجميع، والعدوى آخذة في الانتشار». كذلك، تعنى الحملة «بالحد من نشاط شلل الليل وما تسبّبه من إزعاج للناس، عبر الدراجات النارية». وكان لافتاً ما كشفته مصادر إعلامية في حزب الله لـ«الأخبار» عن أن الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله قد يتطرّق إلى هذا الموضوع خلال كلمته التي سيلقيها في احتفال يوم الشهيد بعد غد الأربعاء. لكن شرط النجاح ـــــ بحسب درويش أيضاً ـــــ «مرتبط حكماً باضطلاع الدولة بواجباتها، فنحن نقول للدولة: تفضّلي قومي بواجبك، ونحن أمامكِ لا خلفكِ». ويوضح أن إجراءات عدة اتخذت على الأرض لضمان الالتزام بالنظام، كالعمل على تبديل محطات الكهرباء القديمة في معظم الأحياء بأخرى جديدة، ومنع التعدّي عليها. كذلك اتُّفق مع مؤسسة كهرباء لبنان على تركيب عدادات في منطقة الرمل العالي، إضافة إلى التنسيق مع البلديات في موضوع تحرير الأرصفة من البضائع ولوحات الإعلانات والسيارت وعربات الخضر والأكشاك غير المرخصة. أما المتضرّرون من هذه الإجراءات، «فعليهم أن يقتنعوا بأن المصلحة العامة مقدَّمة على ما عداها». وفي الفترة الأخيرة وُضعت عشرات إشارات السير على معظم مفترقات الطرق في الضاحية. وهناك شركة مختصة كُلّفت بوضع خطة للسير في المنطقة كلها. وبحسب التقويم الأوّلي، فإن تجاوب المواطنين مع نشاطات لجنة الإنماء الاجتماعي بلغ مرحلة متقدمة، ويأمل منظّمو الحملة استكمال غاياتها من التوعية والإرشاد، من خلال التشديد على شعار النظام من الإيمان «كالنظافة وسائر التعاليم الدينية الأخرى، في محاولة لتحفيز الناس في هذه المنطقة التي يغلب عليها طابع الالتزام الديني».
القيّمون على الحملة حددوا تاريخ انطلاقها اليوم، على أن «تستمر في وعي المواطن وسلوكه». هكذا يأمل المنظّمون، ونأمل معهم بطبيعة الحال.


 

رجل أمن لكل ألفَي مواطن

للضاحية الجنوبية لبيروت خصوصية أمنية تتمثل بأن معظم قادة المقاومة الذين لا تخفي إسرائيل نيّتها اغتيالهم، يسكنون فيها. لكن هذه الخصوصية لم تمنع التعاون بين حزب الله والأجهزة الأمنية الرسمية على مختلف الصعد.
في المنطقة خمس فصائل للدرك، ومفرزة للشرطة القضائية وأخرى للسير، وثالثة للطوارئ ومركز للأمن العام. وفيها مكتب لاستخبارات الجيش، إضافة إلى عدد من الثكن ونقاط التمركز. ويبدو النقص الأمني الأبرز في عديد فصائل الدرك ومفارزه، حيث تقلّ نسبة توزيع رجال الأمن عن واحد لكل ألفي مواطن.
يمكن سماع المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي يقول «إن حزب الله يطالبنا منذ مدة بتعزيز قطعاتنا في الضاحية». وبحسب ريفي، فإن اختراق الأمن الجنائي للمنطقة «على مستوى المخدرات وعصابات السلب والسرقة، قد يسهل للعدو الإسرائيلي اختراق المنطقة وزرع جواسيسه فيها». يتحدّث ريفي عن التعاون بين القوى الأمنية وكل من حزب الله وحركة أمل، ويضرب مثلاً قضية الدراجات النارية. ففي الآونة الأخيرة، بدأت القوى الأمنية بتشديد مكافحة الدراجات غير الشرعية. وحتى صباح أمس، كانت قطعات الأمن الداخلي قد حجزت 16524 دراجة نارية على الأراضي اللبنانية، بينها 1106 دراجات في الضاحية. ويلفت ريفي إلى أن أحداً لم يراجع القوى الأمنية بخصوص دراجة غير قانونية، وحُجز هذا العدد الكبير في الضاحية من دون حصول أي حوادث تذكر. ويَعِد ريفي سكان المنطقة بأنهم سيلمسون قريباً نتائج الجهد الأمني المبذول، سواء على مستوى تنظيم السير أو قمع المخالفات أو مكافحة الجريمة، مؤكداً غياب أي غطاء سياسي على أي مطلوب في المنطقة.
إضافة إلى ذلك، يتحدّث كل من ريفي وقائد الشرطة القضائية العميد أنور يحيى عن ثمرة التعاون مع حزب الله لناحية استعادة سيارات كانت قد بيعت بأوراق مزورة، من دون علم المشترين بذلك. ويجري في هذا الإطار تنفيذ خطة بإشراف وزير الداخلية زياد بارود لاستعادة نحو 65 سيارة بيعَت في مناطق مختلفة من لبنان.
ورغم المشاكل الداخلية التي تحكم سير العمل في قوى الأمن الداخلي، فإن قادتها المختلفين على إدارة شؤونها، اتفقوا على تعزيز أمن الضاحية. وفي الآونة الأخيرة، أصدر ريفي قراراً بتعزيز مفرزتي السير والطوارئ بخمسين فرداً من وحدة القوى السيارة. وكذلك أبدى قائد الدرك العميد أنطوان شكور تجاوبه الكامل مع مطالب نواب المنطقة وبلدياتها، واعداً بزيادة العديد بأكثر من خمسين رجل أمن كإجراء أوّلي. و سيؤدي تعزيز مفرزة السير إلى سحب تدريجي لعناصر «الانضباط» الذين استعانت بهم البلديات.
الجدير بالذكر أنّ ثمة بعداً آخر للتعاون الأمني بين حزب الله والقوى الأمنية الرسمية، وهو الذي أدّى، منذ تسعينيات القرن الماضي، إلى كشف العدد الأكبر من شبكات التجسس التي أعلن عنها وأحيلت على القضاء.
ح. ع.

Script executed in 0.20040917396545