أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

موقف جنبلاط وتشكيلة الحكومة: باي باي 7 حزيران!

الإثنين 09 تشرين الثاني , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,652 زائر

موقف جنبلاط وتشكيلة الحكومة: باي باي 7 حزيران!

الوقت الطويل الذي استهلكته المشاورات بشأن تأليف الحكومة، لم يكن ليوفّر حلاً مختلفاً عمّا هو مفترض، أو ليأتي بنتائج أفضل، بحسب تطلعات كل فريق، لأن التداخل بين المحلّي والإقليمي فرض تعقيدات جديدة على الطبقة السياسية اللبنانية. وأظهرت المشاورات جانباً من المشكلات الداخلية التي لا ينفع أيّ تدخل خارجي في علاجها. وربما للمرة الأولى يلاحظ اللبنانيون أن ثمن الاستقالة من أي تبعيّة لأي خارج محكوم بالظهور في مواضع عدة، أبرزها طريقة تأليف المؤسسات الدستورية والأمنية القابضة على قرار الدولة.
لم يعد خافياً أن «التواصل الإيجابي» الذي قام بين السعودية وسوريا ترجم بعلاقة جيدة على ما يبدو بين الملك عبد الله وابنه عبد العزيز من جهة، والرئيس السوري بشار الأسد من جهة ثانية، والتفاهم الذي حصل بين الفريقين لجهة توفير مناخات إيجابية تساعد في تأليف الحكومة، انعكس مع الوقت انفتاحاً من المتأثرين بالرأيين السوري والسعودي في لبنان بعضهما على بعض.
فالرئيس المكلّف سعد الحريري ما كان ليقبل إعطاء وزارتي الطاقة والاتصالات للعماد ميشال عون لولا أن الأمير عبد العزيز طلب منه ذلك وبإلحاح. وفعل الأمير السعودي ذلك نزولاً عند رغبة سورية قوية تعبّر بدورها عن تفهّم سوريا لرأي جهة بارزة في المعارضة من أنه بدون تحقيق هذا المطلب يصعب السير بالحكومة. وهذه الجهة ـــــ أي حزب الله ـــــ أبدت في المقابل استعدادها للتنازل عن أي حقائب مفترضة للحزب، في سياق تسهيل مهمة الحريري لناحية إعطاء هذه الحقائب لقوى حليفة له.
الأمر الثاني يتصل بكون سوريا، عندما أرادت إعطاء إشارة قوية وإيجابية، قد بادرت إلى حثّ النائب سليمان فرنجية على خطوة في هذا الاتجاه. وللعلم، فإن خطوة فرنجية جاءت بعد قبول الحريري منح الطاقة والاتصالات للعماد عون، علماً بأن الحريري حاول تمييع الأمر في بعض جلسات التفاوض، لكنه لم يكن يعلم بأن الجالس قبالته يعلم تفاصيل ما طلبت السعودية منه.
ومع أن خطوة فرنجية لم تكن موفّقة على صعيد الشكل، ما أثار امتعاض العماد عون، وكذلك امتعاض الرئيس نبيه بري، فإنها أدّت وظيفتها، الأمر الذي سبّب إحراجاً لفريق الحريري الذي لم يعد في وسعه اتهام دمشق بالعرقلة، فكان الإخراج بأن قررت قوى 14 آذار اتهام إيران والذهاب في التحليل بعيداً، والحديث عن خلاف سوري ـــــ إيراني، وهذا الحديث يدل على أمر واحد، وهو النقص الحاد عند أصحابه في فهم طبيعة العلاقات السورية ـــــ الإيرانية.
إلا أن الترجمة اللبنانية تفرض مقاربة ما حصل من زاوية السجال بمعناه الضيق، والذهاب مباشرة نحو ميزان الربح والخسارة. فما حصل عليه العماد عون من حقائب، كان معه أصلاً في الحكومة السابقة، لكن طريقة إدارة المعركة لدى فريق 14 آذار جعلت استعادة عون لحصته بمثابة انتصار له، علماً بأن بعضهم قد يرى في الأمر انتصاراً لإدارة الحريري معركة تأليف الحكومة.
كيف ذلك؟
بعد فوز 14 آذار في الانتخابات النيابية، واصل هذا الفريق معركته المحصورة في الشارع المسيحي. وكما في الانتخابات، تجمّعت الدنيا كلها ضد العماد عون، ورفع حلفاء السعودية والولايات المتحدة في لبنان لافتات كلها لاءات: لا ضرورة لتمثّل العماد عون في الحكومة، لا لمنحه وزارات أساسية مثل الاتصالات أو الطاقة، لا لتوزير جبران باسيل، لا لحصر التفاوض معه ومنحه حق الفيتو، لا لإعطائه نصف عدد الوزراء الموارنة... إلخ.

لاءات الحريري وحلفائه حيال عون جعلت ما حقّقه العماد فوزاً له وخسارة للآخرين

 

في هذه الحالة، ربما نجح الحريري في جعل النقاش الذي قام مع المعارضة ينحصر في هذه البنود، أي في كيفية معالجة مشكلة تمثيل العماد عون، ونجاحه هنا يتمثل في منع أي نقاش جدّي في كل الحكومة، وفي الحقائب الأساسية الأخرى، وفي مرشحيه لتوليها، وفي برامج العمل وغيرها، وعندما تمّ الاتفاق مع عون والمعارضة، بدا أن الحريري قد أعفى نفسه من الرقابة المسبقة، ونال فترة سماح إضافية، ربما يستخدمها كما كان يفعل والده الراحل، ويكتشف اللبنانيون بعد أشهر أن الأمور على حالها من السوء إن لم تكن أسوأ. لكنّ تورّط الحريري في معادلة «اللاءات»، جعل الحلفاء، ولا سيما الفريق المسيحي منهم، يتبنّونها كأنها معركة حقيقية. وتبادر إلى أذهان كثيرين منهم أنه يمكن تأليف حكومة من لون واحد، أو بالتحالف مع الشيعة من دون العماد عون، وعندما تمّ الاتفاق الأخير تبيّن أن هؤلاء خسروا رهاناتهم، وخسروا معركتهم، فاستعاد عون حقائبه وعاد جبران باسيل، وتولّى عون التفاوض الفعلي، وكان يمسك طيلة الوقت بالبطاقة الحمراء، ما يدفع إلى القول إنه حقق انتصاراً. ويمكن ملاحظة ذلك في ردة فعل مسيحيي 14 آذار الذين انصرفوا الآن إلى لملمة حصصهم ولو بعضهم على حساب بعض، وأكبر مثال على ذلك ما يحصل مع النائب بطرس حرب، الذي اكتشف أن حزب الكتائب أو القوات اللبنانية ليسا في وارد منحه حقيبة من حصتيهما. كذلك فإنه يخشى على توزيره إذا نال الأمير عبد العزيز حصته في الحكومة المتمثلة بالوزير نسيب لحود.
ثمة ملاحظة يجب التنبّه إليها في وقت قريب، وهي أن طريقة تأليف الحكومة، والتبدّل في موقف النائب وليد جنبلاط، يعنيان أمراً واحداً: باي باي 7 حزيران!


Script executed in 0.19764184951782