ما هي الرسالة التي اراد النائب وليد جنبلاط توجيهها الى حلفائه السابقين من خلال نعي فريق الرابع عشر من اذار عبر تلفزيون المنار تحديدا؟ ولماذا استهل مصالحته مع المحطة المذكورة بعد مقاطعة دامت اكثر من تسع سنوات بالتشديد على سقوط الاكثرية، والتأكيد على اعادة تموضعه بشكل تام وناجز؟ وهل احسن جنبلاط التوقيت في ظل تبدلات اقليمية كبيرة ترخي بتداعياتها على الساحة المحلية؟
اسئلة مشروعة في ظل انتظام الاجندة الاقليمية، خصوصا ان خطوة جنبلاط، وهو المعروف بالقارىء السياسي الذي يدرك اتجاه الرياح الدولية، جاءت استكمالا لخطوات خارجية لاقاها جنبلاط بانعطافات داخلية. فالاشارة الابرز التي يبدو ان جنبلاط كان قد التقطها بوضوح كانت مع بدء المفاوضات الاميركية - الايرانية، والتي تزامنت مع اشتداد الصراع على الحدود السعودية-اليمنية، بين القوات الحوثية المدعومة بالكامل من النظام الايراني، والحكومة السعودية الخائفة من تمدد موجة الاصولية، فكان ان اعطت الولايات المتحدة الضوء الاخضر لتركيا بلعب دور شرطي الخليج اذا جاز التعبير، ففهم جنبلاط ان رياح عرب الاعتدال بدأت بالانحسار ليحل مكانها الزمن الايراني-التركي-السوري، فالتقط جنبلاط الاشارة ونفذ اولى "تكويعاته" الشهيرة التي ازعجت السعوديين دون الاميركيين الذين كانوا على بينة من كل ما يحصل.
وما كادت قوى الاكثرية المحلية تلتقط انفاسها عبر اعلان جنبلاط انه خارج تركيبة 14 اذار وحليف ثابت لرئيس الحكومة سعد الحريري، حتى عاجلها الرئيس السوري بشار الاسد بزيارته الشهيرة الى السعودية، تلك الزيارة التي اكدت ان عهد المصالحات العربية-العربية قد حان، وعهد التهديد بالحرب على سوريا وايران قد ولى، ففهم جنبلاط ان مكانه الطبيعي في التركيبة المستجدة اصبح في مكان آخر، وعليه تبديل وجهة سيره بصورة نهائية صوب الضاحية الجنوبية.
وتوالى المشهد الاقليمي فصولا، فكانت القمة السعودية-السورية، وما تلاها من تفاهمات ما كانت لتبصر النور لولا الغطاء الايراني-الاميركي، وجاءت كلمة السر الاقليمية والضوء الاخضر الغربي ليكمل المشهد من منظور الوليد الذي جاهر عن نيته زيارة سوريا فور توفر الظروف التي باتت ناضجة ايضا وايضا، فكان ما كان.
وانطلاقا مما تقدم فقد اختار جنبلاط ان يعلن عن خط سيره الجديد انطلاقا من منبر حزب الله للتأكيد على وجهة نظره وعدم امكانية العودة الى الوراء معلنا بشكل غير مباشر ان العودة عن الخطأ فضيلة.
وفي خضم هذه المعمعة وجد الاكثريون انفسهم في خانة المغلوب على امرهم، فرئيس الاكثرية السابقة، ورئيس الحكومة سعد الحريري طوى صفحة العداء مع سوريا، وبالتالي اسقط عنها كافة الاتهامات المتعلقة باغتيال والده رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، معلنا ايضا بشكل غير مباشر ان ملف الاغتيال الذي اشعل فتيل العداء بات في عهدة المحكمة الدولية. فاسقط بذلك شعارات الاكثرية كافة، تلك الاكثرية التي بنت امجادها على هذين الشعارين دون سواهما.
وجاءت خطوة جنبلاط الاخيرة لتنعى الاكثرية، ولتدرج كلمة "السابقة" قبل ذكر الاكثرية على اعتبار ان انسحاب جنبلاط منها من خلال قوله ان المهمة التي انشئت في صددها قوى الرابع عشر من اذار قد انتهت بتكريس واقع مغاير، ولتترك في الميدان مسيحيي الاكثرية السابقة من دون سند او معيل اذا جاز التعبير وليبقي الاكثرية في عهدتهم.
وفي هذا السياق يعتبر قيادي بارز في الاكثرية السابقة ان جنبلاط احسن التقاط اللحظة السياسية الاقليمية والدولية بشكل ممتاز للغاية، وأخذ عليه طريقة نعيه للاكثرية على اعتبار انه لا يجوز نعي الميت، ولا الضرب فيه بحسب التعبير.