يؤكّد العارفون بتفاصيل التواصل بين الرئيس سعد الحريري ودمشق، أن الاتصالات غير المباشرة بدأت منذ أشهر قليلة سبقت تأليف الحكومة. فالرسائل بدأت بالتبادل عبر السعوديين، خلال الاتصالات بين الجانبين السوري والسعودي، التي توّجت بلقاء قمّة بين الرئيس بشّار الأسد والملك عبد الله.
نقل السعوديّون إلى الحريري أن دمشق ترغب في استقباله في الوقت الذي يراه مناسباً، وأنها تتفهّم رغبة الحريري في تأجيل الزيارة إلى ما بعد حصول حكومته على الثقة في البرلمان. وتتفهّم أيضاً أن تؤجّل الزيارة قليلاً، حتى ينضج الإعداد الشعبي لها. وعبّرت دمشق عن رغبتها في أن تكون الزيارة مصالحة سياسيّة وشعبيّة في الوقت عينه.
وشجّع السعوديّون الحريري على القيام بهذه الخطوة، وهم من ضغط عليه لقبول توزير جبران باسيل، وإعطاء وزارتَي الاتصالات والطاقة لتكتّل التغيير والإصلاح بقيادة النائب ميشال عون.
لاحقاً، قبل تأليف الحكومة، وجّه الوزير السابق وئام وهّاب رسالة تلفزيونيّة مرحّبة بزيارة الحريري، معلناً أن «خطوات سعد الحريري جريئة». ثم توقّع لاحقاً أن تنشأ علاقة جيدة بين الحريري وسوريا.
قابل الحريري هذه الخطوة وغيرها بتحييد سوريا عن أي عرقلة لتأليف الحكومة، عندما سأله نواب من كتلته عن دورها، وكان كلامه عنها يحمل إيجابيّة.
وأتت، في وقت سابق، زيارة النائب في كتلة المستقبل، نهاد المشنوق، إلى سوريا وعدم اعتراض الحريري عليها لتحمل رسائل غير مباشرة إيجابيّة، وتُهيّئ الأجواء نيابياً وشعبياً.
وإذ يؤكّد مطّلعون وجود تواصل مباشر بين الحريري ودمشق منذ أشهر عدّة، يرفضون الدخول في التفاصيل «كي لا نُخربط على الزيارة»، يقول مقرّبون من الحريري. ويوضحون أن التواصل ما زال في مستوى الرسائل. ويُضيف هؤلاء أن هناك عدداً من الشخصيّات التي تزور دمشق نقلت ترحيباً وتشجيعاً سوريَّين. ويكشف هؤلاء أن الحريري يرفض أن يكون هناك وسيط بينه وبين دمشق، «لأنها زيارة دولة»، لكنّهم يقرّون بوجود «أشخاص ذوي وزن يزورون الجانبين».
ماذا سيحمل الحريري معه؟
يؤكد المقرّبون من رئيس الحكومة أنه يرغب في أن تكون زيارته زيارة دولة بامتياز. وسيرافقه وفد حكومي، ليس بالضروري موسّعاً، «بل سيكون مُمَثّلاً». ويقصد هؤلاء بعبارة وفد ممثّل أنه سيضم الوزراء المسؤولين عن الملفّات التي سيطرحها الحريري، إضافةً إلى القوى السياسيّة الموجودة في الحكومة. وما زال موضوع الوفد المرافق له مدار بحث، ولا ينفي هؤلاء إمكان أن يُرافقه وفد نيابي.
وإذ يؤكّد هؤلاء الرغبة السوريّة في أن تكون المصالحة سياسيّة وشعبيّة، يجزمون بأن الحريري يُريد أن تكون ظروف الزيارة مهيّأة من أجل نجاحها.
ويلفت المقرّبون من الحريري إلى أن بعض من التقى رئيس الحكومة نقل له تأكيداً سورياً لإنجاح الزيارة، والاستعداد لبحث أي ملفّ، وخصوصاً أن «ملف المحكمة الدوليّة بات في عهدة المجتمع الدولي ولا يستطيع أحد عرقلتها».
يُضيف المقرّبون أن بعض زوار الحريري سألوه عمّا ينوي طرحه في دمشق، لكنّه تحفّظ على الردّ على هذا السؤال. رغم هذا، يُشيرون إلى وجود ثوابت سيُصرّ الحريري على طرحها، وهي ترسيم الحدود بين الدولتين، ملف المعتقلين في السجون السوريّة، السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات، إضافةً إلى ملفّات اقتصاديّة.
لكنّ أحد نوّاب تيّار المستقبل يستغرب «المبالغة في توقّع النتائج من الزيارة، بعد أربع سنوات من العداء والحروب السياسيّة. لذلك، لن تحمل أجوبة عن جميع الأسئلة». ورأى أنها زيارة طبيعيّة للحريري، لكونه رئيس حكومة يُمثّل جميع اللبنانيّين، ومن أبرز مهماته تحسين علاقة لبنان بالمجتمع الدولي والدول العربية وأوّلها سوريا. أضاف النائب المستقبلي أن الزيارة لا يُمكن أن تمثّل إلّا بداية الكلام بين الجانبين، «والتوقّعات العالية منها ستؤدي إلى إحباطات عندما تكون نتائجها عاديّة». ويختصر النائب الزيارة بجملة: «استعادة العلاقة بين البلدين من دون أمن وجيش سوريين».
ومن المتوقّع أن تكون زيارة دمشق محطّة أولى في جولة عربيّة ينوي الحريري القيام بها، ستشمل السعوديّة والإمارات العربيّة المتحدة ومصر ودول المغرب العربي. ويُشير مقرّبون من الحريري إلى أن تأليف الوفد المرافق إلى دمشق سيراعي تأليف الوفود التي ستزور الدول العربيّة الأخرى، كي لا يؤثّر الأمر سلباً في مجلس الوزراء.
ويرى العديد من المتابعين لزيارة الحريري إلى دمشق أن هذه الزيارة ستُمثّل البداية الفعليّة لعهد الرئيس ميشال سليمان، «الذي استعجل زيارة دمشق كي لا تكون التسوية بين الحريري وسوريا على حسابه»، كما قال أحد زائري دمشق دوريّاً. فيما تهكّم آخر على زيارة النائب السابق أسعد هرموش، مشيراً إلى أنها جاءت متأخّرة جداً.
لكنّ المؤكّد أن الزيارة التي باتت قريبة جداً، من دون تحديد موعد لها، ستُمثّل بداية مرحلة جديدة في التعاطي بين البلدين، وتطوي مرحلة العداء بين زعيم الغالبيّة السنيّة والجار الوحيد الشرعي للبنان.
معالجة «سلبيات المرحلة الماضية»
قد يكون النائب وليد جنبلاط أكثر الزعماء اللبنانيين صراحةً عندما يقول إنه يربط زيارته إلى دمشق بزيارة الحريري إليها. إذ إن العديد من القادة، تحديداً السنّة منهم، الذين يُشجّعون سعد الحريري على زيارة دمشق، يرغبون في حصول الزيارة كي تُعبّد الطريق أمامهم. إذ يرى هؤلاء أنفسهم غير قادرين على القيام بهذه الخطوة في ظلّ اتهام «زعيم السنّة» سعد الحريري للرئيس بشّار الأسد والنظام السوري باغتيال رفيق الحريري.
لذلك، يتهّكم أحدهم أن «العجقة» ستحكم خطّ دمشق ـــــ بيروت بعد زيارة الحريري. أمّا ضمن فريق 14 آذار، فهناك إجماع لدى أطرافه وقادته على ضرورة ذهاب الحريري إلى دمشق، كما يقول المقرّبون منه.
وعلى هذا الأساس، يقول هؤلاء إن الاتصالات بين الحريري والقوّات اللبنانيّة وغيرها من قوى 14 آذار تأتي في إطار تحديد الأولويات، وتوقيت الزيارة، وما يُفترض أن يحمله الحريري من ملفّات.
ولدى سؤال هؤلاء عن إمكان أن يضم الوفد المرافق وزير العدل إبراهيم نجّار (ممثّل القوات اللبنانيّة في الحكومة)، لأن الحريري سيطرح ملف المفقودين، يُجيب هؤلاء بأن هذا الأمر لم يُبتّ بعد.
ورأى الوزير عدنان السيد حسين أن الجولة العربية للحريري ستحدَّد في ضوء إنجاز البيان الوزاري، ولا معلومات حاسمة، مضيفاً أن الزيارة إلى دمشق ستكون مع بداية جولة عربية يعرّج فيها الحريري على دمشق، وتكون فرصة لمعالجة الملفات، بما في ذلك «سلبيات المرحلة الماضية. ونحن نراهن على مثل هذا الانفتاح وهذا التحرك، اللذين يخدمان لبنان والقضايا العربية، وخصوصاً بعد التقارب السوري ــــــ السعودي، الذي نرجو أن يتّسع ليشمل دولاً عربية عدة»، مشيراً إلى أنّ «من الضروري أن نعترف بأننا قصّرنا في المرحلة الماضية، وخلافاتنا كلها كانت نتيجة الخلافات العربية العربية».
وأوضح النائب عمّار حوري أن زيارة الحريري إلى سوريا «طبيعية، وتأتي ضمن سياق عام، لكونها زيارة لإحدى الدول الصديقة»، مستذكراً «زيارة رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة بعيد تأليف حكومته الأولى عام 2005».
وأشار النائب أحمد فتفت إلى وجود «مشاكل بين لبنان وسوريا يجب حلحلتها»، مذكّراً «بكلام الحريري عن أن موجبات رئاسة الحكومة تكون وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية».