أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

المؤسسات العسكريّة والأمنيّة (1) طوائف تُزيح القانون لميليشياتها

الأربعاء 18 تشرين الثاني , 2009 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,515 زائر

المؤسسات العسكريّة والأمنيّة (1) طوائف تُزيح القانون لميليشياتها

«عندما تخالف القيادات العسكرية القوانين، تتحول مؤسساتها إلى ميليشيات، وعندما لا ينفع القضاء ولا السياسة في إصلاح شيء، وتصبح المرجعيات السياسية والدينية هي المتحكمة في الأمر، فذلك كله يقود المواطن إلى البحث عن طريقة لأخذ حقه بيده».
«صار أكثر من ثلث عديد قوى الأمن الداخلي من المجندين المتعاقدين، غالبيتهم غير مؤهلين على مستوى الدورات العسكرية والأمنية الأساسية، والأخطر أنهم لا يعرفون القوانين ولا التعليمات التي تحتاج إلى العقل لا إلى الصراخ مع المواطن، وكلما نجح السياسيون في فرض هذا النوع من العناصر الأمنيين على الناس، احتاج الناس إلى السياسيين لدرء الشر عنهم. وعندها لا وطن ولا مؤسسات».
«عندما جرت مقايضة السوريين بالأمن مقابل السياسة، كان الجيش يحتاج إلى قرار كبير لإبعاده عن الطبقة السياسية وتخليصه من تدخّلاتها، ولعدم إخضاعه ومنحه الهامش الذي يعطيه حق التدخل لمواجهة أي حالة شاذة بمعزل عن وعائها الطائفي أو الحزبي. وإذا حاول السياسيون اليوم استعادة السيطرة على المؤسسة العسكرية لعدم توافر الغطاء الذي يحمي استقلاليتها، فسيكون متعذراً على الجيش فضّ خلاف بين أفراد عصابات في أي حيّ من أحياء العاصمة».
هذا الكلام يعود إلى ثلاثة من كبار الضباط باتوا الآن خارج الخدمة، وإلى رابع في طريقه إلى المنزل. والمشكلة أن رفع الصوت داخل الهيئات القيادية في هذه المؤسسات لم يعد من قبيل تحصيل الحاصل دون نقاش، بل على العكس، فإن الضباط الكبار الذين يلاحظون المشاكل لا بدّ لهم من أن يختاروا بين حلّين: إما الابتعاد بانتظار العودة إلى البيت، وإما اللجوء إلى مرجعيات سياسية وطائفية ومذهبية تحت عنوان التحذير من تعرض مصالح الطائفة أو الجماعة لخطر التهميش. والمؤسف أن العيّنة الثانية تزداد يوماً بعد يوم داخل هذه المؤسسات.
في قوى الأمن الداخلي مشكلات تاريخية، وعندما حاول الرئيس الراحل رفيق الحريري انتزاع تأسيس قاعدة له داخل هذه المؤسسة وتعزيزها بعدما فقد الأمل بنفوذ في الجيش، تولى السوريون منعه من ذلك، بمساعدة حلفاء في السلطة السياسية وفي المؤسسات العسكرية الأخرى. وبعد اغتياله، كان الهاجس الأول لدى الفريق السياسي الموالي لخلفه سعد الحريري، السعي إلى انتزاع نفوذ من خارج الأطر غير الرسمية. كانت قوى الأمن الملعب الرئيسي لهذه الجماعة، وفيها استعادت قوى 14 آذار نفوذاً كبيراً على صعيد التوظيف والإدارة والمعالجة اليومية لمشكلات المواطنين، بالإضافة إلى الدور الاستثنائي لفرع المعلومات الذي تجاوز الحدود المتعارف عليها. وكانت قوة هذا الفريق كافية لعدم التوقف عند أي إجراء قانوني ينتظر إقرار الوضع الجديد لقوى الأمن الداخلي.
وفي كل مرة حصل فيها نقاش لوضع هذه المؤسسة، كانت اللعبة السياسية هي المسيطرة. وبعد أحداث 7 أيار، قرر فريق الحريري تعزيز حضوره وسيطرته على المؤسسة الأمنية. تأكد له يومها أن الشارع ليس صالحاً لإدارة معركة متكاملة، وباشر القيّمون على المؤسسة سلسلة من الخطوات غلبت عليها روح التسوية، بغية منع أي تفجير للمؤسسة. وبهذا المعنى، يمكن فهم «الرضى» النسبي الموجود عند حزب الله، مثلاً، عن العلاقة مع قيادة قوى الأمن الداخلي. رغم أن حزب المقاومة تصرّف طويلاً ــــ ولا يزال ـــــ بحذر شديد

سلطة 14 آذار لم تتراجع عن مشروعها للسيطرة على قوى الأمن الداخلي

ربطاً بتعقيدات أمنية وسياسية يتجاوز بعضها حدود لبنان.
الرد التقليدي من قيادة قوى الأمن يقول إن النقاش النقدي يعبّر في معظمه عن رأي سياسي يمثّل القوى المعارضة للسلطة المشرفة على عمل وزارة الداخلية وقوى الأمن نفسها. ويشرح اللواء أشرف ريفي والعقيد وسام الحسن («الرجل القوي» في المؤسسة)، الظروف التي تحيط بعمل المديرية والوحدات كافة. لكنه شرح يقتصر عملياً على محاولة ردّ التهمة بالاستنساب والانحياز السياسي من دون تقديم أجوبة عن الأسئلة القانونية التي ترافق عمل المؤسسة، ولا سيما ما تعلّق منها بفرع المعلومات.
لكن النقاش الأصعب هو مع الجيش، حيث المؤسسة الأقوى التي تجنّبت اختبارات قاسية خلال عهد فريق 14 آذار الذي استمر حتى الانتخابات النيابية الأخيرة، وثمة ملاحظات صادرة عن فريقي النزاع في لبنان على ما كان البعض يرغب للجيش في أن يقوم به، سواء بمواجهة حركة 14 آذار والمطاردة السياسية والأمنية التي قام بها هذا الفريق منذ انتخابات عام 2005 لكل معارضيه، أو على كيفية تصرفه في مواجهة الانتفاضة الشعبية ـــــ المسلحة التي حصلت في أيار 2008. فيما بدا أن الجيش يريد تحييد نفسه عن نزاع سياسي أهلي يمكن، لو تورط فيه، أن ينفجر ويتشظى.
لكن الابتعاد عن المواجهة، على أهميته في حفظ المؤسسة، بدأ يؤثر على موقعها العام في مواجهة احتمالات الانقسام القائمة في البلاد وعمليات التسلح ونشوء بؤر أمنية مختلفة في أكثر من منطقة وانتشار كثيف للعصابات التي تتخذ من فوضى النظام غطاءً لانتهاكاتها.
غداً: مَن يريد تفجير الجيش؟


Script executed in 0.19011402130127