أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ليلة القبض (الافتراضي) على «أميركا»

الأربعاء 18 تشرين الثاني , 2009 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,087 زائر

ليلة القبض (الافتراضي) على «أميركا»

هيّا بنا نقبض على جورج بوش! في زاوية بيضاء، نستفرد بالشاشة وأزرار التحكّم وبالرئيس الأميركي السابق. على أنغام نشيدٍ لـ «القاعدة»، نخوض معركة افتراضيّة، متعقِّبين آخر الأباطرة. لعبة الفيديو هذه عمل للعراقي وفاء بلال، يعرضه «مركز بيروت للفنّ» ضمن المعرض الجماعي «أميركا». «ليلة القبض على بوش: جهاد افتراضي» هي أساساً نسخة مقلوبة أنتجتها «القاعدة» للعبة «البحث عن صدام». لكنّ بلال حرّف قصتها، فاستخدم الوسيط الافتراضي، ليجعل من نفسه بطل اللعبة الذي تجنِّده «القاعدة» بعد مقتل أخيه في حرب العراق. مشاغبة استفزّت كثيرين بتحطيمها صورة «الإرهابي» المنمّطة وتحدّيها للرواية الأميركية الوحيدة.
«سيدة الحرية في ماديسون سكوير غاردن»   (١٩٩٨) لغريتا برات«سيدة الحرية في ماديسون سكوير غاردن» (١٩٩٨) لغريتا برات

عمل بلال واحد من 16 عملاً وتجهيزاً بدأ المركز بتجميعها منذ الربيع الماضي. توقّف المنظّمون عند أسطورة «أميركا» في المخيِّلة الراهنة، وبحثوا في إنتاجات الفنِّ المعاصر منذ السبعينيات، بدءاً من أحد آباء فنّ الأداء الألماني جوزيف بويز ومعاصريه، إلى بلال العراقي وأترابه، مروراً بناجي العلي. نلتقي هذا الأخير عبر 10 رسوم كاريكاتوريّة من دون عنوان، اختيرت لما تتضمنّه من سخرية لاذعة حول دور الأميركي في الصراع العربي الإسرائيلي، ومواقف ما زالت تسكن الوجدان العربي حتّى يومنا.
السؤال هنا عن مقاربة الفنّ المعاصر لأميركا كقوّة عظمى وحلم. نجد أنفسنا أمام وقفات تشكيليّة يتوازى فيها الهمُّ السياسي، مع الشغل على المادّة وتفكيكها. مثلاً، وضع اللبناني زيّاد عنتر في كاميراه شريطاً فيلمياً انتهت صلاحيته عام 1976، ليصوّر نيويورك بالأبيض والأسود، تحت عنوان «نيويورك المنتهية مدتها» (2009). تبدو الأعمال كأنَّها مقتطفات من شريط سينمائي قديم، أو لوحات زيتية مهترئة. التشويش على الصورة يكتنف رغبةً في كسر الأيقونة. نجد في البنى التحتيّة للعمل، تلطيخاً لمنظومة «نقيّة» ثابتة ومكرّسة، وهو فعل تمارسه الأعمال المشاركة الخارجة من رحم أساليب التعبير ما بعد الحداثية.
يستوقفنا في هذا السياق، عمل «أحب أميركا وأميركا تحبني» (1974)، وهو منعطف في تاريخ الفنّ المعاصر، بتوقيع جوزيف بويز (1921 ـــــ 1986). دخل الفنان الألماني الولايات المتحدة وخرج منها من دون أن يطأ أرضها. غلَّف جسده بغطاءٍ من اللبّاد، وأقلّته سيارة إسعاف من المطار إلى صالة العرض. هناك، حبسَ نفسه في قفص أياماً مع ذئب شمال أميركا، الرمز المقدس لسكان أميركا الأصليين، فلم يهاجمه الذئب. عمله كان بحثاً في ضرورة الحفاظ على التوازن الطبيعي الذي تنتهكه الحضارة. يبدو عمل كارا ووكر أقلّ رمزيّة. في «شهادة: قصة زنجيّة أثقلتها النيات الحسنة» (فيديو، 8 د و49 ث، 2009)، تقدم الفنانة الأميركيّة شريطاً صامتاً، بالأبيض والأسود، يستخدم تقنية الظلال. القصّة حكاية عبدة تصبح سيّدة، فتحوّل سيدها إلى آلة لملذاتها الجنسيّة. إنّها حلقة نيتشيويّة مفرغة من العبوديّة المعكوسة، تخرج منها مع حفرة في ضميرك.

تجارب إبداعيّة يتوازى فيها الهمُّ السياسي، مع تفكيك الأسطورة والشغل على المادّة

العملان تشريح استرجاعي للتاريخ الأميركي القائم بعنفه وهمجيته. من جهته، اختار المغربي منير فاطمي الذهاب «خارج التاريخ» (2005 ـــــ 2009). يصوّر دايفيد هيليارد أحد مؤسّسي «الفهود السود» كما أصبح اليوم. نرى الثائر في شريط الفيديو كهلاً تمرّ فوقه خربشات متنوّعة من وثائق أرشيفية أميركيّة. كأنّنا به يسأل: ماذا يبقى من القضيّة حين تصبح في زمن آخر يعترف بقيم أخرى؟
نواصل الخروج على التاريخ في «الفيلم اللامرئي» (2005) لميليك أوهانيان، حيث يبلغ التجريد أقصاه. اشتغل السينمائي الفرنسي على فيلم بيتر واتكنز «حديقة العقاب» (1971) الذي يروي حرب فيتنام، ومُنع في الولايات المتحدة 25 سنة. على شاشة، نرى آلة البث السينمائي موضوعة في صحراء شاسعة، نسمع الموسيقى التصويريّة والحوارات، من دون أن نرى الفيلم.
وحده وليام إيغلستن غير مهتم بأي تأريخ. يضع المصوّر الأميركي كاميراه على قارعة الطريق، أو يأخذ لقطته مواربة. في «أجراس الغبار 1» (1965 ـــــ 1974) صور لمواقف السيارات ومحطات البنزين، كأنّها تجسيد لسلوك أمّة بأكملها. سلوكٌ تمسكه آن ـــــ مي ليه من طرفه الآخر. المصورة الفيتنامية صوّرت مواقع عسكريّة أميركيّة ممتدة من العراق إلى القطب الجنوبي. خمس صور فوتوغرافيّة من القطع الكبير عنونتها «أحداث على الشاطئ» (2008)، تسلط الضوء على مواقع تركَ جنودها بصمات حادّة عليها. في «بصمة يد» (2009) بحثت جيني هولزر عن تلك البصمات ووثّقتها. اشتغلت الفنانة الأميركيّة عرضاً رقمياً لبصمات جنود أميركيين منقحة، اتًُّهم أصحابها بارتكاب جرائم في العراق.
يركّز «أميركا» على «تصوّر أميركا وتصويرها» وتمثّلاتها في الوعي العالمي، وحضورها هاجساً في الإبداع الفنّي. أميركا تجتاح العالم، تحتلّه بطعامها ولغتها وجنودها. أميركا تشغل بال الفنانين أيضاً، وها هم يقفون غير قادرين على التقاطها. كأنّها رحلة/ لعبة القبض على أميركا

Script executed in 0.20193815231323