أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لا دفاعاً عن العميد شكور ولا لوماً للواء أشرف ريفي (جميل السيد)

الجمعة 20 تشرين الثاني , 2009 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,064 زائر

لا دفاعاً عن العميد شكور ولا لوماً للواء أشرف ريفي (جميل السيد)

 عندما يخرج الخلاف بين أركان إحدى المؤسسات العسكرية أو الأمنية إلى العلن، يكون ذلك موضع استهجان وتساؤل لدى المواطنين من مختلف المستويات والانتماءات، فيما يكون لهذا الأمر وقع الصدمة على جميع العسكريين من دون استثناء وحيثما كانوا. فليس في ثقافة العسكريين ولا في مناقبيتهم أن ينشر غسيلهم على سطوح الإعلام، لما في ذلك من تأثير سلبي عميق على معنويات العسكريين أنفسهم، بل وبالأخص، على الأداء الأمني للقوى التابعة لتلك المؤسسات وبالتالي على مصالح المواطنين جميعاً...

[ وما يجري في هذه الفترة وفي هذا المجال على مستوى القيادة في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، ولا سيما لجهة الخلاف بين مديرها العام اللواء أشرف ريفي وقائد الدرك العميد انطوان شكور، يتجاوز حدود الفضيحة إلى الجريمة بحق تلك المؤسسة، وهي جريمة يتشارك في المسؤولية عنها كبار السياسيين في البلد بالإضافة إلى الضباط المعنيين أنفسهم، حيث جذور تلك المشكلة في الأمن الداخلي تعود إلى أيام الاستقلال وهي مستمرة حتى اليوم،.. فلا يختلف لبنانيان حول ما يشاع من أخبار وحكايات واتهامات ضد تلك المؤسسة، برغم نزاهة العديد من ضباطها وأفرادها، ويجمع اللبنانيون على ان أي فساد في هذه المؤسسة إنما يعود إلى النفوذ السياسي المتوارث المفروض عليها من جهة، وإلى فرض التبعية على قيادتها وخصوصاً في السنوات الأخيرة...

[ ليس دفاعاً عن قائد الدرك العميد انطوان شكور الذي كان أحد تلامذتي في المدرسة الحربية لمدة عامين في مطلع السبعينيات، ولا لوماً على رئيسه اللواء أشرف ريفي الذي خدم بأمرتي في لجنة التنسيق اللبنانية ـ السورية المشتركة في مطلع التسعينات، فالضابطان يتمتعان بمواصفات جيدة على المستوى الشخصي، لكن عندما يتفاعل الخلل علناً إلى هذا الحد بين ضابطين في مناصب قيادية في أية مؤسسة عسكرية، فإن الملامة الكبرى تقع حتماً على الرئيس الأعلى رتبة وموقعاً، أي اللواء أشرف ريفي في هذه الحالة، والذي على الرغم من مواصفاته الشخصية، فإنه لم يستطع طيلة السنوات الماضية ان يُخرج مؤسسته من القمقم السياسي الذي حوصرت فيه، وقد كان بإمكانه ذلك، لولا انه قد جرى تطويقه سياسياً، وفرضت عليه أثقال أغرقت مؤسسته في وحول السياسة وانحرافاتها، ولعل أكثر تلك الأثقال عبئاً، هي تلك التي تمثلت في دور وفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي برئاسة الرائد سمير شحادة أولاً، ثم من بعده العقيد وسام الحسن، اللذين تورطا فورطا تلك المؤسسة في مؤامرة شهود الزور وتضليل التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري بواسطة محمد زهير الصديق وهسام هسام وغيرهما، ولأسباب سياسية مكشوفة... وكان الهدف منها إلصاق التهمة، بأي ثمن وبأي طريقة، بسوريا وبرؤساء المؤسسات الأمنية اللبنانية في ذلك الحين، وهو ما افتضح أمره لدى المحكمة الدولية وبات يعرفه القاصي والداني في لبنان والعالم.

[ إذن في الخلاف العلني بين اللواء ريفي والعميد شكور هنالك خطآن جسيمان أحدهما خطأ شخصي قيادي، والآخر خطأ سياسي يرتبط بالدور المعطى لفرع معلوماته وخلافاً للقانون:

ففي الخطأ الشخصي القيادي، فإن اللواء ريفي، حتى ولو جرى تعيينه في منصبه تحت الراية السياسية المعروفة، فإنه كان عليه ان يصبح بعد تعيينه مُلكاً للجميع داخل مؤسسته وخارجها، بالطبع، لا يختلف وضع اللواء ريفي في هذا المجال عن الوضع الراهن في مؤسسات أخرى، بينها مدنية، كالعلاقة التي تأزمت مؤخراً بين مدير عام أوجيرو عبد المنعم يوسف ووزير الاتصالات السابق جبران باسيل. لكن نكهة هذا النوع من الخلافات العلنية في المؤسسات العسكرية والأمنية، لها أبعاد أكثر عمقاً وخطورة، حيث مسؤولية الرئيس في هذه المؤسسات تفرض عليه قيادتها بالحد الأقصى من الفعالية والاحتواء، وحين يخرج الخلاف إلى العلن، توجه إلى الرئيس تهمة الفشل حتى، ولو كان المرؤوس المختلف معه مخطئاً...

[ ربما في هذا المجال اختلط على اللواء أشرف ريفي التمييز بين مفهوم الرئاسة ومفهوم القيادة، والفرق شاسع بين الرئيس والقائد. فكل قائد هو رئيس وليس كل رئيس هو قائد. فالتعيين السياسي للواء ريفي في منصبه، كما حيازته على الرتبة الأعلى في مؤسسته، تجعله حُكماً رئيساً للجميع وليس بالضرورة قائداً للجميع في تلك المؤسسة. فالرئيس هو شخص يعطي الأوامر ويطيعه مرؤوسوه انطلاقاً من رتبته ومن موقعه، وأحياناً خوفاً من السياسة التي تدعمه. أما القائد فيعطي الأوامر ويطيعه مرؤوسوه انطلاقاً من قيمته الشخصية التي يملأ بها رتبته وموقعه، وهذه القيمة تكون علمية وأخلاقية ومهنية، ولا تكتمل إلا بالحيادية السياسية للرئيس وبعدالته تجاه مرؤوسيه في كل شيء، وحينها فقط يصبح الرئيس قائداً، وهذا ما لا يتوفر حالياً في قوى الأمن الداخلي وفي مؤسسات أخرى عديدة.

[ الرئيس منصب ورتبة وسلطة، أما القائد فمنصب ورتبة وقيمة وعدالة وحسن إدارة. وباختصار، الخلاف بين أشرف ريفي اللواء، وبين انطوان شكور العميد، هو خلاف رئيس ومرؤوس، وبمجرد ان يقرر اللواء أشرف ريفي أن يتحوّل من رئيس إلى قائد، وهو ما ليس سهلاً عليه، فإن مشكلته مع العميد شكور وغيره ستنتهي حكماً، [ وكما سبق وذكرنا فإن الخلل الشخصي القيادي لدى اللواء أشرف ريفي لم يكن وحده سبب الخلافات بينه وبين العديد من قادة الوحدات في قوى الأمن الداخلي، بل ان السبب الثاني والأكثر خطورة من هذا الخلل، تمثَّل في شبهة انصياع اللواء ريفي طوعاً لتوجيهات سياسية معروفة قررت ان يكون فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي بمثابة مديرية مخابرات خاصة بها... مع كل ما تضمنه هذا الدور من مخالفات قانونية، تبدأ من تكوين هذا الفرع وتسميته، ولا تنتهي بالممارسات والتجاوزات التي ارتكبها على الملأ، ولم يتردد اللواء ريفي نفسه من الاعتراف علناً في تصريح لإحدى الصحف اللبنانية بالقول «نعم ارتكبنا العديد من الأخطاء في التحقيق بجريمة الاغتيال... نعم ارتكبنا أخطاء في تبني شهود زور مثل هسام هسام وغيره...»، لكن السؤال الذي بقي معلقاً لدى الجميع، وموجهاً إلى اللواء أشرف ريفي هو عما فعله تجاه من ارتكبوا هذا التزوير وليس هذا الخطأ؟ وهل فتح تحقيقاً حول دور فرع المعلومات في كيفية تبني شهود الزور من هسام إلى الصديق وغيرهما، خاصة وان كل ذلك كان يجري تحت بصره وأمرته؟ الم تكن التوجيهات السياسية هي التي منعت من محاسبة شهود الزور؟

[ الواقع أنه لا يصبح مستغرباً أن «يتمرّد» العميد انطوان شكور ويرفض ان يحاسبه اللواء ريفي على عدم تنفيذ أوامره في تشكيل ضباط، بينما اللواء ريفي نفسه يرفض أو يعجز عن محاسبة ضباط آخرين عن ارتكابات هي أخطر من ذلك بكثير، ولا سيما في التزوير بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري،
إزاء هذا الواقع المرير في مؤسسة قوى الأمن الداخلي وغيرها، يصبح من حق أي مواطن لبناني ان يتساءل عن الحل والعلاج، وهو ما يبدو مستحيلاً في ظل الظروف السياسية القائمة والانقسامات الطائفية والمذهبية التي باتت تتجذّر أكثر وأكثر في المؤسسات والإدارات المدنية والعسكرية والقضائية على حد سواء. وبالطبع ليس من حل مرحلي لهذا المرض سوى ان يتولى رئيس الجمهورية شخصياً مسؤولية التعيينات في الأمن والقضاء على وجه التحديد، باعتباره مرجعاً دستورياً محايداً من جهة، وباعتباره القائد الأعلى للقوى العسكرية في الدستور، كما انه القاضي الأول في البلاد والذي يُقسم أمامه كبار القضاة يمين الولاء للقانون وللشرعية.

نعم ان يكون وزراء الأمن والعدل للرئيس أو محايدين أو لجهة سياسية معينة، فتلك ليست مشكلة كبرى، أما أن يكون القادة الأمنيون والعسكريون وكذلك كبار القضاة ولا سيما موقع مدعي عام التمييز، لهذا الفريق السياسي أو ذاك، ولهذا الزعيم أو ذاك، فإن ما نشهده اليوم بين ريفي وشكور ليس سوى مقدمة لما هو أسوأ ليس في قوى الأمن الداخلي وحدها بل في كل المؤسسات الأمنية والقضائية الأخرى.

Script executed in 0.17874097824097